حاصل قياس الدلالة: «الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر؛ لاتحادِ مُؤَثَّرِهِمَا».
ثُمَّ مؤثرهما: إمَّا معنى أو شَبَهُ، فال قياسُ الدَّلالة إليهما، فإذا وَرَدَ: تَوَجَّهَتِ المطالبة بتلازم الأمرين.
مِثَالُهُ: «مَنْ صَحَّ طلاقه: صَحَّ ظِهاره». فيُطالب بالملازمة، فيقول: «المؤثر فيهما واحدٌ، وهو اقتضاءُ كُلِّ منهما للتحريم، والزوج أهل، والزوجة مَحَلَّ، فوُجِدَ المقتضي للنفوذ، والكفر غير مانع؛ إذ لا ممانعة بين الكفر وبين المنكَرِ والزُّورِ»:
* فقد آل إلى المناسب.
* وقد يؤول للمطَّرِدِ والمنعكس، وهو مِنْ الشَّبَهِ، فيقول: «تلازم (^٣) الأثرانِ وجودًا - في المسلم العاقل ـ، ونفيًا - في الصبي -؛ وأيضا (تلازما كذلك) (^٤) في الزوجة والبائن».
_________________
(١) هذا ظاهر الرسم في المخطوط، والأليق بالسياق: (بصاحب).
(٢) انظر: البرهان (٢/ ٨١٠ - ٨١٩)، التحقيق والبيان (٤/ ٤١٠)، تحرير المنقول (ص ٣٢٢).
(٣) في المخطوط (ملازم). ولعل الصواب ما أثبت.
(٤) في المخطوط: (ملازما وكذلك)، والصواب ما أثبت. والمعنى: وأيضا تلازما ثبوتًا ونفيا في الزوجة …
[ ٣٣٥ ]
* وقد يؤول إلى الشَّبَهِ المعتضد بالأمثلة.
ثُمَّ يتصدَّى لصاحب قياس الدلالة أمران:
أحدهما: أنه قَصَّرَ؛ إذ لم يُشِرْ ابتداءً إلى المعنى أو الشَّبَه (^١)، فهو آت ببعض دليل.
الآخرُ: أنَّه (جاء بغير نظم) (^٢) الدليل.
فلذلك يختار الحاذق تقريره بالطَّرد والعكس، ولا يلتجئ إلى المعنى، ولا ينفك الضّدُّ؛ إذ الشَّرط يدلُّ طردًا وعكسا، وقد صدر كلامه به.
فإن قيل: فما فائدة العدلِ به عن مآلِه (^٣)؟
* قلنا: عَدَلَ لِتَقِلَّ المطالبات عليه.
[ولا يرد] (^٤) الفرقُ، فلو فرق الخصم فيه بين الطَّلاقِ والظهار، أحال؛ إذ أحدهما عِلَّةُ الآخر. نعم، نقدح في المناسبة، فنقول: تحريم الظهارِ يُنافي الكفر؛ إذ أثره الكفَّارة - وهي عبادة -، والكافر ليس من أهلها، بخلاف الطَّلاقِ؛ إذ أثره حَلُّ العِصمةِ، والكافر أهل لحلها وعقدها.
ثُمَّ إذا استتب المعنى فيه، فهو أولى من الدلالة فتوى وجدلا؛ غيرَ أَنَّ
_________________
(١) كذا استظهرتها. ورسمها مشتبه في المخطوط.
(٢) في المخطوط: (بالتعرير نظر). والمثبت هو الموافق للسياق.
(٣) كذا استظهرتها.
(٤) محلها بياض في المخطوط مقدار كلمتين أو ثلاث. وكتب الناسخ وسط البياض: (كذا).
[ ٣٣٦ ]
المختار جواز التمسُّكِ بأضعفِ الظَّنَّينِ مطلقا، ومَنَعَه بعض الجدليين إذا تفاوتت الرتبتانِ الظَّنِّيَتَانِ قطعا (^١).
