بَابُ ذِكْرِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ أَنْكَرَ الْمُجَادَلَةَ وَإِبْطَالِهِ احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِبْطَالِ الْجِدَالِ، بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥]، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]
[ ١ / ٥٥٢ ]
وَمِنَ السُّنَّةِ: بِمَا: أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ، نا أَبُو بَكْرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ، نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نا الْحَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ، وَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أنا أَبُو بَكْرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مِقْسَمٍ الْمُقْرِئُ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، أنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، نا الْحَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ رَاهَوَيْهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ -: " مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] "
[ ١ / ٥٥٢ ]
أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، نا أَبُو الْعَبَّاسِ، مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، نا أَبُو عُتْبَةَ أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ الْحِمْصِيُّ، نا بَقِيَّةُ، نا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هَدَاهُمْ إِلَّا أُوتُوا الْجِدَالَ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] "
[ ١ / ٥٥٣ ]
وَأَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّرَّاجُ، قَالَا: نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، نا أَبُو عُتْبَةَ، نا بَقِيَّةُ، نا الصَّبَّاحُ بْنُ مُجَالِدٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ خَرَجَ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينَ، كَانَ حَبَسَهُمْ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ فِي جَزَائِرِ الْبُحُورِ، فَذَهَبَ مِنْهُمْ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِمْ إِلَى الْعِرَاقِ يُجَادِلُونَهُمْ وَعُشْرٌ بِالشَّامِ»
[ ١ / ٥٥٣ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَا: أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، نا مَسْلَمَةُ بْنُ عُلَيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ شَرًّا أَلْقَى بَيْنَهُمُ الْجَدَلَ وَخَزَنَ الْعِلْمَ»
[ ١ / ٥٥٤ ]
أنا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاللَّهِ الْخَطِيبُ، أنا أَبُو الْفَضْلِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الْمَأْمُونِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أنا الْأَصْمَعِيُّ، نا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: «مَا كَانَ جَدَلٌ قَطُّ إِلَّا أَتَى بَعْدَهُ جَدَلٌ يُبْطِلُهُ»
[ ١ / ٥٥٤ ]
أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الْمُقْرِئُ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، قَالَ: رَأَيْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَعِيبُ الْجِدَالَ وَالْمِرَاءَ فِي الدِّينِ قَالَ: «أَفَكُلَّمَا كَانَ رَجُلٌ أَجْدَلَ مِنْ رَجُلٍ أَرَدْنَا أَنْ يَرُدَّ مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ»
[ ١ / ٥٥٤ ]
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: نا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ جَاءَ مَالِكًا فَقَالَ: إِنَّ الْأَهْوَاءَ كَثُرَتْ قِبَلَنَا، فَجَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي، إِنْ أَنَا رَأَيْتُكَ، أَنْ آخُذَ بِمَا تَأْمُرُنِي، فَوَصَفَ لَهُ مَالِكٌ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ: الزَّكَاةَ وَالصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجِّ، ثُمَّ قَالَ: «خُذْ بِهَذَا، وَلَا تُخَاصِمْ أَحَدًا فِي شَيْءٍ»
