في مبحث التأصيل تبيّن أن العلماء اتفقوا على منع إحداث قول ثان، وأن جمهورهم يمنعون العالم أن يُحدث قولًا ثالثًا مطلقًا، لكن في مبحث التطبيقات لا تكاد تجد مجتهدًا إلا وله أقوال لم يسبق إليها، أو وافق غيره من المجتهدين على أقوال لم يسبقوا إليها، بل إن غالب التطبيقات في هذا البحث وغيره مما لم أذكره كان في إحداث أقوال ثانية، والذي اتفق العلماء على منعه، وقد ذكرت عشرين مسألة نوَّعت فيها بين أقوال الأئمة المجتهدين من المتقدمين والمعاصرين، من أئمة المذاهب وغيرهم، وتركت مسائل كثيرة (^١) اكتفاءً من القلادة بما أحاط بالعنق.
_________________
(١) وهي موجودة في كتب الخلاف العالي والكتب المخصصة في نقل الإجماعات فإنها تذكر الانفرادات، وكذلك الكتب التي جمعت الآراء التي حُكم عليها بالشذوذ.
[ ١٠٩ ]
وتبيَّن في هذه التطبيقات أنهم قد يَردُّون القول أحيانًا؛ لأنه لم يسبق إليه، ثم يقبلون قولًا لم يسبق إليه، أو يأتون به، ويحتجون أحيانا بإجماع-خصوصًا في الخلاف- ثم ينقضون مثله في مسألة أخرى، بل قد يكون في نفس المسألة كما قال ابن تيمية عن ابن حزم أنه: "ذكر إجماعات كثيرة فيها نزاع لم يعلمه، بل فيها ما قد خالفه هو أيضًا" (^١).
وذكر أحد الباحثين في إجماعات ابن تيمية في كتاب الطهارة أنه "حكى إجماعًا في مسألة أثناء مناقشة الخلاف، ثم خالف فيه هو ﵀" (^٢)، ونقل ابن عثيمين الإجماع على أن رطوبة فرج المرأة ينقض الوضوء قبل خلاف ابن حزم ثم اختار بعد ذلك قول ابن حزم (^٣).
وهذا لا يُناقض ما سبق ذكره من أنهم يتهيبون الإقدام على قول لم يسبقوا إليه، فهم لا يقدمون إلا بعد تريث وتأمل
_________________
(١) الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق، لابن تيمية ٢/ ٦٢٤.
(٢) موسوعة الإجماع، لأسامة القحطاني وآخرين ١/ ٧١.
(٣) انظر: اللقاءات الشهرية، لابن عثيمين ٢/ ٢٧٠، لقاءات الباب المفتوح، لابن عثيمين، اللقاء (٢١٤)، ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين، لأحمد القاضي، ص ٧١. مسألة (٥٣).
[ ١١٠ ]
ومراجعة، يقول ابن عثيمين: "إذا رأيت قولًا مخالفًا لقول الجمهور فلا تتسرع في القول به، وإن كان عندك أنه الموافق للسنة لا تتسرع حتى تُمحص المسألة وتُراجع من هنا وهناك" (^١)، وقال: "قاعدة: إذا رأيت جمهور العلماء على خلاف أمرٍ أنت تعتقده من الحديث، فيجب عليك زيادة البحث" (^٢)، وهذا في مخالفة الجمهور، فإن كان في مخافة الجميع فهو من باب أولى.
ولكنَّ أقوالهم هذه - وإن لم تكن كثيرة - لا توافق ما أصلّوه في كتب الأصول من منع إحداث قول ثان أو ثالث، وهذا يستدعي الباحث ألَّا يكتفي بالتأصيل دون النظر للتطبيق، فإن التأصيل يراد للتطبيق، وقد استُنْبطت الأصول من فتاوى العلماء وآرائهم، وعملهم، والتطبيق العملي أحد الأدلة التي تبين قوة القول أو ضعفه (^٣)، فقد نقض بعض العلماء على الحنفية أصلهم بأنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى المنُّصُوصِ نَسْخٌ بتطبيقات عندهم
_________________
(١) شرح قواعد الأصول ومعاقد الفصول، لابن عثيمين، ص ٣٢٨.
(٢) التعليق على المنتقى، للعثيمين ١/ ٣٥١.
(٣) انظر: موطأ الإمام مالك ٢/ ٤٨٨، مسند الشافعي ١/ ١٥٣، سنن الترمذي ٢/ ٨٠.
[ ١١١ ]
خالفوا أصلهم فيها كـ"اشْتِرَاطِهِمْ فِي ذَوِي الْقُرْبَى الْحَاجَةَ، وَهُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَمُخَالَفَةٌ لِلْمَعْنَى الْمَقْصُودِ فِيهِ، وَفِي أَنَّ الْقَهْقَهَةَ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، مُسْتَنِدِينَ لأَخْبَارٍ ضَعِيفَةٍ، وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ" (^١).
وكذلك لما نص الشافعية على عدم اعتبار سد الذرائع أصلًا (^٢)، رُد عليهم بأنهم أعملوها في فروعهم الفقهية (^٣)، قال الزركشي: " وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَسَدُّ الذَّرَائِعِ ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ تَأْصِيلًا، وَعَمِلُوا عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ فُرُوعِهِمْ تَفْصِيلًا" (^٤).
ويَرد كثيرا في كتب الأصول: أن الأمر للوجوب، لكن لما قام ابن عثيمين بدراسة التطبيقات على ذلك، قال: "فالمسألة لا تطرد في كل شيء … وإن طردت القاعدة للوجوب اختلت وانتقضت عليك بمسائل كثيرة فيها أوامر، ولا يقال: إنها للوجوب، لكن على كل حال: العلماء في
_________________
(١) شرح الكوكب المنير، لابن النجار ٣/ ٥٨٣.
(٢) الأم، للشافعي ٣/ ١٢٤.
(٣) انظر: نهاية المطلب، للجويني ٥/ ١٥٢، روضة الطالبين، للنووي ٨/ ٧٥.
(٤) البحر المحيط، للزركشي ٨/ ٩٠.
[ ١١٢ ]
أصول الفقه أصلوا هذه القاعدة؛ لكن تطبيقها في كل مسألة جزئية فيه شيء من الصعوبة … فأنا أجد أنه يمر بنا الكثير من الأوامر، وهي عند العلماء-إما كلهم حسب علمنا، وإما أكثرهم- ليست للوجوب" (^١).