ونعود إلى الترجيح، فنقول: إنَّه ينشأ في أقيسة المعاني من تفاوتِ المراتب - كما تقدَّم -، وقد ينشأ (^٢) من طرق العِليَّةِ: فالمومًا إليها مرجحة على المستنبطة، وذاتُ الأصل مرجحة على الاستدلال، وفي ترجيح الاستدلال على الشَّبَهِ - أو العكس - قولان، والمسألة ظَنِّيَّةٌ.
• مَسْأَلَةٌ (^٣):
الأكثر على الترجيح بالانعكاس، وخُصوصًا على القول باعتباره دليلًا.
والمختار: التفصيل، فنقول:
هو مرجح في الشَّبَهِ جَزمًا؛ لإلحاقه إياه بالمعتضد بالأمثلة.
أما المعنى:
* فقد يشعر مطردًا منعكسا مثل: «مستقل فلا يُولَّى عليه، وغير مستقل فيولى عليه».
_________________
(١) فأما إذا كان تفاوت الرتب مظنونا، فلا يمتنع - وفاقًا - من التمسك بأدنى آحاد الرتب. ن.
(٢) الرسم في المخطوط مشتبه. والمثبت أليق بالسياق.
(٣) انظر: البرهان (٢/ ٨١٩ - ٨٢٢)، المنخول (ص ٤٤٥)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٣٢)، الردود والنقود (٢/ ٧٦٣)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٧٢٢).
[ ٣٣٧ ]
* وقد يُشعر مطَّرِدًا خاصَّةً مثل: «مُسْكِرُ»، فالإشعار بالعكس مزيَّةٌ معنوية، والانعكاس (^١) مزيَّةٌ شَبَهِيَّةٌ:
- فإن تساوى المعنيان فيهما، أو في عدمهما، أو في عدم أحدهما: فالتعارض،
- أو أشار أحدهما بالأمرين، أو بأحدهما: فالترجيح،
- فإن امتاز كُلُّ واحدٍ منهما بواحدٍ؛ ففي ترجيح الإخالة - لأنها معنوية - على (^٢) الانعكاس - لأنَّه شبهي - أو عكس ذلك: خلاف.
هذا إن تعذَّر (^٣) لِعِلَّة خَالَفَتْها (^٤) هى أقوى (^٥)؛ فإن تعذر لتوقيف:
فقيل: يبطل كالمنقوضة،
وقيل: لا؛ لوروده على ضمنها (^٦)، ولولا التوقيف: لجرث.
• مَسْأَلَةٌ (^٧):
إذا تقابلت قاصرة ومتعدية، فالثالث: التعارض.
_________________
(١) إذا لم يشعر المعنى بالعكس أو لم يكن قياس معنى.
(٢) تحرفت في المخطوط إلى: (في).
(٣) أي: الانعكاس.
(٤) في المخطوط: (خلفها).
(٥) من العلة الأولى في الإخالة في العكس.
(٦) تقدم قوله: «خلف العكس ضمني». انظر: (ص ٢٣٢).
(٧) انظر: البرهان (٢/ ٨٢٢ - ٨٢٧)، المنخول (ص ٤٤٥)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٤٠)، الردود والنقود (٢/ ٧٦٣)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٧٢٣).
[ ٣٣٨ ]
والمسألة مبنية على امتناع اجتماعِ العِللِ؛ أما على الوقوع: فالترجيح لغو؛ إذ يقال بهما (^١).
احتج مُرَجِّحُ المتعديَّةِ بإفادتها، ومُرَجِّحُ القاصرة بمطابقة النص لها، (فَالظَّنُّ قوي) (^٢) في مواردها.
رُدَّ الترجيح بالفائدة بأنه أجنبي، وبأنَّ الفائدة بعد التصحيح.
والمختار على التَّنَزُّلِ: ترجيح المتعديَّة؛ لاستجماعها في الفرع شرائط الصِّحَّةِ، فلا تترك لحكمة سنحت (^٣) في الأصل موافقة لا مناقضة، والإجماع الاستقرائي يسترسل على قبولها.
وإنما لم نعتبر الوزن المتعدِّي - واعتبرنا النقدية القاصرة - شَبَهًا ضروريا؛ لبطلان الوزن.