[ ١ / ٥٥٥ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ، عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَزَّازُ بِالْبَصْرَةِ، نا أَبُو بَكْرٍ، يَزِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْخَلَّالُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ الْمُخَرِّمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونَ، بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَقَرَأَهَا عَلَيَّ: أَمَّا بَعْدُ: «فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالِاقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ الْمُحْدِثُونَ فِي دِينِهِمْ مِمَّا قَدْ كُفُوًا مَؤُونَتَهَ، وَجَرَتْ فِيهِمْ سُنَّتُهُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ بِدْعَةٌ قَطُّ إِلَّا وَقَدْ مَضَى قَبْلَهَا دَلِيلٌ عَلَيْهَا، فَعَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَلُزُومِ السُّنَّةِ فَإِنَّهَا لَكَ بِإِذْنِ اللَّهِ عِصْمَةٌ، وَإِنَّمَا جُعِلَتِ السُّنَّةُ يُسْتَنُّ بِهَا، وَيُعْتَمَدُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الزَّلَلِ وَالْخِلَافِ وَالتَّعَمُّقِ، فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ بِعِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ مَا كُفُوًا، وَلَهُمْ عَلَى كَشْفِ الْأُمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلٍ لَوْ كَانَ فِيهَا أَحْرَى، وَإِنَّهُمْ ⦗٥٥٦⦘ لَهُمُ السَّابِقُونَ، فَإِنْ كَانَ الْهُدَى مَا أَحْدَثْتُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ لَقَدْ سَبَقْتُمُوهُمْ وَلَئِنْ قُلْتُمْ حَدَثَ حَدَثَ بَعْدَهُمْ فَمَا أُحَدِّثُهُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ، وَرَغِبَ بِنَفْسِهِ عَنْهُمْ، وَلَقَدْ وَضَعُوا مَا يَكْفِي، وَتَكَلَّمُوا بِمَا يَشْفِي، فَمَا دُونَهُمْ مُقَصِّرٌ، وَلَا فَوْقَهُمْ مُحْسِنٌ، وَإِنَّهُمْ مِنْ ذَلِكَ، لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ، فَارْجِعُوا إِلَى مَعَالِمِ الْهُدَى، وَقُولُوا كَمَا قَالُوا، وَلَا تُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا جَمَعُوا وَلَا تَجْمَعُوا بَيْنَ مَا فَرَّقُوا، فَإِنَّهُمْ جُعِلُوا لَكُمْ أَئِمَّةً وَقَادَةً، هُمْ حَمَلُوا إِلَيْكُمْ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، فَهُمْ عَلَى مَا حَمَلُوا إِلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ أُمَنَاءُ وَعَلَيْكُمْ فِيهِ شُهَدَاءُ، وَاحْذَرُوا الْجَدَلَ، فَإِنَّهُ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى كُلِّ مُوبِقَةٍ، وَلَا يْسُلِمُكُمْ إِلَى ثِقَةٍ» فَنَظَرْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْجِدَالِ وَالْحِجَاجِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵎: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، فَأَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالْجِدَالِ، وَعَلَّمَهُ فِيهَا جَمِيعَ آدَابِهِ مِنَ الرِّفْقِ وَالْبَيَانِ وَالْتِزَامِ الْحَقِّ وَالرُّجُوعِ إِلَى مَا أَوْجَبَتْهُ الْحُجَّةُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]، وَكِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَعَارَضُ وَلَا يَخْتَلِفُ، فَتَضَمَّنَ الْكِتَابُ: ذَمَّ الْجِدَالِ، وَالْأَمْرَ بِهِ، فَعَلِمْنَا عِلْمًا يَقِينًا أَنَّ الَّذِيَ ذِمَّهُ غَيْرُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، وَأَنَّ مِنَ الْجِدَالِ مَا هُوَ مَحْمُودٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وَمِنْهُ مَذْمُومٌ مَنْهِيُّ عَنْهُ، فَطَلَبْنَا الْبَيَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ فَوَجَدْنَاهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ ⦗٥٥٧⦘[غافر: ٥]، وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥]، فَبَيَّنَ اللَّهُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ الْجِدَالَ الْمَذْمُومَ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّهُ: الْجِدَالُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وَالْجِدَالُ فِي الْبَاطِلُ فَالْجِدَالُ الْمَذْمُومُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْجِدَالُ بِغَيْرِ عِلْمٍ الثَّانِي: الْجِدَالُ بِالشَّغَبِ وَالتَّمْوِيهِ، نُصْرَةً لِلْبَاطِلِ بَعْدَ ظُهُورِ الْحَقِّ وَبَيَانِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذَتْهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] وَأَمَّا جِدَالُ الْمُحِقِّينَ، فَمِنَ النَّصِيحَةِ فِي الدِّينِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْمِ نُوحٍ ﵇ حَيْثُ قَالُوا: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢] وَجَوَابُهُ لَهُمْ: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]، وَعَلَى هَذَا جَرَتْ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ
[ ١ / ٥٥٥ ]
مَا: أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ، نا أَبُو دَاوُدَ، نا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ» ⦗٥٥٨⦘ فَأَوْجَبَ الْمُنَاظَرَةَ لِلْمُشْرِكِينَ، كَمَا أَوْجَبَ النَّفَقَةَ وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضْعَ السُّؤَالِ مَوْضِعَهُ، وَكَيْفِيَّةَ الْمُحَاجَّةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ مُحَاجَّةَ آدَمَ مُوسَى ﵉
[ ١ / ٥٥٧ ]
أنا أَبُو بَكْرٍ الْبُرْقَانِيُّ، نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الزَّيَّاتِ، لَفْظًا، أنا هَارُونُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ، وَكَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، لِمَ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِيَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ " - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: - «فَجَحَّ آدَمُ مُوسَى يَعْنِي أَنَّ آدَمُ هُوَ حَجُّ مُوسَى» قُلْتُ: وَضَعَ مُوسَى الْمَلَامَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فَصَارَ مَحْجُوجًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَامَ آدَمُ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَهُوَ خُرُوجُ النَّاسِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ أَنَّ مُوسَى لَامَ آدَمُ عَلَى خَطِيئَتِهِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ لَكَانَ وَاضِعًا لِلْمَلَامَةِ مَوْضِعَهَا، وَلَكَانَ آدَمُ مَحْجُوجًا وَلَيْسَ أَحَدٌ مَلُومًا إِلَّا عَلَى مَا يَفْعَلُهُ، لَا عَلَى مَا تُوَلَّدَ مِنْ فِعْلِهِ مِمَّا فَعَلَهُ غَيْرُهُ، وَالْكَافِرُ إِنَّمَا يُلَامُ عَلَى فِعْلِ الْكُفْرِ لَا عَلَى دُخُولِ النَّارِ، وَالقَاتِلُ إِنَّمَا يُلَامُ عَلَى فِعْلِهِ لَا عَلَى مَوْتِ مَقْتُولِهِ، وَلَا عَلَى أَخْذِ الْقِصَاصِ مِنْهُ فَعَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَيْفَ نَسْأَلُ عِنْدَ الْمُحَاجَّةِ، ⦗٥٥٩⦘ وَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْمُحَاجَّةَ جَائِزَةٌ، وَأَنَّ مَنْ أَخْطَأَ مَوْضِعَ السُّؤَالِ كَانَ مَحْجُوجًا، وَظَهَرَ بِذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ بَابِ إِثْبَاتِ الْقَدَرِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ وَارِدٌ فِيمَا وَصَفْنَاهُ مِنْ مُحَاجَّةِ آدَمُ وَمُوسَى، وَإِثْبَاتِ الْقَدَرِ إِنَّمَا صَحَّ فِي آيَاتٍ وَأَحَادِيثَ أُخَرَ
[ ١ / ٥٥٨ ]
