وبعد؛ فإني أحمد لله الذي يسر لي كتابة هذا البحث، وأعانني على إتمامه، وفي نهايته أود تدوين أبرز النتائج التي توصلت لها، وأهم التوصيات؛ فأبرز ما توصلت له من نتائج:
١ - اشتهر عن السلف -﵃- تهيبهم من الكلام فيما يعرض عليهم من مسائل الدين، وحتى لو تكلموا في مسائل الدين التي يعرفون فإنهم لا يجزمون بالتحليل والتحريم، ولا يعني هذا أنهم يتوقفون عن الاجتهاد ويظلون مكتوفي الأيدي خصوصًا عندما تدعوهم النوازل وحاجة الناس لرأي العلماء فيها، فإنه لا يكاد يوجد مجتهد إلا وله قول لم يقل به أحد قبله، لكنهم يفعلون ذلك مع أشد التهيب والحذر.
[ ١٤١ ]
٢ - اتفق العلماء على منع إحداث قول ثان، واختلفوا في حكم إحداث قول ثالث على ثلاثة أقوال، أقربها: أن إحداث قول ثالث جائز، ما لم يخالف هذا القول نصًا قطعي الدلالة والثبوت أو إجماعًا قطعيًا.
٣ - أن الأئمة لا يخالفون النص قطعي الدلالة والثبوت، ولا الإجماع القطعي عمدًا، لكن من عذر.
٤ - لا تكاد تجد مجتهدًا إلا وله أقوال لم يسبق إليها، أو وافق غيره من المجتهدين على أقوال لم يسبق إليها، بل إن غالب التطبيقات في هذا البحث وغيره مما لم أذكره كان في إحداث أقوال ثانية الذي اتفق العلماء على منعه، وهذا لا يُناقض ما سبق ذكره من أنهم يتهيبون الإقدام على قول لم يسبقوا إليه، لكنه لا يوافق ما أصلّوه في كتب الأصول من منع إحداث قول ثان أو ثالث، وهذا يستدعي الباحث ألَّا يكتفي بالتأصيل دون النظر للتطبيق، فإن التأصيل يراد للتطبيق، وقد استُنْبطت الأصول من فتاوى العلماء وآرائهم، وعملهم.
٥ - لو تتبع الباحث أي أحد من الأئمة لوجد عشرات الأمثلة على أقوال لم يسبقوا إليها قالوها أو وافقوا من قالها، مما يدل على أن التأصيل الفعلي هو جواز الاجتهاد
[ ١٤٢ ]
بقول لم يسبق إليه ما لم يخالف نصًا قطعي الثبوت والدلالة أو الإجماع القطعي وأن التأصيل القولي الذي اتفق عليه العلماء من منع إحداث قول ثانٍ، أو قاله جمهور العلماء من منع إحداث قول ثالث غير دقيق وغير مطرد ولم يجر عليه العمل.
هذه هي أبرز النتائج، أما أهم توصية، فهي أن تكون هناك دراسات تأصيلية تطبيقية على بعض القضايا التي يكثر ذكر القول التأصيلي لها دون دراسة تطبيقية لهذا التأصيل تبين قوته، فإن التأصيل يراد للتطبيق، ومعرفة التطبيق يبين قوة هذا التأصيل أو ضعفه، كما سبق ذكره في أصل: أن الأمر للوجوب، وأن ابن عثيمين لما قام بدراسة التطبيقات على ذلك، وجد أن المسألة لا تطرد، وأنه يمر الكثير من الأوامر، وهي عند العلماء ليست للوجوب (^١)، وهذا ما دعاه أن يعيد النظر في هذا التأصيل، فقال: "وما زلت منذ حين أتدبر وأتأمل: كيف نجد ضابطًا يضبط جميع النصوص الواردة في كل نص بعينة؟ ولم أستطع" (^٢)، ولولا نظره وتأمله في
_________________
(١) شرح الأصول من علم الأصول، لابن عثيمين، ص ١٦١ - ١٦٣.
(٢) شرح الأصول من علم الأصول، لابن عثيمين، ص ١٦٣.
[ ١٤٣ ]
تطبيقات العلماء لهذه القاعدة لما أعاد النظر فيها، وحاول أن يجد ضابطًا يضبطها، ولو تم مثل ذلك في أن تكون هناك مقارنة بين التطبيق والتأصيل في قضايا كثيرة، لخرجنا بضوابط مفيدة، وقواعد جامعة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.
[ ١٤٤ ]