وكذلك اعتبار القاصرة في خيار المعتقة دون المتعدية لبطلانها:
والمختار: أنَّ خيار المعتقة تعبد. ومن أثبته تحتَ [الحُرِّ] (^٤)، زعم أَنَّ زوج بريرة حر.
_________________
(١) أي: بالعلتين في المخطوط: (لهما)، والصواب ما أثبت.
(٢) تحرف الرسم في المخطوط إلى: (فالظاقوي)، أو: (فالظانوي)، أو: (والظانون)؛ والظاهر أن الكلمتين في قوله: (فالظَّنُّ قوي) تداخلتا، والله أعلم.
(٣) في المخطوط: (نسخت). ولعل الصواب ما أثبت.
(٤) أشار الناسخ عند قوله: «تحت»، وكتب على الطرة: «هنا نقص». وما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣٣٩ ]
* فرع مُرَتَّبٌ (^١):
(ترجيح المتعدية يقتضي ترجيح الأكثر) (^٢) فروعًا؛ بطريقتنا في ترجيح المتعدية على القاصرة (^٣).
أما العِلتان المتناقضتان في فرع، الراجعتان إلى أصلين؛ فزيادة (^٤) فروع إحداهما لغو.
* فرع مُرَتَّبٌ (^٥):
إذا امتازت القليلة الفروع بكثرة النظائر، كالوقاع (^٦)؛ فإنَّ فروعه الإيلاج في كُلِّ فرج، وهي أقل من فروع الإفطار الذي هو علة أبي حنيفة، لكنه عند الشافعي أكثر نظائر في الإيجاب، كإيجابهِ الغُسْلَ، وتَقَرُّر (^٧) المهر والإحصان والإحلال.
فقيل: يتقابلان، وهو مُزيَّفٌ؛ فإِنَّ النَّظائر توقيفية أجنبية، والأمثلة العاضدةُ للشَّبَهِ في مثل العقل اليسيرِ مَاسَّةٌ (^٨).
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٨٢٧)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٥٤).
(٢) في المخطوط: (ترجيح ا)، ثم بعدها بياض مقدار ثلاث كلمات. ولعل المثبت هو الموافق للسياق.
(٣) وهي المسألة السابقة.
(٤) في المخطوط: (وزيادة). والصواب ما أثبت.
(٥) انظر: البرهان (٢/ ٨٢٨)، المنخول (ص ٤٤٦ - ٤٤٧)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٥٦).
(٦) في المخطوط (الوقائع). ولعل الصواب ما أثبت.
(٧) رسمها في المخطوط يشبه أن يكون: (ولطرو). ولا يظهر له معنى في هذا السياق، ولعلها محرفة من المثبت؛ وهو أقرب إلى سياق كلام الجويني، ويحتمل أنها محرفة من: (الحد). ففي البرهان: «كالغسل والحدّ ووجوب المهر وتكميله والإحصان والتحليل …».
(٨) أي: قريبة.
[ ٣٤٠ ]
والمختار - لو سلمت عِلَّةُ أبي حنيفة من مناقضة: تقديمها على الوقاع (^١)، (لتَعُمَّ الفِطْرَ) (^٢). ومذهب مالك في إيجاب الكفَّارة بفطر [مُطَّرِد] (^٣)، فَعِلَّتُه مُقَدَّمَةٌ؛ فلو تكلفنا شَبَها ضعيفًا [وادَّعينا أنَّ] (^٤) (للوقاعِ مَزيَّةً يشهد له النُّسُكُ) (^٥): لم يقتض الإنصاف مصادمة عِلَّةٍ مالك - على قُوَّةِ تَعْمِيمِها (^٦) - بذلك (^٧)، والله أعلم.
• فرع مرتب (^٨):
رجح بعضُهم تعليل العِتْقِ [والنفقة بالقرابة البعضيَّة] (^٩) - وإن قلت
_________________
(١) في المخطوط: (الوقائع). ولعل المثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في مطبوعة البرهان.