أنا أَبُو الْحَسَنِ، عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ الْمُقْرِئُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مَاسِيٍّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِنَّائِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، نا أَبِي، نا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِزِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: «أَتَدْرِي مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟»، فَلَا أَدْرِي مَا أَجَابَهُ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: «زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ»
[ ١ / ٥٥٩ ]
أنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مِقْسَمٍ الْمُقْرِئُ، نا أَبُو بَكْرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قَالَ ⦗٥٦٠⦘: «إِنَّهُ سَيَأْتِي قَوْمٌ يُجَادِلُونَكُمْ» - أَحْسِبُهُ قَالَ - «بِالْمُشْتَبِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، فَجَادِلُوهُمْ بِالسُّنَنِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى»
[ ١ / ٥٥٩ ]
أنا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، أنا أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ السِّمْسَارُ، نا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَابْلُتِّيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: خَاصَمَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: " يَا أَبَا الْحَسَنِ: إِنَّ الْقُرْآنَ ذَلُولٌ حَمُولٌ ذُو وُجُوهٍ، تَقُولُ وَيَقُولُونَ، خَاصِمْهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَكْذِبُوا عَلَى السُّنَّةِ "
[ ١ / ٥٦٠ ]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّورِيُّ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الْمِصْرِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَطَرٍ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْكُثَيْرِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، نا مَالِكٌ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، قَالَ لِابْنِهِ ⦗٥٦١⦘: «لَا تُجَادِلِ النَّاسَ بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُهُمْ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالسُّنَّةِ» وَقَدْ تَحَاجَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَحَاجَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الْخَوَارِجَ بِأَمْرِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمَا أَنْكَرَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ قَطُّ الْجِدَالَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَأَمَّا التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَتَوَسَّعُوا فِي ذَلِكَ فَثَبَتَ أَنَّ الْجِدَالَ الْمَحْمُودَ هُوَ طَلَبُ الْحَقِّ وَنَصْرُهُ، وَإِظْهَارُ الْبَاطِلِ وَبَيَانُ فَسَادِهِ، وَأَنَّ الْخِصَامَ بِالْبَاطِلِ هُوَ اللَّدَدُ، الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ
[ ١ / ٥٦٠ ]
أنا ذَلِكَ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْفَقِيهُ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، أَخْبَرَكُمْ هَارُونُ بْنُ يُوسُفَ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» وَجَمِيعُ مَا حَكَيْنَا أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ مَنْ أَنْكَرَ الْمُجَادَلَةَ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْجِدَالُ الْمَذْمُومُ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، عَلَى أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ قَدْ بَيْنَهُ، ⦗٥٦٢⦘ وَأَنَّهُ الْجَدَلُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ رَدُّ مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْخَلِيلِ: مَا كَانَ جَدَلٌ قَطُّ إِلَّا أَتَى بَعْدَهُ جَدَلٌ يُبْطِلُهُ، أَرَادَ بِهِ الْجِدَالَ الَّذِي يُنْصَرُ بِهِ الْبَاطِلُ، لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ وَكَانَ حَقًّا لَا يَأْتِي بَعْدَهُ شَيْءٌ يُبْطِلُهُ
