هُوَ فِي مُجَلد تأليف الإِمَام موفق الدّين الْمَقْدِسِي وَقَالَ فِي خطبَته اجتهدت فِي جمعه وترتيبه وإيجازه وتقريبه وسطا بَين الْقصير والطويل وجامعا لأكْثر الْأَحْكَام عرية عَن الدَّلِيل وَالتَّعْلِيل انْتهى
وَذَلِكَ أَن موفق الدّين رَاعى فِي مؤلفاته أَربع طَبَقَات فصنف
[ ٤٣٣ ]
الْعُمْدَة للمبتدئين ثمَّ ألف الْمقنع لمن ارْتقى عَن درجتهم وَلم يصل إِلَى دَرَجَة المتوسطين فَلذَلِك جعله عريا عَن الدَّلِيل وَالتَّعْلِيل غير أَنه يذكر الرِّوَايَات عَن الإِمَام ليجعل لقارئه مجالا إِلَى كد ذهنه ليتمرن على التَّصْحِيح ثمَّ صنف المتوسطين الْكَافِي وَذكر فِيهِ كثيرا من الْأَدِلَّة لتسمو نفس قارئه إِلَى دَرَجَة الِاجْتِهَاد فِي الْمَذْهَب حينما يرى الْأَدِلَّة وترتفع نَفسه إِلَى مناقشتها وَلم يَجْعَلهَا قَضِيَّة مسلمة ثمَّ ألف الْمُغنِي لمن ارْتقى دَرَجَة عَن المتوسطين وَهُنَاكَ يطلع قارئه على الرِّوَايَات وعَلى خلاف الْأَئِمَّة وعَلى كثير من أدلتهم وعَلى مَا لَهُم وَمَا عَلَيْهِم من الْأَخْذ وَالرَّدّ فَمن كَانَ فَقِيه النَّفس حِينَئِذٍ مرن نَفسه على السمو إِلَى الِاجْتِهَاد الْمُطلق إِن كَانَ أَهلا لذَلِك وتوفرت فِيهِ شُرُوطه وَإِلَّا بَقِي على أَخذه بالتقليد فَهَذِهِ هِيَ مَقَاصِد ذَلِك الإِمَام فِي مؤلفاته الْأَرْبَع وَذَلِكَ ظَاهر من مسالكه لمن تدبرها بل هِيَ مَقَاصِد أَئِمَّتنَا الْكِبَار كَأبي يعلى وَابْن عقيل وَابْن حَامِد وَغَيرهم قدس الله أَرْوَاحهم
وَاعْلَم أَن لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَة متون حازت اشتهارا أَيّمَا اشتهار أَولهَا مُخْتَصر الْخرقِيّ فَإِن شهرته عِنْد الْمُتَقَدِّمين سَارَتْ مشرقا ومغربا إِلَى أَن ألف الْمُوفق كِتَابه الْمقنع فاشتهر عِنْد عُلَمَاء الْمَذْهَب قَرِيبا من اشتهار الْخرقِيّ إِلَى عصر التسْعمائَة حَيْثُ ألف القَاضِي علاءالدين المرداوي التَّنْقِيح المشبع ثمَّ جَاءَ بعده تَقِيّ الدّين أَحْمد ابْن النجار الشهير بالفتوحي فَجمع الْمقنع مَعَ التَّنْقِيح فِي كتاب سَمَّاهُ مُنْتَهى الإرادات فِي جمع الْمقنع مَعَ التَّنْقِيح وزيادات فعكف النَّاس عَلَيْهِ وهجروا مَا سواهُ من كتب الْمُتَقَدِّمين كسلا مِنْهُم ونسيانا لمقاصد عُلَمَاء هَذَا الْمَذْهَب الَّتِي ذَكرنَاهَا آنِفا وَكَذَلِكَ الشَّيْخ مُوسَى الحجاوي ألف كِتَابه الْإِقْنَاع وحذا بِهِ
[ ٤٣٤ ]
حَذْو صَاحب الْمُسْتَوْعب بل أَخذ مُعظم كِتَابه وَمن الْمُحَرر وَالْفُرُوع وَالْمقنع وَجعله على قَول وَاحِد فَصَارَ معول الْمُتَأَخِّرين على هذَيْن الْكِتَابَيْنِ وعَلى شرحيهما
