بَابُ تَقْسِيمِ الْأَسْئِلَةِ وَالْجَوَابَاتِ، وَوَصْفِ وُجُوهِ الْمَطَاعِنِ وَالْمُعَارَضَاتِ السُّؤَالُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرِبٍ، يُقَابِلُ كُلَّ ضَرْبٍ مِنْهَا ضَرْبٌ مِنَ الْجَوَابِ مِنْ جِهَةِ الْمَسْئُولِ فَأَوَّلُهَا: السُّؤَالُ عَنِ الْمَذْهَبِ، بِأَنْ يَقُولَ السَّائِلُ: مَا تَقُولُ فِي كَذَا؟ فَيُقَابِلُهُ جَوَابٌ مِنْ جِهَةِ الْمَسْئُولِ، فَيَقُولُ: كَذَا وَالثَّانِي: السُّؤَالُ عَنِ الدَّلِيلِ، بِأَنْ يَقُولَ السَّائِلُ: مَا دَلِيلُكَ عَلَيْهِ؟ فَيَقُولُ الْمَسْئُولُ: كَذَا وَالثَّالِثُ: السُّؤَالُ عَنْ وَجْهِ الدَّلِيلِ، فَيْبَيِّنُهُ الْمَسْئُولُ وَالرَّابِعُ: السُّؤَالُ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ، وَالطَّعْنِ فِيهِ، فَيُجِيبُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ وَيُبَيِّنُ بُطْلَانَ اعْتِرَاضِهِ وَصِحَّةِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهِ دَلِيلِهِ فَإِذَا سَأَلَ سَائِلٌ عَنْ حُكْمٍ مُطْلَقٍ نَظَرَ الْمَسْئُولُ فِيمَا سَأَلَهُ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ مُوَافِقًا لِمَا سَأَلَهُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ أَطْلَقَ الْجَوَابَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ فِيهِ تَفْصِيلٌ، كَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفْصِلَهَ فِي جَوَابِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ لِلسَّائِلِ: هَذَا مُخْتَلِفٌ عِنْدِي، فَمِنْهُ كَذَا، وَمِنْهُ كَذَا، فَعَنْ أَيِّهِمَا
[ ٢ / ٧٧ ]
تَسْأَلُ؟ فَإِذَا ذَكَرَ أَحَدَهُمَا أَجَابَ عَنْهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْجَوَابِ عَنْهُ كَانَ مُخْطِئًا مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَسْأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ جِلْدِ الْمَيْتَةِ هَلْ يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ؟ وَعِنْدَ الْمَسْئُولِ أَنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ، وَيُطَهَّرُ مَا عَدَا ذَلِكَ، فَيَقُولُ لِلسَّائِلِ هَذَا التَّفْصِيلَ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ: مِنْهُ مَا يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ، وَمِنْهُ مَا لَا يُطَهَّرُ، فَعَنْ أَيِّهِمَا تَسْأَلُ؟ فَأَمَّا إِذَا أَطْلَقَ الْجَوَابَ، وَقَالَ: يُطَهَّرُ بِالدِّبَاغِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخْطِئًا
[ ٢ / ٧٨ ]
وَقَدْ جَرَى لِأَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ نَحْوٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أنا الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ، أنا عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ، نا مُكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَعْنِي الْحِمَّانِيَّ، نا الْفَضْلُ بْنُ غَانِمٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو يُوسُفَ مَرِيضًا شَدِيدَ الْمَرَضِ، فَعَادَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِرَارًا، فَصَارَ إِلَيْهِ آخِرَ مَرَّةً، فَرَآهُ ثَقِيلًا، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ كُنْتُ أُؤَمِّلُكَ بَعْدِي لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَئِنْ أُصِيبَ النَّاسُ بِكَ، لَيَمُوتَنَّ مَعَكَ عِلْمٌ كَثِيرٌ ثُمَّ رُزِقَ الْعَافِيَةَ»، وَخَرَجَ مِنَ الْعِلَّةِ، فَأَخْبَرَ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيهِ، فَارْتَفَعَتْ نَفْسُهُ، وَانْصَرَفَتْ وُجُوهُ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَعَقَدَ لِنَفْسِهِ مَجْلِسًا فِي الْفِقْهِ، وَقَصَّرَ عَنْ لُزُومِ مَجْلِسِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ قَدْ عَقَدَ لِنَفْسِهِ مَجْلِسًا، وَأَنَّهُ بَلَغَهُ كَلَامُكَ فِيهِ، فَدَعَى رَجُلًا كَانَ لَهُ عِنْدَهُ قَدْرٌ، فَقَالَ: " صِرْ إِلَى مَجْلِسِ يَعْقُوبَ، فَقُلْ لَهُ: مَا تَقُولُ
[ ٢ / ٧٨ ]
فِي رَجُلٍ دَفَعَ إِلَى قَصَّارٍ ثَوْبًا لِيُقَصِّرَهُ بِدِرْهَمٍ، فَصَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ أَيَّامٍ فِي طَلَبِ الثَّوْبِ، فَقَالَ لَهُ الْقَصَّارُ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَأَنْكَرَهُ ثُمَّ إِنَّ رَبَّ الثَّوْبِ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الثَّوْبَ مَقْصُورًا، أَلَهُ أُجْرَةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: لَهُ أُجْرَةٌ، فَقُلْ: أَخْطَأْتَ وَإِنْ قَالَ: لَا أُجْرَةَ لَهُ فَقُلْ أَخْطَأْتَ " فَصَارَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ الْأُجْرَةُ، فَقَالَ: أَخْطَأْتَ، فَنَظَرَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: لَا أُجْرَةَ لَهُ فَقَالَ: أَخْطَأْتَ، فَقَامَ أَبُو يُوسُفَ مِنْ سَاعَتِهِ فَأَتَى أَبَا حَنِيفَةَ، فَقَالَ لَهُ: «مَا جَاءَ بِكَ إِلَّا مَسْأَلَةُ الْقَصَّارِ؟» قَالَ أَجَلْ، قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ قَعَدَ يُفْتِي النَّاسَ وَعَقَدَ مَجْلِسًا يَتَكَلَّمُ فِي دِينِ اللَّهِ وَهَذَا قَدْرُهُ، لَا يَحْسُنُ أَنْ يُجِيبَ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْإِجَارَاتِ» فَقَالَ: يَا أَبَا حَنِيفَةَ، عَلِّمْنِي: فَقَالَ: «إِنْ كَانَ قَصَّرَهُ بَعْدَ مَا غَصَبَهْ فَلَا أُجْرَةَ، لِأَنَّهُ قَصَّرَهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ قَصَّرَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْصِبَهُ فَلَهُ الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّهُ قَصَّرَهُ لِصَاحِبِهِ» ثُمَّ قَالَ: «مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنِ التَّعْلِيمِ، فَلْيَبْكِ عَلَى نَفْسِهِ»
[ ٢ / ٧٩ ]