بَابُ بَيَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ اعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَةٌ عَلَى الْحُكْمِ، وَدِلَالَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا بُدَّ فِي رَدِّ الْفَرْعِ إِلَى الْأَصْلِ مِنْ عِلَّةٍ تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَيَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّتِهَا، أَنَّ الْعِلَّةَ شَرْعِيَّةٌ كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ شَرْعِيُّ، فَكَمَا لَا بُدَّ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْحُكْمِ، فَكَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِلَّةِ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ شَيْئَانِ: أَصْلٌ وَاسْتِنْبَاطٌ، فَأَمَّا الْأَصْلُ، فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلُ رَسُولِهِ ﷺ، وَأَفْعَالُهُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ فَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ وَقَوْلُ رَسُولِهِ فَدَلَالَتُهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الْفَحْوَى وَالْمَفْهُومِ فَأَمَّا دَلَالَتُهُمَا مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ، فَمِنْ وُجُوهٍ بَعْضُهَا أَجْلَى مِنْ بَعْضٍ: فَأَجْلَاهَا: مَا صُرِّحَ فِيهِ بِلَفْظِ التَّعْلِيلِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]
[ ١ / ٥١٣ ]
وَمِنَ السُّنَّةِ مَا: أنا أَبُو الصَّبْهَاءِ وَلَّادُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ، أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، أنا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ زَيْدٍ أَبِي ⦗٥١٤⦘ عَيَّاشٍ، قَالَ: سَأَلْنَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْبَيْضَاءِ، بِالسُّلْتِ فَكَرِهَهُ، وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ: «أَيَنْقُصُ إِذَا جَفَّ؟» قَالُوا نَعَمْ، فَنَهَى عَنْهُ قَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أَنَّ الرُّطَبَ يَنْقُصُ إِذَا جَفَّ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِشْكَالٌ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ تَنْبِيهَهُمْ عَلَى الْمَعْنَى فِي التَّحْرِيمِ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ مَأْكُولٍ رَطْبٍ يَجِفُّ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا، وَمَثَلُ ذَلِكَ
[ ١ / ٥١٣ ]
مَا أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ، نا الْقَعْنَبِيُّ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِوَدَّانَ أَوْ بِالْأَبْوَاءِ حِمَارًا وَحْشِيًّا فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مَا بِوَجْهِهِ قَالَ ⦗٥١٥⦘: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّعْبِ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ رَدَّهُ لِيَعْلَمَ أَنَّ اصْطِيَادَ الْمُحْرِمِ وَمَا صِيدَ لَهُ وَأُهْدِيَ إِلَيْهِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِثْلُهُ
[ ١ / ٥١٤ ]
مَا: أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ، نا دَاوُدُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: نا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، نا مَالِكٌ يَعْنِي ابْنَ أَنَسٍ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ فَإِنَّهَا لِلَّذِي يُعْطَاهَا لِأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ» فِي هَذَا اللَّفْظِ بَيَانُ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ لَيْسَ لِلْمُعْمِرِ الرُّجُوعُ فِيمَا أَعْمَرَ وَمِثْلُهُ
[ ١ / ٥١٥ ]
مَا: نا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَجُلًا، اطَّلَعَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ سِتْرِ الْحُجْرَةِ، وَفِي يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ مِدْرًا، فَقَالَ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يَنْتَظِرُنِي حَتَّى آتِيَهُ، لَطَعَنْتُ بِالْمِدْرَا فِي عَيْنَيْهِ، وَهَلْ جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا صَرِيحَةٌ فِي التَّعْلِيلِ وَيَلِيهَا فِي الْبَيَانِ: أَنْ يُعَلَّقَ الْحُكْمُ عَلَى عَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا بِلَفْظِ الشَّرْطِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]
[ ١ / ٥١٦ ]
وَمِنَ السُّنَّةِ، كَمَا: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ، جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَكَمِ الْوَاسِطِيُّ، نا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، نا ابْنُ نُمَيْرٍ، نا أَبِي، نا عُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، ⦗٥١٧⦘ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اشْتَرَى نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي أَبَّرَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الَّذِي اشْتَرَى» فَالظَّاهِرُ: أَنَّ حَمْلَ الْمَرْأَةِ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَأَنَّ تَأْبِيرَ النَّخْلِ عِلَّةٌ لِكَوْنِ الثَّمَرَةِ لِلْبَائِعِ وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ لَفْظِ الشَّرْطِ، كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ظَاهِرُهُ أَنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ وَأَمَّا دِلَالَتُهُمَا مِنْ جِهَةِ الْفَحْوَى وَالْمَفْهُومِ فَمِنْ وُجُوهٍ بَعْضُهَا أَجْلَى مِنْ بَعْضٍ أَيْضًا، فَأَوْضَحُهَا: مَا دُلَّ عَلَيْهِ بِالتَّنْبِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]
[ ١ / ٥١٦ ]
