[ ١ / ٢١٣ ]
أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ، - بِالْبَصْرَةِ -، نا أَبُو الْحَسَنِ، عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادَرَائِيُّ، نا ابْنُ أَبِي زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْعَنَزِيُّ، نا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ «يُسَمَّى الْبَحْرَ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ»
[ ١ / ٢١٣ ]
أنا أَبُو الْقَاسِمِ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ النِّجَادُ، نا جَعْفَرٌ الصَّائِغُ، نا فُضَيْلُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ، فَلَمَّا نَزَلَ عَنْهُ قَالَ: «وَجَدْتُهُ بَحْرًا» ⦗٢١٤⦘ قَالَ لَنَا أَبُو الْقَاسِمِ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَجَازِ، لِأَنَّهُ شَبَّهَ سُرْعَةَ الْفَرَسِ فِي جِرْيِهِ بِالْبَحْرِ وَجَرَيَانِهِ وَهَوْلِهِ وَعِظَمِهِ فَإِذَا وَرَدَ لَفْظٌ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِإِطْلَاقِهِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُ مَجَازٌ، فَيُحْمَلُ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ وَأَمَّا الْمَجَازُ فَحَدُّهُ: كُلُّ لَفْظٍ نُقِلَ عَمَّا وُضِعَ لَهُ وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ الْمَجَازَ فِي اللُّغَةِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَجَازٌ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْعُدُولَ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ، إِنَّمَا يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِهِ مَجَازٌ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الْمَجَازَ لُغَةُ الْعَرَبِ وَعَادَتُهَا، فَإِنَّهَا تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ الشَّيْءِ إِذَا كَانَ مُجَاوِرًا لَهُ، أَوْ كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ، وَتَحْذِفُ جُزْءًا مِنَ الْكَلَامِ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ، إِذَا كَانَ فِيمَا أُبْقِيَ دَلِيلٌ عَلَى مَا أُلْقِيَ، وَتَحْذِفُ الْمُضَافَ وَتُقِيمُ الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَتُعْرِبُهُ بِإِعْرَابِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِأَلْفَاظِهَا وَمَذَاهِبِهَا وَلُغَاتِهَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، وَنَحْنُ نَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّ الْجِدَارَ لَا إِرَادَةَ لَهُ
[ ١ / ٢١٣ ]
أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أنا أَبُو بَكْرٍ، أَحْمَدُ بْنُ كَامِلِ بْنِ خَلَفِ بْنِ شَجَرَةٍ الْقَاضِي، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ ثَعْلَبٍ، ⦗٢١٥⦘ نا عَلِيُّ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: " لَيْسَ لِلْحَائِطِ إِرَادَةٌ وَلَا لِلْمَوَاتِ وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالِ فَهُوَ إِرَادَتُهُ، وَهَذَا قَوْلُ الْعَرَبِ فِي غَيْرِهِ:
[البحر الوافر]
يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِي بَرَاءٍ وَيَرْغَبُ عَنْ دِمَاءِ بَنِي عَقِيلٍ"
[ ١ / ٢١٤ ]
أنا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ السَّمُرِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]، يُقَالُ: كَيْفَ يُرِيدُ الْجِدَارُ أَنْ يَنْقَضَّ؟ قَالَ الْفَرَّاءُ: " وَذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا: الْجِدَارُ يُرِيدُ أَنْ يَسْقُطَ" وَمِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، وَالْغَضَبُ لَا يَسْكُتُ، إِنَّمَا يَسْكُتُ صَاحِبُهُ، وَمَعْنَاهُ: سَكَنَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]، إِنَّمَا يَعْزِمُ الْأَمْرَ أَهْلُهُ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الخفيف]
إِنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجَمَلِ لَزَمَانٌ يَهُمَّ بِالْإِحْسَانِ
وَقَالَ الْآخَرُ:
[البحر الرجز]
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلَانَا مُبْتَلَى
[ ١ / ٢١٥ ]
وَالْجَمَلُ لَمْ يَشْكُ، إِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَطَقَ لَقَالَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
[البحر الكامل]
وَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ الْقَنَا بِلَبَانِهِ وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ
قُلْتُ: وَنَحْوُ مَا ذَكَرْنَا، قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]، وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ، أَنَّ الْقَرْيَةَ لَا تُخَاطَبُ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]
[ ١ / ٢١٦ ]
أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْمُقْرِئُ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بُكَيْرٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ، يَقُولُ: " قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]، فَذَهَبَ بِهِ قَوْمٌ مَذَاهِبَ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ بَكَتِ الرِّيحُ وَالْبَرْقُ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ حِينَ أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ وَأَغْرَقَهُمْ، وَأَوْرَثَ مَنَازِلَهُمْ وَجَنَّاتِهِمْ غَيْرَهُمْ، لَمْ يَبْكِ عَلَيْهِمْ بَاكٍ، وَلَمْ يَجْزَعْ جَازِعٌ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمْ فَقْدٌ وَقَالَ آخَرُونَ: أَرَادَ فَمَا بَكَا عَلَيْهِمْ أَهْلُ السَّمَاءِ وَلَا أَهْلُ الْأَرْضِ، فَأَقَامَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ مَقَامَ أَهْلِهِمَا، كَمَا قَالَ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ، وَقَالَ: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]، أَيْ: يَضَعَ
[ ١ / ٢١٦ ]
أَهْلُ الْحَرْبِ السِّلَاحَ " قُلْتُ: وَالْمَجَازُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، يَشْتَمِلُ عَلَى فُنُونٍ: فَمِنْهَا: الِاسْتِعَارَةُ، وَالتَّمْثِيلُ، وَالْقَلْبُ، وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ، وَالْحَذْفُ، وَالتِّكْرَارُ، وَالْإِخْفَاءُ وَالْإِظْهَارُ، وَالتَّعْرِيضُ، وَالْإِفْصَاحُ، وَالْكِنَايَةُ، وَالْإِيضَاحُ، وَمُخَاطَبَةُ الْوَاحِدِ مُخَاطَبَةَ الْجَمِيعِ، وَمُخَاطَبَةُ الْجَمِيعِ مُخَاطَبَةَ الْوَاحِدِ، وَخِطَابُ الْوَاحِدِ وَالْجَمِيعِ خَطَّابَ الِاثْنَيْنِ، وَالْقَصْدُ بِلَفْظِ الْخُصُوصِ مَعْنَى الْعُمُومِ، وَبِلَفْظِ الْعُمُومِ مَعْنَى الْخُصُوصِ، وَبِجَمِيعِ ذَلِكَ نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى كِتَابَ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ وَرَسَمَ الْعُلَمَاءَ مِنْ بَعْدِهِ فِي ذَلِكَ كُتُبًا، عُرِفَتْ وَاشْتَهَرَتْ، لَا يَتَعَذَّرُ وُجُودُهَا عَلَى مَنْ أَرَادَهَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ
[ ١ / ٢١٧ ]