(٢) في المخطوط: (لعم النظر)، وهو تحريف، ولعل الصواب ما أثبت. ويحتمل أن الصواب: (لنعم) بدل (لِتَعُمَّ). أي: لو سلمت علته من مناقضة في صور لا يراها موجبة للكفارة، لقدمناها على التعليل بالوقاع؛ لتعم العلة الفطر.
(٣) زيادة يقتضيها السياق، ومحلها بياض في المخطوط بمقدار كلمة. والمراد: بفطر معين، وهو الفطر الهاتك.
(٤) زيادة من البرهان يقتضيها السياق، وقد علق الناسخ هنا في الطرة: «هنا بياض في الأصل». يعني الأصل المنقول منه.
(٥) في المخطوط: (للوقائع مزية يشهد لها الشك). ولعل الصواب ما أثبت. قال الأبياري (٤/ ٤٦١): يريد بذلك أنه يظهر تأثير إفساد الصوم في الحج، لا في إفساد، ولا في هدي، وقد ظهر أثر الوطء في ذلك، فكان حكمه في نظر الشرع أغلظ.
(٦) الرسم مشتبه في المخطوط، وما أثبته هو الأليق بالرسم والسياق.
(٧) «وإن تعلقنا بالأشباه، وادعينا أن الوطء يجب أن يكون على مزية، اعتبارًا بالنسك، فهذا شَبَه على بعد في معارضة معنى الهتك، وليس من الإنصاف معارضةُ شَبَةٍ على هذا النعت بمعنى جار في محل النزاع. وإن لم نر تعليل الكفارة، لم يُنتفع بهذا، ما لم نبطل معنى الهتك لمالك، وبالجملة قوله في تعميم الكفارة متجه جدا …». ن.
(٨) انظر: البرهان (٢/ ٨٣٠)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٦٢).
(٩) زيادة يقتضيها السياق، مستفادة من كلام الجويني، ومحلها بياض في المخطوط بمقدار=
[ ٣٤١ ]
فروعها - على التعليل (بالرحم والمحرميَّة) (^١) - وإن كَثُرَتْ فُرُوعُها -؛ إذ البعضيَّةُ تنتظم بلا تأويل، والرَّحم (^٢) والمحرمية (^٣) لا تنتظم.
وهذا ركيك؛ بل هي منتظمة بلا تأويل، ولكن لم يظهر أثر التحريم لفوات المحل.
• مَسْأَلَةٌ (^٤):
الفرع المشبه الأصلين قد يقوَى شَبَهُهُ (^٥) بأحدهما فيغلب؛ كيمين اللجاج.
فالمختار: إلحاقها بالأيمان.
وقيل: إلحاقها باليمين والنَّدْرِ (^٦) أرجح؛ فيُخيَّر صاحبها بين الكفارة والوفاء؛ ليُوَفِّر (^٧) شَبَهَي الأصلين، وهو مردودٌ بأنه ترجيح مذهب، لا عِلَّةٍ؛
_________________
(١) = نصف سطر تقريبا.
(٢) في المخطوط: (بالمحرم والحرمية). والتصويب من «البرهان».
(٣) في المخطوط: (المحرم). والتصويب من «البرهان».
(٤) قوله: (وإن كثرت فروعها، إذ البعضية تنتظم بلا تأويل والمحرم والمحرمية) مكرر في المخطوط.
(٥) انظر: البرهان (٢/ ٨٣١ - ٨٣٣)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٦٣).
(٦) في المخطوط: (تقوى شبهة). ولعل الصواب ما أثبت.
(٧) معًا.
(٨) ظاهر الرسم في المخطوط: (ليود في)، فيحتمل أنها محرفة من: (ليوفي)، أو من: (ليرد في)، والمثبت هو الموافق لتعبير الجويني، وتعبير الأبياري بأكثر من تصريف: (توفير، نوفر)، وهذا يدفع احتمال التصحيف في شرح الأبياري، والله أعلم.
[ ٣٤٢ ]
ثُمَّ هو اقتطاع عنهما، إذ مقتضى كُلِّ منهما اللزوم (^١).
• مَسْأَلَةٌ (^٢):
(قيل: تُرجح الأكثر أصولًا؛ لأنها) (^٣) شواهد؛ فهي كالرواة.