وهذا ما دعاه أن يعيد النظر في هذا التأصيل، فقال: "وما زلت منذ حين أتدبر وأتأمل: كيف نجد ضابطًا يضبط جميع النصوص الواردة في كل نص بعينة؟ ولم أستطع" (^٢)، ولولا نظره وتأمله في تطبيقات العلماء لهذه القاعدة لما أعاد النظر فيها، وحاول أن يجد ضابطًا يضبطها.
وعندما أنهيت المبحث الخاص بالتطبيقات أحببت أن أقوم بمقارنة بين التأصيل والتطبيق؛ ووجدت أن ابن عثيمين هو العالم الذي ورد ذكره أكثر من غيره - ولم أقصد ذلك ولكن جاء اتفاقًا -، وهو عالم يستحق الدراسة؛ لتأخر عصره، ولما لآرائه من أهمية وقبول - ﵀ -، ورحم جميع علماء المسلمين، وجزاهم خير الجزاء على ما قدموه لنا.
_________________
(١) شرح الأصول من علم الأصول، لابن عثيمين، ص ١٦١ - ١٦٣.
(٢) شرح الأصول من علم الأصول، لابن عثيمين، ص ١٦٣.
[ ١١٣ ]
ففي التأصيل اختار ابن عثيمين أن العلماء إذا اختلفوا في مسألة على قولين فلا يجوز إحداث قول ثالث؛ لمخالفة الإجماع (^١)، وسُئل عن المجتهد إذا وقف على حديثٍ صحَّ عنده، ثم بحث في المسألة، فلم يجد له سلفًا، هل يقول بها أو لا؟، فأجاب: "لا يقول بها، ولهذا نجد العلماء الجهابذة الكبار إذا بحثوا في آية، أو حديث، ولم يكن عندهم علم بقائل يقول: إن كان أحد قال بذلك، كما قاله شيخ الإسلام - ﵀ - في المبتوتة إذا حاضت حيضة واحدة هل تنقضي عدتها أم لا؟ فقال: إن كان أحد قال بذلك فهو حق" (^٢).
وفي حديثه عن إحداث دليل أو معانٍ لم تكن معروفة عند السلف، قال: "لو خالف ما أجمع عليه السابقون، فإننا لا نقبله" (^٣).
وعلى هذا التأصيل فإن على العالم ألَّا يقبل قولًا أتى به عالم ولم يسبق إليه، فضلًا على أن يأتي هو بقول لم يسبق
_________________
(١) انظر: شرح مختصر التحرير، لابن عثيمين، ص ٥٦٥، تفسير القرآن الكريم، سورة الروم، لابن عثيمين، ص ٣١.
(٢) التعليق على مقدمة المجموع، لابن عثيمين، ص ٣٨٥ - ٣٨٦.
(٣) شرح مختصر التحرير، لابن عثيمين، ص ٥٦٥.
[ ١١٤ ]
إليه، وقد سار ابن عثيمين على ذلك في غالب المسائل، فإنه رد أقوالًا؛ لأنه لم يقل بها أحد (^١)، وتوقف عن القول بأقوال يرى أنها صحيحة أو صواب أو وجيهة لأنه لا يعرف قائلًا بها (^٢)، ومنها قوله: "لو قال أحد من أهل العلم: إذا خلع الخف على طهارةٍ مسحٍ ثم أعاده قبل أن ينتقض وضوءه، فإنه يجوز أن يمسح، لو قال أحد بهذا القول فهو قولي" (^٣)، بل إنه صرف الأمر عن الوجوب لأنه لا يعلم من أهل العلم من قال به، ففي مسألة إعلان النكاح قال: " «أعلنوا» أمر، والأصل في الأمر الوجوب، لكن لا يُعلم من أهل العلم من قال بوجوب إعلان النكاح، وعلى هذا فيكون الأمر للاستحباب، والصارف له أنه لم يقل به أحد من أهل العلم" (^٤).
_________________
(١) انظر: الممتع، لابن عثيمين ٤/ ٣٣٣، ٧/ ٣٦٠، فتح ذي الجلال والإكرام، لابن عثيمين ١٢/ ٢٣.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١١/ ١٧٨، الممتع، لابن عثيمين ٥/ ١١٥، ١١/ ٣٠.
(٣) التعليق على الكافي، لابن عثيمين ١/ ١١٧. (المكتبة الشاملة)، ولم أجده في المطبوع. وقال قريبًا من هذا القول في مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١١/ ١٧٨.
(٤) فتح ذي الجلال والإكرام، لابن عثيمين ١١/ ١٠٢ - ١٠٣.
[ ١١٥ ]
ورد أقوال علماء لأنهم لم يسبقوا إليها، كما فعل مع قولٍ للصنعاني، فقد قال: "ولكنِّي ما رأيت أحدًا من أهل العلم قال: إنَّ مَنْ كان بداخل المسجد فإن فرضه استقبال الجهة إلا قولًا في «سُبُل السَّلام شرح بلوغ المرام» لم يعزُه لأحد، ولكنَّه قاله تَفَقُّهًا من عنده، وإذا لم يكن أحد قال به قَبْله فهو غير مُسَلَّم؛ لأن المعروف من كلام أهل العلم قاطبة أنه من كان يمكنه مشاهدتها ففرضُه إصابةُ العين" (^١).
وكما فعل أولًا في مسألة رطوبة فرج المرأة عندما بيَّن أن ابن حزم لم يسبق لهذا القول، ثم رده لأجل ذلك، فقال: "ولكن بعد البحث التام لم أجد أحدًا من العلماء قال: إنها لا تنقض الوضوء إلا ابن حزم، ولم نذكر له سابقًا حتى نقول: إن سلف الأمة يرون أن هذا لا ينقض الوضوء، وأنا أقول: إذا وُجد أحد من سلف الأمة يرى أنه لا نقض بهذه الرطوبة فإن قوله أقرب إلى الصواب من القول بالنقض … وأما إذا لم تجدوا فليس لنا أن نخرج عن إجماع الأمة" (^٢).
_________________
(١) الممتع، لابن عثيمين ٢/ ٢٧٢.
(٢) اللقاءات الشهرية، لابن عثيمين ٢/ ٢٧٠.
