١١ - وصيته حين مرض الفخر - ﵀ - وأحسن بدنو الاجل أملى وهو في شدة مرضه على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الاصفهاني وصيته وذلك في يوم الاحد الحادي والعشرين من شهر محرم سنة هـ وامتد مرضه بعدها إلى أن توفي.
وقد رأينا أن نذكر هذه الوصية كما ذكرها ابن أبي أصيبعة، لما فيها من العبرة والموعظة..ولاهتمام الكثيرين - من العلماء والمؤرخين - بروايتها وتحليلها وهذا نصها: بسم الله الرحمن الرحيم يقول العبد الراجي رحمة ربه، الواثق بكرم مولاه، محمد بن عمر بن الحسين الرازي، وهو في آخر عهدة بالدنيا، وأول عهده بالاخرة، وهو الوقف الذي يلين فيه كل قاس، ويتوجه إلى مولاه كل آبق: إني أحمد الله - تعالى - بالمحامد التي ذكرها أعظم ملائكته في أشرف أوقات
معارجهم، ونطق بها أعظم أنبيائه في أكمل أوقات مشاهداتهم، بل أقول كل ذلك من نتائج الحدوث والامكان فأحمده بالمحامد التى تستحقها ألوهيته، ويستوجبها كمال ربوبيته، عرفتها أو لم أعرفها، لأنه لا مناسبة للتراب، مع جلال رب الارباب.
وأصلي على الملائكة المقربين، والانبياء المرسلين، وجميع عباد الله الصالحين.
ثم أقول - بعد ذلك -: اعلموا إخواني في الدين، وإخواني في طلب اليقين أن الناس يقولون: الانسان إذا مات انقطع تعلقه عن الخق، وهذا العام مخصوص من وجهين: الأول: أنه إن بقي منه عمل صالح صار ذلك سببا للدعاء، والدعاء له أثر عند الله.
والثاني: ما يتعلق بمصال الاطفال، والاولاد، والعورات، وأداء المظالم والجنايات.
أما الاول: فاعلموا أني كنت رجلا محبا للعلم، فكنت أكتب في كل شئ شيئا لا أقف على كمية وكيفية، سواء كان حقا أو باطلا أو غثا أو سمينا، إلا أن الذي
[ ٦٧ ]
نظرته في الكتب المعتبرة لي: أن هذا العالم المحسوس تحت تدبير مدبر تنزه عن مماثلة المتحيزات والاعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة.
ولقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة، التي وجدتها في القرآن العظيم، لانه يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله - تعالى - ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات وما ذاك إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة، والمناهج الخفية.
فلهذا أقول كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته وبراءته عن الشركاء في القدم والازلية، والتدبير والفعالية فذاك هو الذي أقول به، وألقى الله تعالى
به.
وأما ما انتهى الامر فيه إلى الدقة والغموض فكل ما ورد في القرآن والاخبار الصحيحة المتفقعليها بين الائمة المتبعين للمعنى الواحد فهو كما هو والذي لم يكن كذلك، أقول: يا إله العالمين إني أرى الخلق مطبقين على أنك أكرم الاكرمين، وأرحم الارحمين، فكل ما مر به قلمي، أو خطر ببالي، فأستشهد علمك وأقول: إن علمت مني أني أردت به تحقيق باطل، أو إبطال حق فافعل بى ما أنا أهله، وإن علمت مني أني ما سعيت إلا في تقرير ما اعتقدت أنه هو الق، وتصورت أنه الصدق، فلتكن رحمتك مع قصدي لا مع حاصلي، فذاك جهد المقل، وأنت أكرم من أن تضايق الضعيف الواقع في الزلة فأغثني، وارحمني، واستر زلتي، وامح حوبتي، يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين ولا ينتقص بخطأ المجرمين.
وأقول: ديني متابعة محمد سيد المرسلين، وكتابي هو القرآن العظيم وتعويلي في طلب الدين عليهما.
اللهم يا سامع الاصوات، ويا مجيب الدعوات، ويا مقيل العثرات، ويا راحم العبرات ويا قيام المحدثات والممكنات، أنا كنت حسن الظن بك، عظيم
[ ٦٨ ]
الرجاء في رحمتك، وأنت قلت " أنا عند ظن عبدي بى " وأنت قلت: (أمن يجب المضطر إذا دعاه ") وأنت قلت: (وإذا سألك عبادي عنى فإنى قريب)، فهب: أني ما جئت بشئ فأنت الغني الكريم، وأنا المحتاج اللئيم.
وأعلم: أنه ليس لى أحد سواك، ولا أجد محسنا سواك، وأنا معترف بالزلة والقصور، والعيب والفتور فلا تخيب رجائي، ولا ترد دعائي واجعلني آمنا من عذابك قبل الموت، وعند الموت، وبعد الموت.
وسهل علي سكرات الموت
وخفف عني نزول الموت، ولا تضيق علي بسبب الالام والاسقام فأنت أرحم الراحمين.
وأما الكتب العلمية التي صنفتها، أو استكثرت في إيراد السؤالات على المتقدمين فيها، فمن نظر في شئ منها، فإن طابت له تلك السؤالت فليذكرني في صالح دعائه على سبيل التفضل والانعام، وإلا فليحذف القول بالسئ فإني ما أردت إلا تكثير البحث، وتشحيذ الخاطر، والاعتماد في الكل على الله تعالى.
وأما المهم الثاني وهو: إصلاح أمر الاطفال والعورات، فألاعتماد فيه على الله - تعالى - ثم على نائب الله " محمد " - اللهم اجعله قرين محمد الاكبر في الدين والعلو، إلا أن السلطان الاعظم لا يمكنه أن يشتغل بإصلاح مهمات الاطفال فرأيت الاولى: أن أفوض وصاية أولادي إلى فلان، وأمرته بتقوى الله - تعالى - (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) .
[ ٦٩ ]