والمختار: أن لا؛ لأنَّ العمدة المناسبة، والأصل: ليؤمن الانحلال، فيكفي (^٤) واحدٌ، بخلافِ الرّواية، فالمعتبر فيها الثَّقَةُ (^٥) والكثرة.
وإنَّما الذي يُناظِر (^٦) كثرة الرواة أن تكثر معاني أحد الخصمين، ولِكُلِّ معنى أصل: فالترجيح له؛ لأنَّها شواهد، فالظَّنُّ بها أقوى. والامتناع من تسميته ترجيحا - لأنها مستقلة - لفظي.
أما كثرة أصولِ الشَّبَهِ فَمُرَبِّحَةٌ؛ لأنَّها العمدة؛ إذ لا مناسبة، كإلحاق الرَّأسِ بالوجه واليدين لئلا يُمسح على العمامة، فهذا الشَّبَه لكثرة أصوله أقوى من إلحاق أحمد (^٧) الرَّأْسَ بالرّجل ليُمسح على العمامة كالخُفّ.
فإن رجحوا بتطرق التخفيف إلى الرَّأْس كالرِّجْلِ، فأجنبي:
_________________
(١) والتخيير مباين للمقتضيين. ن.
(٢) انظر: البرهان (٢/ ٨٣١ - ٨٣٣)، المنخول (ص ٤٤٧)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٦٥).
(٣) في المخطوط: (الفرع المشبه لأصلين قد يقوى شبهه)، وهو خطأ، والظاهر أنه انتقال نظر لصدر المسألة السابقة، ولا يستقيم الكلام به هنا، والمثبت هو الموافق لكلام الجويني.
(٤) كذا استظهرتها، والرسم مشتبه في المخطوط.
(٥) في المخطوط: (البينة)، وهو تحريف، والمثبت هو الموافق لسياق الكلام.
(٦) أي: يماثل.
(٧) في المخطوط: (احد)، والصواب ما أثبت.
[ ٣٤٣ ]
* إذ معنى التخفيف في الرأس الاكتفاء بما لم يوجب الشرع سواه (^١).
* وأيضًا؛ فيعارض بتيسير مسح الرأس والعمامة باقية (^٢)، بخلاف الخُفّ.
* ثُمَّ شَبَهُنَا يقرّر العزيمة، وشَبَهُهُمْ يُرَخّصُ؛ وجولانُ الشَّبَهِ فِي الرُّخَصِ البعيدة عن المعاني الكلية والجزئية بعيد.
• مسألة (^٣):
إذا تعارض قياسان مع أحدهما ظاهر:
فقيل: الظاهرُ حُجَّةٌ، والقياسانِ متساقطانِ.
وقيل: الظاهر ترجيح.
وقيل: إن كان القياس المخالف للظاهر ينهض لتأويله: فالظاهر ساقط.
وهذا مردود؛ فإنَّ القياس لو نَهَضَ، فمعارضته بالقياس الآخرِ تُوهِيهِ.
والمذهبانِ الآخَرانِ متقاربان، والأسد (^٤) جعل الظاهر ترجيحًا، لا دليلا؛ لضعفه بالمعارضة.
_________________
(١) أي: معنى التخفيف في مسح الرأس الاكتفاء به، وعدم إيجاب سواه.
(٢) في المخطوط: (ماقيه).
(٣) انظر: البرهان (٢/ ٨٣٣ - ٨٣٤)، المنخول (ص ٤٤٩)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٦٩).
(٤) في المخطوط: (والأشد). والصواب ما أثبت.
[ ٣٤٤ ]
• مَسْأَلَةٌ (^١):
إذا اعتضد أحد القياسين بمذهب (^٢) صحابي:
* فمَن رآه (^٣) حُجَّةً: قدَّمَ المعتضد؛ لتظافُرِ الحُجَّتِينِ.
* ومن لم يره حُجَّةً: فليس بترجيح، ما لم يكن ذا مزيَّة، كزيد في الفرائض، ومُعَاذٍ في الحلال والحرام، وعَلِيٌّ في القضاء، فمذهبُ كُلِّ فِي فَنَّهِ مُرجح.