[ ١١٦ ]
ولكن في التطبيقات نجد أن ابن عثيمين اختار أن تحريم آنية الذهب والفضة خاص بالأكل والشرب فقط (^١)، وأن دم الاستحاضة وسلس البول لا تنقض الوضوء مالم يوجد المعتاد (^٢)، وأن رطوبة فرج المرأة لا ينقض الوضوء (^٣)، وأن أكثر مدة النفاس ستون يومًا (^٤)، وأن تارك الصلاة عمدًا لا قضاء عليه (^٥)، وأن صلاة التطوع مضطجعًا دون عذر جائزة (^٦)، وأنه لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْأَبِ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ حَتَّى تَبْلُغَ وَتَأْذَنَ (^٧)، وأن الحالف بالطلاق لم تطلق منه امرأته وأن عليه كفارة يمين، وإن كَانَ قصد الحالف حضًا أو منعًا ولم يرد الطلاق فهي يمين (^٨).
_________________
(١) انظر: الممتع، لابن عثيمين ١/ ٧٥.
(٢) انظر: الممتع، لابن عثيمين ١/ ٥٠٣، لقاءات الباب المفتوح (٢١٤).
(٣) انظر: لقاءات الباب المفتوح، لابن عثيمين، اللقاء (٢١٤)، ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين، لأحمد القاضي، ص ٧١. مسألة (٥٣).
(٤) انظر: الممتع، لابن عثيمين ١/ ٥١٢.
(٥) انظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١٢/ ٩٣.
(٦) انظر: البيان الممتع، لابن عثيمين، ص ١٣٩، الممتع، لابن عثيمين ٤/ ٨١.
(٧) انظر: الممتع، لابن عثيمين ١٢/ ٥٨.
(٨) انظر: فتاوى نور على الدرب، لابن عثيمين ١٠/ ٣٩٣ - ٣٩٤.
[ ١١٧ ]
وكل هذه المسائل قال بها أئمة لكنهم لم يسبقوا إلى هذه الأقوال، والذي ينبغي على التأصيل الذي أصَّله أن يرد هذه الأقوال، لكنه لم يسر على هذا التأصيل، بل اختار هذه الأقوال التي لم يسبق إليها.
وقد يخفى عليه في بعض المسائل أن هذا العالم أتى بقول لم يسبق إليه، وهذا من العذر له، لكن في بعض المسائل تبين أنه يعلم أن هذا العالم لم يسبق لهذا القول كما في مسألة عدم نقض رطوبة فرج المرأة للوضوء، فقد أخذ برأي ابن حزم مع علمه بأنه لم يسبق إليه.
وكذلك في مسألة الإشارة بالسبابة في الجلوس بين السجدتين فقد اختار رأي ابن القيم مع علمه بأنه لم يسبق إليه، فقد قال: "ولي سلف من أهل العلم وهو ابن القيم" (^١)، مما يدل على أنه لم يجد من سبق ابن القيم لهذا ولو وجد لذكره، فذكر أسماء العلماء الموافقين في الرأي تقوية له، فقد ذكر ابن عثيمين أنه قد يقول الشيء ثم يقول
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١٣/ ١٩٣. وقد سبق بيان أن النسبة لابن القيم غير ثابتة.
[ ١١٨ ]
: "هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وما أشبه ذلك؛ لأجل أن يقوي جانبه" (^١).
وقد اختار أن جهر الإمام بالتكبير واجب (^٢)، واختار أنه يشرع الإشارة بالسبابة بين السجدتين (^٣)، وهي أقوال له لم يسبق إليها كما سبق بيانه في التطبيقات، وهذا لا يوافق ما سبق تأصيله من عدم جواز إحداث قولٍ ثالثٍ، وهذه ليست أقوالًا ثالثة، بل هي أقوال ثانية، وإحداثها لا يجوز من باب أولى.
وأضيف لهذه الدراسة ثلاثة أمثلة أخرى (^٤):
_________________
(١) شرح نظم الورقات، لابن عثيمين، ص ٢٢٨.
(٢) انظر: الممتع، للعثيمين ٣/ ٣٣.
(٣) انظر: الممتع، لابن عثيمين ٣/ ١٢٨.
(٤) هناك أمثلة أخرى، لكن تكفي هذه الأمثلة، خشية الإطالة، ولأن المقصود من الدراسة يتحقق بها بحول الله. انظر: الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات، لعلي الرميح، فقد ذكر أكثر من عشر مسائل اختارها ابن عثيمين، وهي من المسائل التي حُكم عليها بالشذوذ، وقد صحح الباحث نسبة الشذوذ لبعض هذه الأقوال، ولم يصحح بعضها، وتردد في بعض.
[ ١١٩ ]
المثال الأول: أنه اختار أن غلبة الضحك لا تفسد الصلاة (^١)، وقد نُقل الإجماع أن الضحك مبطل للصلاة مطلقا، قال ابن تيمية: "إنَّ الْقَهْقَهَةَ تُبْطِلُ بِالْإِجْمَاعِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ" (^٢)، قال ابن المنذر: "وأجمعوا أن الضحك في الصلاة يفسد الصلاة" (^٣)، وقال ابن قدامة: "وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا" (^٤)، وقال ابن باز: "الضحك في الصلاة يبطلها بإجماع أهل العلم" (^٥).
والقول بأنه لا تبطل الصلاة من غلبة الضحك لم يقل به أحد من الصحابة أو التابعين -﵃-، بل الأقوال المنقولة إلينا عنهم أنها تبطل الصلاة من الضحك (^٦).
وقد جاء عن بعض المالكية القول بصحة صلاة من غلبه الضحك، وهو قول متأخر لم يسبق إليه والمذهب عندهم أن صلاته باطلة (^٧).
_________________
(١) انظر: الممتع، لابن عثيمين ٣/ ٣٦٦، التعليق على المنتقى للعثيمين ١/ ٥٤١.
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٢/ ٦١٧.
(٣) الإجماع، لابن المنذر، ص ٣٩.
(٤) المغني، لابن قدامة ٢/ ٣٩.
(٥) مجموع فتاوى ابن باز ٢٩/ ٣٤٤.
(٦) انظر: مصنف عبدالرزاق، بَابُ الضَّحِكِ وَالتَّبَسُّمِ فِي الصَّلَاةِ ٢/ ٣٧٦، مصنف ابن أبي شيبة، مَنْ كَانَ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنَ الضَّحِكِ ١/ ٣٤٠.
(٧) الشرح الصغير، للدردير ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨.
[ ١٢٠ ]
المثال الثاني: أنه اختار أن للمصلي أن يضع اليمنى على ذراع اليسرى دون قبض، أو يقبض الكوع ويرى أن السنة وردت بهما (^١).
