ذِكْرُ الْقَوْلِ فِي اللَّفْظِ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ اللَّفْظُ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ، لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ السَّبَبِ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهُ أَمْ لَا؟ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ كَانَ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَى مَا فِيهِ مِنَ السَّبَبِ، وَيَصِيرُ الْحُكْمُ مَعَ السَّبَبِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِنْ كَانَ لَفْظُ السَّائِلِ عَامًّا، مِثْلُ: إِنَّ قَالَ: أَفْطَرْتُ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَأَجَابَهُ بِأَنْ قَالَ: أَعْتِقْ، حُمِلَ الْجَوَابُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ مُفْطِرٍ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ الْفِطْرُ، كَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْعِتْقُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَفْصِلْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ، وَلَمَّا نَقَلَ السَّبَبَ وَهُوَ الْفِطْرُ، فَحَكَمَ فِيهِ بِالْعِتْقِ صَارَ كَأَنَّهُ عَلَّلَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ السَّبَبَ فِي الْحُكْمِ تَعْلِيلٌ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ السَّائِلِ خَاصًّا: مِثْلَ: إِنْ قَالَ: جَامَعْتُ فَأَجَابَهُ بِأَنْ قَالَ: أَعْتِقْ، حُمِلَ الْجَوَابُ عَلَى الْخُصُوصِ فِي الْمُجَامِعِ، لَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُفْطِرِينَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَنْ جَامَعَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ الْعِتْقُ وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْجَوَابُ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّؤَالِ اعْتُبِرَ حُكْمُ
[ ١ / ٣١١ ]
اللَّفْظِ، فَإِنْ كَانَ خَاصًّا حُمِلَ عَلَى خُصُوصِهِ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا حُمِلَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا يُخَصُّ بِالسَّبَبِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ مِثَالُ ذَلِكَ فِي عُمُومِهِ
[ ١ / ٣١٢ ]
مَا أنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْهَاشِمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ، نا أَبُو دَاوُدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ومُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ، قَالُوا: نا أُسَامَةُ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةٍ، وَهِيَ بِئْرٌ يُطْرَحُ فِيهَا الْحَيْضُ وَلَحْمُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَاءُ طَهُورٌ وَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَإِنَّمَا وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى الْعُمُومِ فِي الْمِيَاهِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْحِجَّةَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دُونَ السَّبَبِ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ عُمُومُهُ وَأَمَّا خُصُوصُ اللَّفْظِ فَمِثَالُهُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ الْكَوَافِرِ فَيَقُولُ ⦗٣١٣⦘ اقْتُلُوا الْمُرْتَدَّاتِ، فَيَجِبُ قَتْلُ الْمُرْتَدَّاتِ بِاللَّفْظِ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ غَيْرِ الْمُرْتَدَّاتِ مِنَ الْحَرْبِيَّاتِ لِجِهَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: مِنْ طَرِيقِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمَّا عَدَلَ عَنِ الِاسْمِ الْعَامِّ إِلَى الِاسْمِ الْخَاصِّ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ الْمُرْتَدَّاتِ وَبَيْنَ الْحَرْبِيَّاتِ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ الَّذِي:
[ ١ / ٣١٢ ]
أَنَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيُّ قَالَا: أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا لَنَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، وَجُعِلَتْ صُفُوفُنَا مِثْلَ صُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ» إِنَّ التَّيَمُّمَ بِغَيْرِ التُّرَابِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، عَلَّقَ عَلَى عُمُومِ اسْمِ الْأَرْضِ كَوْنَهَا مَسْجِدًا، وَعَلَّقَ عَلَى نَوْعٍ مِنْهَا خَاصٍّ كَوْنَهُ طَهُورًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالطُّهُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[ ١ / ٣١٣ ]