ثُمَّ مَذْهَبُ مُعَادٍ في الفرائض أرجح من مذهب علي؛ لأنَّ الفرائض أقرب للحلال والحرام من القضاء؛ إذ خصوصيَّة (^٤): التَّفَطَّنِ لتمييز المحقِّ من المبطل، وأحوال الخصوم، وُجوديَّةٌ: لا شرعيَّةٌ.
ثُمَّ مذهبُ عليّ فيها أرجحُ مِنْ مذهب أبي بكر وعُمَرَ؛ لأنَّ الأمر بالاقتداء بهما أعم من الأحكام؛ لانتظامِ طاعةِ الخلافة بجهته (^٥).
وعلى هذا الترتيب يقع الترجيح، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٨٣٤)، المنخول (ص ٤٥٠)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٧١).
(٢) في المخطوط: (مذهب).
(٣) أي: قول الصحابي.
(٤) في المخطوط: (خصوصيته). ولعل الصواب ما أثبت
(٥) الرسم مشتبه في المخطوط، فيحتمل أن تقرأ (بحهه)، و(نحمه)، و(بحبه)، وقد أثبت ما هو أقرب للرسم.
[ ٣٤٥ ]
• مَسْأَلَةٌ (^١):
إذا كان أصل [إحدى] (^٢) العلتين مجمعًا عليه: ترجَّحتْ، كأصل أبي حنيفة في الأكل؛ فإنَّه (^٣) الوقاع - وهو إجماع ـ، وأَصْلُنا فيه (^٤) ابتلاع الحصاة - وهو خلافي -؛ غير أنَّ عِلَّةَ أبي حنيفة باطلة، إِنَّما الصحيحة التي لا تُصَادَمُ: علَّةُ مالك.
وكذلك أصل التخيير في المعتقة منصوص؛ فإن وجدنا منصوصًا: تساويا (^٥).
الصَّحِيحُ: أَنَّ عِلَّتَهُما (^٦) باطلةٌ، وعِلَّتَنا قاصرة.
• مَسْأَلَةٌ (^٧):
قدموا المفردة (^٨) - بكثرة فروعها وقِلَّةِ الاجتهاد - على المركَّبَةِ.
وهو باطل؛ فقد تكون المفردة أقلَّ فُرُوعًا، بل [رُبَّما قاصرة] (^٩).
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٨٣٦ - ٨٣٧)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٧٩).
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) في المخطوط (بامر)، ولعل الصواب ما أثبت.
(٤) أي: في الأكل أنه لا يوجب الكفارة.
(٥) في البرهان (تفاوتت)، وقال المحقق: «في ت: تقاومت»، وهي الموافقة لما قاله ابن المنير.
(٦) كذا في المخطوط، وكلام الجويني المناظر لهذه العبارة: أنَّ علة أبي حنيفة باطلة، فلعل الصواب: (عِلَّتَه).
(٧) انظر: البرهان (٢/ ٨٣٧ - ٨٣٩)، المنخول (ص ٤٤٦)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٨١).
(٨) أي: ذات وصف واحد.
(٩) زيادة يقتضيها السياق. ومحلها بياض في المخطوط بمقدار كلمتين. قال في البرهان: «فرب عِلَّةٍ ذات وصف لا تكثر فروعها، وربما تكون قاصرةً لا تعدو محل النص …».
[ ٣٤٦ ]
نعم، إن كانتا في أصل - والمفردة عند أحدهما أحد وصفي المركبة عند خصمه (^١)، لزم أن تكون المفردة أكثر فروعًا (^٢)، ويُخرجُ على التعليل بعلتين.
وهذا كقول الشافعي في عِلَّةِ الرِّبَا (^٣)، فالجديد (^٤): «الطَّعْمُ»، والقديم: «الطَّعْمُ والتَّقدير»:
- فإن صحح استقلال الطَّعم: فالتقدير لغو، فيبطل التركيب.