وَمِنَ السُّنَّةِ نَحْوُ مَا: أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، نا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أنا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ فَيْرُوزَ، مَوْلَى بَنِي شَيْبَانَ قَالَ: سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ: مَا ⦗٥١٨⦘ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ أَوْ قَالَ: مَا نَهَى عَنْهُ فِي الْأَضَاحِي؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِهِ: " أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تَتَّقِي " قُلْتُ: فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأُذُنِ نَقْصٌ أَوْ فِي السِّنِّ نَقْصٌ، أَوْ فِي الْقَرْنِ نَقْصٌ قَالَ: «إِنَّ كَرِهْتَ شَيْئًا فَدَعْهُ، وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أَحَدٍ» لَفْظُ الْآيَةِ يَدُلُّ بِالتَّنْبِيهِ عِنْدَ سَمَاعِهِ عَلَى: أَنَّ الضَّرْبَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ التَّأْفِيفِ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى: أَنَّ الْعَمَى فِي الْأُضْحِيَّةِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْعَوَرِ وَيْلِي مَا ذَكَرْنَا فِي الْبَيَانِ أَنْ تُذْكَرَ صِفَةٌ فَيُفْهَمُ مِنْ ذِكْرِهَا الْمَعْنَى الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ تِلْكَ الصِّفَةُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ التَّنْبِيهِ،
[ ١ / ٥١٧ ]
كَمَا: أنا أَبُو حَفْصٍ، عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْبَزَّازُ بِعُكْبَرَا، وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْمُعَدِّلُ بِالنَّهْرَوَانِ قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ، نا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ⦗٥١٩⦘: «لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ»
[ ١ / ٥١٨ ]
وَكَمَا أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ، نا أَبُو دَاوُدَ، نا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَاللَّفْظُ لِلْحَسَنِ - قَالَا: نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تُقَرِّبُوهُ» الْمَفْهُومُ بِضَرْبٍ مِنَ الْفِكْرِ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا مَنَعَ الْغَضْبَانَ مِنَ الْقَضَاءِ لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَأَنَّ حُكْمَ الْجَائِعِ وَالْعَطْشَانِ مِثْلُهُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِإِلْقَاءِ مَا حَوْلَ الْفَأْرَةِ مِنَ السَّمْنِ، إِنْ كَانَ جَامِدًا لِيُنْتَفَعَ بِمَا سِوَاهُ، إِذَا لَمْ تُخَالِطْهُ النَّجَاسَةُ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ السَّمْنُ مَائِعًا لِئَلَّا يُنْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، إِذِ النَّجَاسَةُ قَدْ خَالَطَتْهُ وَأَنَّ الشَّيْرَجَ وَالزَّيْتَ مِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ وَأَمَّا دَلَالَةُ أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا عِنْدَ وقُوعِ مَعْنًى مِنْ جِهَتِهِ، أَوْ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِهِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْمَعْنَى، فَيَصِيرُ عِلَّةً فِيهِ وَهَذَا مِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَهَا فَسَجَدَ فَيُعْلَمُ أَنَّ السَّهْوَ ⦗٥٢٠⦘ عِلَّةٌ لِلسُّجُودِ، وَأَنَّ أَعْرَابِيًّا جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ، فَيُعْلَمُ أَنَّ الْجِمَاعَ عِلَّةٌ لِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَأَمَّا دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ أَنْ تُجْمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهِ
[ ١ / ٥١٩ ]
كَمَا: أنا الْبُرْقَانِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، نا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ»، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ دَنَا النَّاسُ مِنَ الرِّيفِ وَالْقُرَى، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ النَّاسَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَشْرَبْهَا يَهْجُرُ، وَمَتَى مَا هَجَرَ يَقْذِفْ، فَنَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ قَالَ: وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ وَهَذَا التَّعْلِيلُ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى صِحَّتِهِ، فَلَمْ يُخَالِفْ قَائِلَهُ فِيهِ أَحَدٌ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ فَهُوَ: الِاسْتِنْبَاطُ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّأْثِيرُ، وَالثَّانِي: شَهَادَةُ الْأُصُولِ فَأَمَّا التَّأْثِيرُ فَهُوَ: أَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ لِوُجُودِ مَعْنًى، فَيَغْلُبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لِأَجْلِهِ ثَبَتَ الْحُكْمُ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي تَعْلِيلِ الْخَمْرِ أَنَّهُ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، فَإِنَّهُ قَبْلَ حُدُوثِ الشِّدَّةِ فِيهِ وَهُوَ عَصِيرٌ، كَانَ ⦗٥٢١⦘ حَلَالًا، ثُمَّ حَدَثَتِ الشِّدَّةُ فِيهِ فَحَرُمَ، ثُمَّ زَادَتِ الشِّدَّةُ فَحَلَّ، فَعُلِمَ أَنَّ الشِّدَّةَ هِيَ الْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِهِ وَأَمَّا شَهَادَةُ الْأُصُولِ: فَتَخْتَصُّ بِقِيَاسِ الدَّلَالَةِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي أَنَّ الْقَهْقَهَةَ فِي الصَّلَاةِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ: مَا لَا يَنْقُضُ الطُّهْرَ خَارِجَ الصَّلَاةِ، لَا يَنْقُضُهُ دَاخِلَ الصَّلَاةِ كَالْكَلَامِ، فَيَدُلُّ عَلَيْهَا بِأَنَّ الْأُصُولَ تَشْهَدُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ دَاخِلِ الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، أَلَا تَرَى أَنَّ مَا نَقَضَ الْوُضُوءَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ نَقَضَهُ خَارِجَهَا كَالْأَحْدَاثِ كُلِّهَا وَمَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَا يَنْقُضُهُ دَاخِلَهَا، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْقَهْقَهَةُ مِثْلَهَا
[ ١ / ٥٢٠ ]