وعن الصفة الأولى قال تلميذه الدكتور أحمد الخليل: "لكن هذه الصفة-أي وضع اليمنى على ذراع اليسرى- لم أجد أحدًا من المتقدمين ذكرها، ولم يأخذ بها أحد من المذاهب الأربعة، وإنما يذكرها المتأخرون، أو بعبارة أدقَّ: المعاصرون، أما المتقدمون فإنهم يرون أن سهلًا لم يُبين الموضع، وأن الأحاديث الأخرى بيّنتْ، فيجعلون هذا الحديث مجملًا، ولا يأخذونه على ظاهره" (^٢).
_________________
(١) الممتع، لابن عثيمين ٣/ ٣٦.
(٢) صفة الصلاة، للخليل، ص ٤٩. قال ابن باز: "جاء في صحيح البخاري عن سهل بن سعد -﵁- قال: «كان الرجل يؤمر أن يجعل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» قال أبو حازم الراوي عن سهل: لا أعلمه إلا يروي ذلك عن النبي -ﷺ-، فدل ذلك على أن المصلي إذا كان قائما يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى، والمعنى على كفه والرسغ والساعد لأن هذا هو الجمع بينه وبين رواية وائل بن حجر فإذا وضع كفه على الرسغ والساعد فقد وضعت على الذراع؛ لأن الساعد من الذراع، فيضع كفه اليمنى على كفه اليسرى وعلى الرسغ والساعد كما جاء مصرحا في حديث وائل المذكور"، وقال: "حديث وائل عند أبي داود والنسائي «ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد» وصححه ابن خزيمة وغيره وأصله في صحيح مسلم بدون الزيادة". مجموع فتاوى ابن باز ١١/ ٣١، ١٣٣.
[ ١٢١ ]
المثال الثالث: أنه اختار أن عقوبة الخمر تعزير وليست حدًا (^١)، وقد نقل الإجماع غير واحد من العلماء أنها حد (^٢)، ومنهم ابن تيمية فقد قال: "أَمَّا حَدُّ الشُّرْبِ: فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ" (^٣)، وقال: "أَمَّا شَارِبُ الْخَمْرِ فَيَجِبُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ أَنْ يُجْلَدَ الْحَدَّ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَحَدُّهُ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً أَوْ ثَمَانُونَ جَلْدَةً" (^٤).
وقد نقل ابن عثيمين كلام ابن تيمية في نقل الإجماع ولم يوافقه على ذلك، فقد قال: "فيه نظر، فليس في المسألة إجماع" (^٥)، ولم يسبق ابن عثيمين أحد من أهل العلم المعروفين
_________________
(١) انظر: الممتع، لابن عثيمين ١٤/ ٢٩٥، فتح ذي الجلال والإكرام، لابن عثيمين ٧/ ١٥٧، التعليق على السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية، لابن عثيمين، ص ٣٠٧.
(٢) انظر: موسوعة الإجماع، لأسامة القحطاني وآخرين ٩/ ٧٢٩.
(٣) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٢٨/ ٣٣٦.
(٤) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٣٤/ ٢١٦.
(٥) التعليق على السياسة الشرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية، لابن عثيمين، ص ٣٠٦.
[ ١٢٢ ]
إلى هذا القول، إنما جاء عن طائفة ولم يسمَ أحدٌ منهم، قال ابن حزم: "وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا حَدَّ فِيهَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - لَمْ يَفْرِضْ فِيهَا حَدًّا" (^١).
وقال ابن حجر: "قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الْخَمْرِ … وَتَبِعَهُ على نقل الْإِجْمَاع بن دَقِيقِ الْعِيدِ وَالنَّوَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُمَا وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الطَّبَرِيّ وبن الْمُنْذِرِ وَغَيْرَهُمَا حَكَوْا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْخَمْرَ لَا حَدَّ فِيهَا وَإِنَّمَا فِيهَا التَّعْزِيرُ" وقد ذكر ابن حجر أن الأدلة التي استدلوا بها كانت في بداية عقوبة الخمر في عصر الرسول -ﷺ-، ثم قال: "إنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَحَرَّى مَا كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- ضَرَبَ السَّكْرَانَ فَصَيَّرَهُ حَدًّا وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ وَكَذَا اسْتَمَرَّ مَنْ بَعْدَهُ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ" (^٢).
وإن كان هذا الإجماع لا يعد إجماعًا قطعيًا، لكن فيه دلالة على أن القول بأنه تعزير وليس حدًا أتى متأخرًا، سواء سمي القائل به أو لم يسمَ، لكن لم يسمَ من قال به، وقد أخذ به ابن
_________________
(١) المحلى، لابن حزم ١٢/ ٣٦٥.
(٢) فتح الباري، لابن حجر ١٢/ ٧٢.
[ ١٢٣ ]
عثيمين بناء على ما ترجح عنده من الأدلة أن الرسول -ﷺ- لم يحد فيه حدًا، ولم يذكر أن أحدًا سبقه لذلك إنما قال: "وهو ظاهر كلام ابن القيم في إعلام الموقعين" (^١).
وفي أكثر من موضع في إعلام الموقعين ذكر ابن القيم أن عقوبة الخمر حد (^٢)، والموضع الذي يغلب على الظن أنه ظهر لابن عثيمين أن ابن القيم يرى أن العقوبة غير مقدرة، قوله: "وَكَانَتْ عُقُوبَةُ هَذِهِ الْجِنَايَةِ غَيْرَ مُقَدَّرَةٍ مِنْ الشَّارِعِ، بَلْ ضَرَبَ فِيهَا بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالْجَرِيدِ، وَضَرَبَ فِيهَا أَرْبَعِينَ، فَلَمَّا اسْتَخَفَّ النَّاسُ بِأَمْرِهَا وَتَتَابَعُوا فِي ارْتِكَابِهَا غَلَّظَهَا الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- الَّذِي أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَسُنَّتُهُ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ فَجَعَلَهَا ثَمَانِينَ بِالسَّوْطِ، وَنَفَى فِيهَا، وَحَلَقَ الرَّأْسَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ فِقْهِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمَرَ بِقَتْلِ الشَّارِبِ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ، وَلَمْ يَنْسَخْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَدًّا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ فَهُوَ عُقُوبَةٌ تَرْجِعُ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي الْمَصْلَحَةِ، فَزِيَادَةُ أَرْبَعِينَ وَالنَّفْيُ وَالْحَلْقُ أَسْهَلُ مِنْ الْقَتْلِ"، لكن في هذا النقل يظهر أن الذي ليس بحد هو ما زاد على الأربعين
_________________
(١) الممتع، لابن عثيمين ١٤/ ٢٩٥.