- وإن بطل استقلالُ الطَّعم: فالإبطال غيرُ الترجيح؛
فلا ترجيح البتة.
فإن فُرض في المقدَّرات لكونها أوضح، فقد تقدمت مسائل الفرض (^٥). ودعوى [قِلَّة] (^٦) الاجتهاد [مردودة] (^٧)؛ إذ لا بد لصاحب المفردة من
_________________
(١) هذا القيد استدركه الأبياري (٤/ ٤٨٢، ٤٨٣)، وابن المنير - متابعة له فيما يظهر - على الجويني، حيث إنَّ الجويني أطلق الكلام. لكن القيد يُفهم من كلامه في المثال الذي أورده بعد ذلك بالقولين للشافعي في علة الربا، فهو منطبق عليه.
(٢) إذا كان الوصفان موجودين في أصل واحدٍ، وأحد الخصمين يعلل الحكم بالمجموع، والآخر يعلل بواحد منهما، فيلزم أن يكون الوصف الواحد أكثر فروعًا؛ لأنَّ الحكم يوجد معه في حالة انفراده، وفي حالة اجتماعه.
(٣) في الأشياء الأربعة.
(٤) في المخطوط: (والجديد).
(٥) وإنما أجرينا هذا مثالًا، وإلا فلا ريب في أنَّ الشافعي رأى في القديم الاقتصار على الطعم فاسدا. ن.
(٦) زيادة يقتضيها السياق.
(٧) زيادة يقتضيها السياق.
[ ٣٤٧ ]
النظر في إبطال المركبة؛ فاستويا.
• مَسْأَلَةٌ (^١):
قدموا المثبتة على النافية، والمقرّرَةَ على النافلة (^٢)، والحاضرة على المحللة؛ اعتبارًا بالأخبار (^٣)، وهو في العلل أجنبي؛ لأنَّ عُمدتها الثقة، وهي في غيرِ مَظَانَّ الذُّهولِ أَكَدُ.
نعم، تترجَّح المقرّرة لشهادة الأصل ما لم تَقْوَ (^٤) الأخرى بما يصادِمُ قرار الأصل.
• مَسْأَلَةٌ (^٥):
قَدَّمُوا العِلَّةَ التي هي وصف على التي هي حكم؛ لأنَّ الوصف معلوم حِسًّا، والظَّاهرُ أنَّهم أرادوا الحكم المظنون؛ أما المعلوم إجماعًا فكالوصف المعلومِ حِسًّا، ولا ترجيح في العلوم (^٦).
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٨٣٩ - ٨٤٠)، المنخول (ص ٤٤٩)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٨٥).
(٢) كذا في المخطوط وفي مطبوعة البرهان، ولها وجه؛ لكن التعبير المشهور في كتب الأصول: (الناقلة).
(٣) استشهدوا بخبرين: أحدهما يثبت قول الشارع؛ والآخر ينفيه، فالمثبت أولى لاختصاصه بمزية درك يقدر ذهول النافي عنه. ن.
(٤) في المخطوط: (تقوى).
(٥) انظر: البرهان (٢/ ٨٤٠)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٨٧).
(٦) في المخطوط: (المعلوم). بهذا الضبط، وهو تحريف.
[ ٣٤٨ ]
• مَسْأَلَةٌ (^١):
إذا عَمَّتْ إحدى العِلَّتين الدعوى، ولم تَعُمَّها الأخرى:
فقد قَدَّمُوا العامَّةَ، كتعليلنا منع بيع الكلب بالنجاسة، وتعليل أبي حنيفة جوازه بالانتفاع به، فيخرجُ الجَرْوُ (^٢).
وهذا الترجيح باطل؛ فإنَّ الجرو مُتهيّئ، والمراد بالانتفاع: التَّهَيُّو، فيعم؛ غير أنَّ الانتفاع مناسب منقوض، والنَّجاسة شَبَه سالم، فهي أولى.
_________________
(١) انظر: البرهان (٢/ ٨٤١)، التحقيق والبيان (٤/ ٤٨٨).
(٢) أي: يخرج الجرو من العموم بمقتضى التعليل.
[ ٣٤٩ ]