فَصْلٌ كَثِيرًا يَجْرِي مِنَ الْمُنَاظِرِ فِي حَالِ الْكَلَامِ وَاشْتِدَادِ الْخَاطِرِ، إِذَا وَثِقَ بِمَا يَقُولُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَصَحِيحٌ، فَيَقُولُ لَهُ الْخَصْمُ: لَيْسَ فِي يَدِكَ حُجَّةٌ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَجِيءُ بِالْإِيمَانِ، وَخَصْمُكَ أَيْضًا يَحْلِفُ عَلَى ضِدِّ مَا تَقُولُ؟ فَجَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ: مَا حَلَفْتُ لِيُلْزَمَكَ يَمِينِي حُجَّةً ، وَلَا أَرَدْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ ثِقَتِي بِمَا أَقُولُهُ، وَسُكُونَ نَفْسِي إِلَيْهِ، وَتَصَوُّرِي لَهُ عَلَى حَدِّ التَّقْرِيرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنْكَرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣] وَقَالَ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْقَسَمُ مِنَ اللَّهِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُخْصَمُ بِهَا الْمُلْحِدُ، فَإِنَّهَا تُضْعِفُ نَفْسَهُ، وَتُقَوِّي نَفْسَ الْمُوَافِقَ
[ ٢ / ١٠٥ ]
وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فِيمَا: أنا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَشِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ، نَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى هُوَ الذُّهْلِيُّ، نَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أنا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا، يَقُولُ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسْمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ﷺ إِلَيَّ: «أَنَّهُ لَا يُحِبُّكُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ»
[ ٢ / ١٠٥ ]