(٢) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم ١/ ٩٨، ١٦١، ٢٠٣، ٢/ ٨٤.
[ ١٢٤ ]
من الضرب والنفي والحلق والقتل، ويؤيده قول ابن القيم: "وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ تَنَوَّعَ تَعْزِيرُهُ فِي الْخَمْرِ: فَتَارَةً بِحَلْقِ الرَّأْسِ، وَتَارَةً بِالنَّفْيِ، وَتَارَةً بِزِيَادَةِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ضَرَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ" (^١)، وقوله: "عُمَرُ قَدْ زَادَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ عَلَى أَرْبَعِينَ وَالنَّبِيُّ -ﷺ- " (^٢).
وسواء كان ابن عثيمين هو السابق في هذه الأمثلة الثلاثة أو سبقه غيره فهي أقوال لم يسبق إليها قبل عصر الصحابة -﵃-، وهي تضاف لما سبق من التطبيقات التي اختار ابن عثيمين فيها أقوالًا لم يسبق إليها، ولم يجر فيها على التأصيل الذي أصله في عدم قبول القول الذي لم يسبق إليه.
ولو تأملنا اختيارات ابن عثيمين في جميع هذه المسائل لوجدنا أنه لم يخالف نصًا قطعي الثبوت والدلالة، ولا إجماعًا قطعيًا، بل يتهيب مخالفة الإجماع، فقد قال في إحدى المسائل: "وكنت أتهيب القول بهذا؛ لأن الذين أمامنا دائمًا يقولون: هذا قول الجمهور، وبعضهم يقول: إجماع" (^٣).
_________________
(١) إعلام الموقعين، لابن القيم ٢/ ٢٣.
(٢) إعلام الموقعين، لابن القيم ٢/ ٨٤.
(٣) الممتع، لابن عثيمين ١٣/ ١٩١.
[ ١٢٥ ]
وعندما يظن أن في المسألة إجماعًا وهو غير مستيقن، يقول: "فإن كانت المسألة إجماعًا، فالإجماع لا يمكن الخروج عنه، وإن كان في المسألة خلاف، فالراجح عندي" (^١)، ثم يقول رأيه، وفي ذلك تربية لتلامذته، واختياراته في الأقوال التي لم يسبق إليها قوية تدعمها الأدلة.
وهي - وإن كانت قليلة مقارنة بمسائل الفقه - فإنها تفتح المجال للمجتهد أن يجتهد في بعض المسائل خصوصا عندما تدعو الحاجة أو الضرورة.
ولو تتبع الباحث أي أحد من الأئمة لوجد عشرات الأمثلة على أقوال لم يسبقوا إليها قالوها أو وافقوا من قالها، مما يدل على أن التأصيل الفعلي هو جواز الاجتهاد بقول لم يسبق إليه ما لم يخالف نصًا قطعي الثبوت والدلالة أو الإجماع القطعي وأن التأصيل القولي الذي اتفق عليه العلماء من منع إحداث قول ثانٍ، أو قاله جمهور العلماء من منع إحداث قول ثالث غير دقيق وغير مطرد ولم يجر عليه العمل.
_________________
(١) الممتع، لابن عثيمين ١٢/ ٧٦. وانظر: الممتع، لابن عثيمين ٩/ ٢١٥، تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة ٤/ ٨٦، ٥/ ٧٠.
[ ١٢٦ ]
وقد يكون سبب المنع التخوف من فتح الباب فتأتي اجتهادات من غير أهلها أو من أهلها لكنها مخالفة لنصوص قطعية الثبوت والدلالة أو الإجماع القطعي، إضافة إلى انتشار القول بإغلاق باب الاجتهاد، وأنه لا يوجد مجتهد من بعد أئمة المذاهب، لكن العمل على خلاف ذلك فالأمة لم تعدم المجتهدين في كل عصر، والذين يغلقون باب الاجتهاد قد وافقوا غيرهم باجتهادات لم يسبقوا إليها، منها القول بإغلاق باب الاجتهاد.
لكن التقليد يصد المقلد عن البحث في مثل ذلك، ولا يقبل إلَّا ما جاء به إمامه، كما يقول الماوردي: "وَلَقَدْ رَأَيْت مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ رَجُلًا يُنَاظِرُ فِي مَجْلِسِ حَفْلٍ وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الْخَصْمُ بِدَلَالَةٍ صَحِيحَةٍ فَكَانَ جَوَابُهُ عَنْهَا أَنْ قَالَ: إنَّ هَذِهِ دَلَالَةٌ فَاسِدَةٌ، وَجْهُ فَسَادِهَا أَنَّ شَيْخِي لَمْ يَذْكُرْهَا وَمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ لَا خَيْرَ فِيهِ" (^١).
وقد يلجأ للتأويلات البعيدة لينصر من قلده، فإذا لم يجد ما ينصر به إمامه يقول لعل إمامي يعلم من الأدلة ما لم نعلم
_________________
(١) أدب الدنيا والدين، للماوردي، ص ٧٠.
[ ١٢٧ ]
ولم يصل إلينا، وقد تعجب العز بن عبدالسلام من هؤلاء، فقال: "وَمِنْ الْعَجَبِ الْعَجِيبِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ الْمُقَلِّدِينَ يَقِفُ أَحَدُهُمْ عَلَى ضَعْفِ مَأْخَذِ إمَامِهِ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ لِضَعْفِهِ مَدْفَعًا وَمَعَ هَذَا يُقَلِّدُهُ فِيهِ، وَيَتْرُكُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الصَّحِيحَةِ لِمَذْهَبِهِ جُمُودًا عَلَى تَقْلِيدِ إمَامِهِ، بَلْ يَتَحَلَّلُ لِدَفْعِ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَتَأَوَّلُهُمَا بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ الْبَاطِلَةِ نِضَالًا عَنْ مُقَلِّدِهِ … وَمَا رَأَيْت أَحَدًا رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ إذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فِي غَيْرِهِ بَلْ يَصِيرُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وَبُعْدِهِ، فَالْأَوْلَى تَرْكُ الْبَحْثِ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذَا عَجَزَ أَحَدُهُمْ عَنْ تَمْشِيَةِ مَذْهَبِ إمَامِهِ قَالَ لَعَلَّ إمَامِي وَقَفَ عَلَى دَلِيلٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَمْ أَهْتَدِ إلَيْهِ" (^١).