[ ١ / ٥٦١ ]
وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الَّذِي: أَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَوْزِيُّ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «مَنْ جَعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ» وَيُقَالُ - لِمَنْ أَنْكَرَ مَا ذَكَرْنَاهُ - خَبِّرْنَا عَنْ نَفْيِكَ الْمُحَاجَّةَ، وَدُعَائِكَ إِلَى تَرْكِ الْمُنَاظَرَةِ: أَقُلْتَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ وَبُرْهَانٍ، أَمْ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا بَيَانٍ؟ فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ بِحُجَّةٍ، فَقَدِ الْتَزَمَ مَا نَفَى، وَكَفَى بِهِ حَاكِمًا عَلَى نَفْسِهِ لِخَصْمِهِ، وَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ وَلَا حُجَّةٍ، كَفَى الْخَصْمَ مُؤْنَتَهُ بِتَحْكِيمِهِ الْهَوَى عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ إِثْبَاتُ مَا نَفَى مِنَ الْمُنَاظَرَةِ، بِمِثْلِ دَعْوَاهُ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] وَاللَّهُ ﵎ يَقُولُ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ وَكَفَى بِقَوْلٍ يَقُودُ إِلَى هَذَا قُبْحًا
[ ١ / ٥٦٢ ]
أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْمَخْزُومِيُّ، نا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْعَبَّاسِ الصُّولِيِّ، نا الْغَلَابِيُّ، نا ابْنُ عَائِشَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ، لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: نَظَرْتُ فِي مَقَايِيسِكُمْ فَوَجَدْتُهَا بَاطِلَةً قَالَ: «أَبِالْقِيَاسِ أَبْطَلْتَهَا، أَمْ بِالْمُجَازَفَةِ»؟ قَالَ: بِالْقِيَاسِ، قَالَ: «فَأَرَاكَ قَدْ أَثْبَتَّ مَا نَفَيْتَ»
[ ٢ / ٨ ]
أنا أَبُو سَعِيدٍ: مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ الصَّيْرَفِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الْحِكْمَةِ: «الْعِلْمُ مَيِّتٌ، إِحْيَاؤُهُ الطَّلَبُ، فَإِذَا حَيَ بِالطَّلَبِ، فَهُوَ ضَعِيفٌ قُوَّتُهُ الدَّرْسُ، فَإِذَا قَوِيَ بِالدَّرْسِ فَهُوَ مُحْتَجَبٌ، إِظْهَارُهُ بِالْمُنَاظَرَةِ، فَإِذَا ظَهَرَ بِالْمُنَاظَرَةِ، فَهُوَ عَقِيمٌ، نِتَاجُهُ الْعَمَلُ»
[ ٢ / ٨ ]
أنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: «لَوْلَا الْخَطَأُ مَا أَشْرَقَ نُورُ الصَّوَابِ، وَبِالتَّعِبِ وُطِئَ فِرَاشُ الرَّاحَةِ، وَبِالْبَحْثِ وَالنَّظَرِ تُسْتَخْرَجْ دَقَائِقُ الْعُلُومِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ جَاهِلٍ يُقَلِّدُ، وَبَهِيمَةٍ تَنْقَادُ»
[ ٢ / ٨ ]
أنا أَبُو طَالِبٍ: عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَلِيُّ، قَالَ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي ابْتِدَاءِ عِلْمِ النَّظَرِ: «وَمَا زَالَ هَذَا الْعِلْمُ إِذَا وَقَفَ الْإِنْسَانُ مِنْهُ عَلَى بَعْضِهِ انْفَتَحَ لَهُ مَا وَرَاءَ
[ ٢ / ٨ ]
ذَلِكَ كَالْإِنْسَانِ الَّذِي يَرَى قَصْرًا عَلَى بُعْدٍ، فَيَأْتِيهِ، فَيَرَى مِنْ قُرْبِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَرَى مِنْ بُعْدِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَهَيَّأَ لَهُ الدُّخُولُ إِلَيْهِ، وَكَالْإِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْأَرْضِ الْمُسْتَوِيَةِ، لَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا مَا قَارَبَهُ، وَمَا هُوَ حِذَاءَهُ، غَيْرُ بَعِيدٍ مِنْهُ، خَاصَّةً إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ نَشَزٌ مِنَ الْأَرْضِ أَوْ جَبَلٌ، فَإِذَا عَلَا عَلَى ذَلِكَ كَانَ كُلَّمَا ارْتَفَعَ وَارْتَقَى أَشْرَفَ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ مُشْرِفًا عَلَيْهِ طَوْلًا وَعَرْضًا، فَإِذَا تَكَلَّفَ الصَّعُودَ إِلَى أَعْلَى رَأْسِ الْجَبَلِ، انْكَشَفَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَرَاهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى رُؤْيَتِهَا إِلَّا بِهَذَا التَّعَبِ وَالتَّكَلُّفِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ، فَيَبْدُو لَهُ فِي كُلِّ خُطْوَةٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ يَبْدُو لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكُلَّمَا زَادَ ارْتِقَاءً، ازْدَادَ مَعْرِفَةً بِمَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ رَآهُ وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ، كُلَّمَا تَعَلَّمَ الْمَرْءُ مِنْهُ أَصْلًا انْكَشَفَ لَهُ مَا فِيهِ وَشَاكَلَهُ وَمَا فِي بَابِهِ وَطَرِيقِهِ وَاسْتَدَّلَ بِهِ عَلَى مَا سِوَاهُ، إِذَا كَانَ فَهْمًا وَوَفَّقَهُ اللَّهُ وَقَدُ شُبِّهَ صَاحِبُ أَدَبِ الْجَدَلِ قَبْلَ هَذَا النَّظَرِ وَالْكَلَامِ بِالنَّخْلِ يُؤَبِّرُهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ، فَيَنَالُ مِنْ ثَمَرَتِهِ مَا لَا يَنَالُ عِنْدَ تَرْكِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْحَدِيدُ وَالْحَجَرُ، مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُمَا لَمْ تَخْرُجِ النَّارُ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَنْفَعُ لَمَّا احْتِيجَ إِلَى طَبْخٍ وَتَسْخِينٍ، فَإِذَا أُورِيَ خَرَجْتِ النَّارُ، فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْحِرَاقِ وَتُرِكَتِ انْطَفَأَتْ، وَإِنْ أُمِدَّتْ بِنَفْخٍ وَكِبْرِيتٍ
[ ٢ / ٩ ]
وَحَطَبٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَثُرَتْ وَكَثُرَ نَفْعُهَا، وَالْعِلْمُ إِذَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ وَلَمْ يُذَاكَرْ بِهِ كَالْمِسْكِ إِذَا طَالَ مُكْثُهُ فِي الْوِعَاءِ ذَهَبَ رِيحُهُ، وَكَالْمَاءِ الصَّافِي إِذَا طَالَ مُكْثُهُ نَشَّفَتْهُ الْأَوْعِيَةُ وَالْهَوَاءُ وَغَيَّرَتْهُ، وَذَهَبَتْ بِأَكْثَرِهِ أَوْ بِكُلِّهِ، وَتَغَيَّرَ رِيحُهُ وَطَعْمُهُ، وَكَالْبِئْرِ تُحْفَرُ فَتَجْرِي فِيهَا عَيْنٌ، فَإِنْ حَصَلَ لَهُ طَرِيقٌ حَتَّى يَنْتَشِرَ صَارَ نَهْرًا وَكَثُرَ وَنَفَعَ وَعَاشَ بِهِ الْحَيَوَانُ، وَإِنْ حُبِسَ وَتُرِكَ قَلَّ نَفْعُهُ وَرُبَّمَا غَارَ، فَكَذَلِكَ الْعِلْمُ، إِذَا لَمْ يُذَاكَرْ بِهِ، وَلَمْ يُبْحَثْ عَنْهُ، وَإِذَا ذَاكَرْتَ بِالْعِلْمِ وَنَشَرْتَهُ صَارَ كَالنَّهَرِ الْجَارِي دَائِمِ النَّفْعِ، غَزِيرِ الْمَاءِ، إِنْ قَلَّ مَرَّةً لِعَارِضٍ زَادَ أُخْرَى، وَإِنْ تَكَدَّرَ وَقْتًا لِعِلَّةٍ صَفَا فِي ثَانٍ وَتَحْيَا بِهِ الْأَرْضُ وَالزَّرْعُ وَالْحَيَوَانُ»
[ ٢ / ١٠ ]
حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ مَسْعُودُ بْنُ ناصرٍ السِّجِسْتَانِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَدِيبُ بِزَوْزَنَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْهَمَذَانِيُّ الْمُقْرِئُ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الْخُوَارِزْمِيُّ، فَلَزِمْتُ السُّكُوتَ، وَجَعَلْتُ أَسْمَعُ كَلَامَهُ، فَقَالَ لِي: " تَكَلَّمْ فَإِنْ أَصَبْتَ كُنْتَ مُفِيدًا، وَإِنْ أَخْطَأْتَ كُنْتَ مُسْتَفِيدًا، كَالْغَازِي، إِنْ قَتَلَ كَانَ حُمَيْدًا، وَإِنُ قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا قُلْتُ: وَمُبَاحٌ النَّظَرُ وَالْجَدَلُ فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْحَوَادِثِ، وَفِيمَا لَمْ يَنْزِلْ، حَتَّى يُعْرَفَ حُكْمُ مَا لَمْ يَنْزِلْ، فَإِذَا نَزَلَ عَمِلَ بِهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى كَرَاهَةِ الْقَوْلِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ، وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَتَعَلَّقُوا فِيهِ بِمَا نَحْنُ ذَاكَرُوهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
[ ٢ / ١٠ ]