وقد يكون مؤهلًا للاجتهاد أكثر من إمامه كما قيل عن التقي السبكي "أنه حاز من علوم الاجتهاد ما لم يحزه إمامه الشافعي" (^٢)، فيمنع نفسه من الاجتهاد، ولو اجتهد لأتى بأقوال لا تخالف نصًا ولا إجماعًا قطعيًا، بل قد تكون معها أدلة قوية، وقد يكون فيها تيسير لأمة من الناس، كما اجتهد ابن
_________________
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبدالسلام ٢/ ١٥٩.
(٢) در الغمام الرقيق، لأحمد الغماري، ص ٤٠.
[ ١٢٨ ]
تيمية في جواز طواف الحائض للضرورة دون أن يكون عليه دم، وأخذ بقوله كبار العلماء في العصر الحديث كابن باز (^١) وابن عثيمين (^٢).
وأخذت به بعض دور الإفتاء (^٣)، وصار في هذا القول تيسير خصوصًا في عصرنا الحاضر بعدما أصبح رجوع المرأة للحج صعبًا بل قد يكون مستحيلًا على من تأتي من أقصى الأرض، ومن العسير أن تتأخر المرأة أو رفقتها بعدما صارت مربوطة بحملات ومواعيد رحلات وإن تركتها حلّ عليها من العنت ما الله به عليم، وكثير من الدول لا تسمح لها بالرجوع للحج مرة ثانية.
وهناك عشرات الآراء الجديدة التي حُكم عليها بالشذوذ، ثم أخذت بها بعض المذاهب أو بعض كبار العلماء وجرى عليها الفتوى (^٤)، ولو أنعمنا النظر في غالب هذه الأمثلة لوجدنا
_________________
(١) انظر: اختيارات الشيخ ابن باز الفقهية، لخالد آل حامد ٢/ ١٠١٠.
(٢) انظر: الممتع، لابن عثيمين ١/ ٣٣٢.
(٣) انظر: موقع دار الإفتاء المصرية، قسم الفتاوى، فتوى أداء العمرة للحائض، تاريخ الفتوى: ١٩/ ٠٥/ ٢٠١٣ م.
(٤) انظر: الآراء الفقهية المحكوم عليها بالشذوذ، لتركي الخضيري وآخرين ٢/ ١٤٧٥، ٣/ ٥٥٤ - ٥٥٥، ٤/ ٨٥١ - ٨٥٧.
[ ١٢٩ ]
أنه يُنقل فيها الإجماع، مع أن غالب هذه الإجماعات غير متحققة، وأن بعضهم ينقل إجماعًا -خصوصا في الخلاف- ثم ينقض مثله في مسألة أخرى يأخذ بها اجتهادًا أو تقليدًا، مما يدل على أن الإجماع القطعي قليل، "ولا يكون إلا عن دليل شرعي" (^١)، يقول ابن تيمية: "فلست أعلم إجماعًا صحيحًا إلا ومعه دلالة من الكتاب والسنة توافقه" (^٢).
ويقول ابن عثيمين: "من يأتي بإجماع إلا ما اتفق المسلمون عليها بالضرورة كوجوب الصلاة الخمس مثلًا، فوجوب الصلوات الخمس بالإجماع، ثابت بالكتاب والسنة، ولذلك لا تجد في الواقع -وحسب علمي- مسألة ثبتت بالإجماع دون الدليل من الكتاب والسنة أبدًا" (^٣)، ويقول: "الإجماع دليل على الدليل، وليس دليلًا بلا دليل، فلا يمكن الإجماع إلا من دليل من كتاب أو سنة" (^٤) وأن غيره من الإجماعات فيها خلاف في التأصيل، وتساهل كثير في التطبيق.
_________________
(١) الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق، لابن تيمية ٢/ ٦٥٣.
(٢) الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق، لابن تيمية ٢/ ٧٧٧.
(٣) شرح قواعد الأصول ومعاقد الفصول، لابن عثيمين، ص ٣٤٩.
(٤) شرح نظم الورقات، لابن عثيمين، ص ١٣٢.
[ ١٣٠ ]
وهذا يستدعي الباحث ألا يكف عن البحث عندما يجد إجماعًا منقولًا في غير ما له دلالة "مبينة في الكتاب والسنة" (^١)، فقد يجد بعد البحث أن الإجماع غير متحقق، يقول ابن تيمية: "فالغلط فيه كثير جدًا، حتى إني لا أعرف أحدًا ينقل الإجماعات إلا وقد وجد فيما ينقله من الإجماعات ما فيه نزاع لم يطلع عليه" (^٢)، ويقول: "وما زال الناس يدعي أحدهم إجماعًا، ويقيم الآخر الدليل على بطلانه" (^٣).
وقد نَقل الإجماع في مسألة الطلاق بالثلاث أنه يكون ثلاثًا أكثرُ من عشرين عالمًا (^٤)، لكن هذا النقل لم يجعل ابن تيمية يتوقف، بل أقدم مع التهيب فهي عنده "من المسائل الكبار" (^٥)، وتبين له بالأدلة أنها لا تعد إلا طلقة واحدة (^٦)، وأن الإجماع فيها غير متحقق، وأن الذين ينقلونه "ليس لهم بهذا الإجماع من علم
_________________
(١) الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق، لابن تيمية ٢/ ٦١٥.
(٢) الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق، لابن تيمية ٢/ ٦٩٣.
(٣) الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق، لابن تيمية ٢/ ٦٥٧.
(٤) حركة التصحيح الفقهي حفريات تأويلية في تجربة ابن تيمية مع فتوى الطلاق، لياسر المطرفي، ص ٤٠.
(٥) جامع المسائل، لابن تيمية ١/ ٣٦٧.
(٦) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٣٣/ ٧١.
[ ١٣١ ]
البتة، وأن غاية ما عندهم نقلُ من نقلَ ذلك، وأسبق من نقل الإجماع في ذلك أبو ثور، وكل من جاء بعده فعنه أخذ ذلك" (^١).
ولم يوقف ابن تيمية كل ما لاقاه جراء هذا القول الذي قال عنه ابن بطال: "والخلاف في ذلك شذوذ، وإنما تعلق به أهل البدع، ومن لا يلتفت إليه لشذوذه عن الجماعة التي لا يجوز عليها التواطؤ على تحريف الكتاب والسنة" (^٢)، وقال عنه السبكي: "إني تتبعت أقوال الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم فلم أعلم أحدًا قال بهذا القول الذي اخترعه ابن تيمية من سلف ولا خلف" (^٣)، بل ثبت وبسط "الكلامَ عليها في مواضعَ في نحو مجلدين وأكثر" (^٤).
وبعد قرون يصبح قول ابن تيمية هذا قولًا مقبولًا رجحه كبار العلماء، كابن سعدي (^٥)، وابن باز (^٦)، وابن عثيمين (^٧)،
_________________
(١) الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق، لابن تيمية ١/ ١٦٩.
(٢) شرح صحيح البخاري، لابن بطال ٩/ ٣٩٠ - ٣٩١.
(٣) الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق، لابن تيمية ١/ ١٥٢، ١٦٨.
(٤) جامع المسائل، لابن تيمية ١/ ٣٦٧.
(٥) انظر: الممتع، لابن عثيمين ١٣/ ٤٢.
(٦) انظر: مجموع فتاوى ابن باز ٢١/ ٤٠٠.
(٧) انظر: الممتع، لابن عثيمين ١٣/ ٤٢.
[ ١٣٢ ]
وأخذت به اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء (^١)، وقوانين الأحوال الشخصية في أكثر من بلد (^٢)، مع غيره من المسائل في الطلاق التي قال بها وقد نقل الإجماع على خلافه (^٣).
يقول القرضاوي: "من أشهر الفتاوى التي اعتبرت شاذة في عصرها، ثم تم ترجيحها بعد ذلك فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم، حول قضايا الأسرة والطلاق، مثل الطلاق الذي يراد به الحمل على شيء أو المنع منه، والطلاق الذي يراد به اليمين، والطلاق المعلق، والطلاق الثلاث بلفظة واحدة، والطلاق البدعي، وطلاق المرأة الحائض، أو المرأة التي مسها زوجها في هذا الطهر، وهذا الفتاوى حوكم من أجلها ابن تيمية، وخالفه علماء عصره، واعتبروا أنه خرق الإجماع، ودخل من أجلها السجن، ومات ابن تيمية ﵀ في السجن من أجل هذا، لكن هذا القول الذي اعتبر شاذًا تبناه أكثر العلماء في عصرنا، وتبنته لجان الفتوى،
_________________
(١) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء ٢٠/ ١٣٦، السؤال الثاني من الفتوى رقم (٨٩٢٥).
(٢) انظر: الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق، لابن تيمية ١/ ٩.
(٣) انظر: موسوعة الإجماع، لأسامة القحطاني وآخرين ٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤.
[ ١٣٣ ]
وتبنته قوانين الأحوال الشخصية في أكثر من بلد، واعتبر هو سبيل الإنقاذ، أو سفينة الإنقاذ للأسرة المسلمة" (^١).
ويقول عبدالله العقيل متحدثًا عن ابن باز: "وكان قد انفرد عن علماء بلده، أو عن أكثرهم، بأنه يرى الطلاق الثلاث واحدة، ويرى عدم وقوعه في الحيض، أو في طهر وطئها فيه، ويرى عدم وقوع طلاق السكران، ويرى الحلف بالطلاق يمينًا مكفرة، وغير ذلك، فلهذا كثر المستفتون عن هذا المشاكل، ورحلوا من أجلها، وكان ﵀ يفتيهم بالأسهل؛ موافقًا في اجتهاده شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من محققي العلماء، وأنقذ الله بفتواه أسرًا كثيرة كادت أن تتهدم بيوتهم، ويتشرد أطفالهم، وتأيم نساؤهم، فجزاه الله عن الجميع أفضل الجزاء، وطالما نهاه شيخه محمد بن إبراهيم، بل نهاه الملك عبدالعزيز عن هذه الفتوى فلم ينته، يرى أن هذا هو القول الصحيح، وأنه من العلم الذي لا يحل له كتمانه" (^٢).
_________________
(١) موقع القرضاوي، جواب سؤال: ما الفتوى التي ينظر إليها على أنها فتوى شاذة، هل هذا الشذوذ يمكن أن يتغير بتغير الحال، أو المكان، أو العرف، أو العادات؟
(٢) سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز كما عرفته، لعبدالله العقيل، ضمن مجموع فيه من آثار سماحة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العقيل في الذكريات والتاريخ والتراجم، ص ٧٧ - ٧٨.
[ ١٣٤ ]
ولا يعني هذا الكلام أن يفتح الباب لكل أحد، بل لا يحق الاجتهاد إلَّا لمن كان عالمًا أهلًا للاجتهاد، فقد نقل النووي إجماع العلماء أن الاجتهاد لا يكون إلَّا لـ"عالمٍ أهلٍ للحكم" (^١).
والأولى أن يعرض قوله على المجامع الفقهية، ودور الإفتاء، التي تجمع عددًا من العلماء المؤهلين للبحث والاجتهاد فيما تحتاج له الأمة من المسائل، فيقومون بمناقشته بهدوء، فقد يبينون رجحانه، أو يرفضونه، أو يأخذون بعضًا ويدعون بعضًا، دون أن يحارب القول الجديد، فيخاف بعض المؤهلين من إبداء آرائهم التي تعضدها الأدلة وقد تكون سببًا لنفع الأمة.
فهذا ابن عثيمين أتى بعد قرون من انتشار قول المنع من القول بما لم يسبق به قول، ومع ذلك اجتهد في أقوال لم يسبق إليها وكانت قوية تدعمها الأدلة، كما قال تلميذه الدكتور أحمد الخليل في مسألة جهر الإمام بالتكبير: "الفقهاء يذكرون الاستحباب، فإذا لم يثبت الإجماع، وصار في المسألة خلاف، فإن الراجح ما قاله شيخنا من أن هذا واجب وليس سنة فقط؛ لأنه لا يحصل الاقتداء والائتمام على الوجه المطلوب إلا
_________________
(١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي ١٢/ ٢٤٠.
[ ١٣٥ ]
بالجهر بالتكبير وإسماع المصلين … إن الأدلة التي ذكرها شيخنا قوية جدًا وواضحة؛ لكن يُشكل عليه أني لم أقف على من سبقه" (^١).
وأما الإشكال الذي يثار حول هذه القضية وهو هل الحق كان غائبًا عن الأمة حتى أتى العالم المتأخر فدلَّها عليه؟
فيجاب عليه: بأن الحق لا يغيب عن أمة محمد -ﷺ-، فعدم نقل قولٍ لا يعني عدم وجوده، أو أن الإجماع على خلافه ما لم ينقل في المسألة الإجماع القطعي، وقد يكون في المسألة إجماع ويرى بعض الأئمة أن "الإجماع كان مبنيًا على العرف، أو المصلحة، فتغير العرف اليوم، أو المصلحة المبتغاة من ذلك" (^٢)، وقد لا تكون هناك حاجة لقول، ثم تدعو الحاجة له، وأحيانًا الضرورة.
وعلى أقل الأحوال فإنه قد يكون القول مشهورًا على رأي، وعمل الناس يكون على خلافه، وأضرب لذلك ثلاث مسائل
_________________
(١) صفة الصلاة، لأحمد الخليل، ص ٣٢ - ٣٣.
(٢) المقدمة في منهج الفقه الإسلامي للاجتهاد والبحث، للقره داغي ص ١٣٦ - ١٣٧.
[ ١٣٦ ]
تبيَّن أن العمل قد يكون على خلاف القول عند اتباع هذا القول وعند غيرهم، الأولى في التأصيل والأخريان في التطبيق:
المسألة الأولى: أن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز إحداث قول ثان، مع أن العمل على إحداث قول ثان، وغالب اجتهادات العلماء التي لم يسبقوا إليها كانت أقوالًا ثانية.
المسألة الثانية: أن الحنابلة رجحوا كفر تارك الصلاة تهاونًا وكسلًا (^١)، ويترتب على هذا القول أن "من مات من المكلفين وهو لا يصلي فهو كافر، لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه أقاربه" (^٢)، و"تحرم عليه زوجته التي معه، وينفسخ نكاحها منه فيجب عليها مفارقته حتى يرجع إلى الإسلام" (^٣).
لكن العمل على خلاف ذلك، فهذا ابن قدامة وهو أحد أئمة المذهب الحنبلي يقول: "لَا نَعْلَمُ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ أَحَدًا مِنْ تَارِكِي الصَّلَاةِ تُرِكَ تَغْسِيلُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنُهُ فِي
_________________
(١) انظر: منتهى الإرادات، لابن النجار ١/ ١٣٨.
(٢) مجموع فتاوى ابن باز ١٣/ ١٠٥.
(٣) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ١٢/ ١٠٠.
[ ١٣٧ ]
مَقَابِر الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مُنِعَ وَرَثَتُهُ مِيرَاثَهُ، وَلَا مُنِعَ هُوَ مِيرَاثَ مُوَرِّثِهِ، وَلَا فُرِّقَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ مَعَ كَثْرَةِ تَارِكِي الصَّلَاةِ" (^١).
المسألة الثالثة: أن المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، قالوا بتحريم عقد الاستصناع، وهو "عقد على مبيع في الذمة وشرط عمله على الصانع" (^٥).
لكن العمل على خلافه عند المانعين والمجيزين دون نكير، يقول ابن الهمام: "جَوَّزْنَاهُ اسْتِحْسَانًا؛ لِلتَّعَامُلِ الرَّاجِعِ إلَى الْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إلَى الْيَوْمِ بِلَا نَكِيرٍ" (^٦)، ويقول ابن عثيمين: "وعمل الناس عليه قديمًا وحديثًا" (^٧). فالحق لا يغيب عن أمة محمد -ﷺ- قولًا أو عملًا.
_________________
(١) المغني، لابن قدامة ٢/ ٣٣٢.
(٢) انظر: المدونة، للإمام مالك ٣/ ٦٨ - ٦٩، مواهب الجليل، للحطاب ٤/ ٥٣٩ - ٥٤٠.
(٣) انظر: الأم، للشافعي ٣/ ٩٥، المهذب، للشيرازي ٢/ ٧٢.
(٤) انظر: الإنصاف، للمرداوي ٤/ ٣٠٠، كشاف القناع، للبهوتي ٣/ ١٦٥.
(٥) تحفة الفقهاء، للسمرقندي ٢/ ٣٦٢.
(٦) فتح القدير، لابن الهمام ٧/ ١١٥.
(٧) الممتع، لابن عثيمين ١٠/ ٣٤٦.
[ ١٣٨ ]
وهذا الإشكال على رأي من يرى أن الحق في كل واقعة معين، وعلى المجتهد أن يصيبه (^١)، وأن الأمة لا تخلو من مصيب للحق، أما من يرى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ إلا الاجتهاد وأن يقول مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ (^٢)، فلا يَرد عليه هذا الإشكال؛ لأن الأئمة المتقدمين قد أدوا ما كلفوا به حسب اجتهادهم وفق الأصول، وأن الذي خالفهم من المتأخرين قد أدى ما كلف حسب اجتهاده وفق الأصول.
ولا يستطيع أحد منهم أن يجزم بأنه أصاب الحق مالم يكن في الواقعة نص قطعي الدلالة والثبوت أو كان الإجماع قطعيًا فيها، بل كلٌ يقول ما يغلب على ظنه أنه الحق، وقد أقر النبي -ﷺ- الصحابة الذين بعثهم إلى بني قريظة على اجتهادهم في أداء وقت صلاة العصر، مع الاختلاف بين الاجتهادين، فعن ابن عمر -﵁-، قال: "قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا،
_________________
(١) انظر: المستصفى، للغزالي، ص ٣٥٢.
(٢) انظر: المستصفى، للغزالي، ص ٣٥٢.
[ ١٣٩ ]
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ" (^١).
وفي إقراره لهم -ﷺ- على هذا الاختلاف دون بيان أي الطائفتن على الحق دلالة على أن الحق هو أن على كل مجتهد أن يجتهد ويبين ما غلب على ظنه أنه الحق، وأنه لا يكلف أكثر من ذلك، وأما الذين اختلفوا من الفقهاء "أيهما كان أصوب؟ فقالت طائفة: الذين أخروها هم المصيبون، … وقالت طائفة أخرى: بل الذين صلوها في الطريق في وقتها حازوا قصب السبق " (^٢)، فقد أجازوا من حيث لا يقصدون أن يسكت النبي -ﷺ- عن بيان الحق في هذه القضية، وأن يترك الصحابة -﵃- دون أن يبين لهم الحق وقت الحاجة، ومن المقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو سكتوا كما سكت النبي -ﷺ- وصحابته الكرام -﵃- وأقروا الطائفتين على اجتهادهم لكان خيرًا لهم وأقوم.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً، برقم ٩٤٦، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين، برقم ١٧٧٠.
(٢) زاد المعاد، لابن القيم ٣/ ١٣١.
[ ١٤٠ ]