وَلما عكف النَّاس على الْمقنع أَخذ الْعلمَاء فِي شَرحه فَأول شَارِح لَهُ الإِمَام عبد الرَّحْمَن ابْن الإِمَام أبي عمر مُحَمَّد بن أَحْمد بن قدامَة الْمَقْدِسِي فَإِنَّهُ شَرحه شرحا وافيا سَمَّاهُ بالشافي وَقَالَ فِي خطبَته اعتمدت فِي جمعه على كتاب الْمُغنِي وَذكرت فِيهِ من غَيره مَا لم أَجِدهُ فِيهِ من الْفُرُوع وَالْوُجُوه وَالرِّوَايَات وَلم أترك من كتاب الْمُغنِي إِلَّا شَيْئا يَسِيرا من الْأَدِلَّة وغزوت من الْأَحَادِيث مَا لم يغز مِمَّا أمكنني غَزوه هَذَا كَلَامه وَبِالْجُمْلَةِ فطريقته فِيهِ أَنه يذكر الْمَسْأَلَة من الْمقنع فيجعلها كالترجمة ثمَّ يذكر مَذْهَب الْمُوَافق فِيهَا والمخالف لَهَا وَيذكر مَا لكل من دَلِيله ثمَّ يسْتَدلّ ويعلل للمختار ويزيف دَلِيل الْمُخَالف فمسلكه مَسْلَك الِاجْتِهَاد إِلَّا أَنه اجْتِهَاد مُقَيّد فِي مَذْهَب أَحْمد
ثمَّ شَرحه القَاضِي برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْأَكْمَل بن عبد الله بن مُحَمَّد بن مُفْلِح الْمُتَوفَّى سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وَشَرحه فِي أَربع مجلدات ضخام مزج الْمَتْن بالشرح وَلم يتَعَرَّض بِهِ لمذاهب الْمُخَالفين إِلَّا نَادرا وَمَال فِيهِ إِلَى التَّحْقِيق وَضم الْفُرُوع سالكا مَسْلَك الْمُجْتَهدين فِي الْمَذْهَب فَهُوَ أَنْفَع شُرُوح الْمقنع للمتوسطين وعَلى طَرِيقَته سرى شَارِح الْإِقْنَاع وَمِنْه يستمد وَرَأَيْت من شروحه أَيْضا الممتع شرح الْمقنع لسيف الدّين أبي البركات ابْن المنجا الْمُتَقَدّم ذكره
قَالَ فِي خطبَته أَحْبَبْت أَن أشرح الْمقنع وَأبين مُرَاده وأوضحه وأذكر دَلِيل كل حكم وأصححه
[ ٤٣٥ ]
وطريقته أَنه يذكر الْمَسْأَلَة من الْمُغنِي وَيبين دليلها ويحقق الْمسَائِل وَالرِّوَايَات وَلم يتَعَرَّض لغير مَذْهَب الإِمَام ثمَّ لما انحطت الهمم عَن طلب الدَّلِيل وغاض نهر الِاشْتِغَال بِالْخِلَافِ وأكب النَّاس على التَّقْلِيد البحت وكادت كتب الْمُتَقَدِّمين ومسالكهم أَن تذْهب أدراج الرِّيَاح انتصب لنصرة هَذَا الْمَذْهَب وَضم شَمله الْعَلامَة الْفَاضِل القَاضِي علاءالدين عَليّ ابْن سُلَيْمَان السَّعْدِيّ المرداوي ثمَّ الصَّالِحِي فَوجدَ أهل زَمَنه قد أَكَبُّوا على الْمقنع فألف عَلَيْهِ شبه شرح سَمَاء بالإنصاف فِي معرفَة الرَّاجِح من الْخلاف وطريقته فِيهِ أَنه يذكر فِي الْمَسْأَلَة أَقْوَال الْأَصْحَاب ثمَّ يَجْعَل الْمُخْتَار مَا قَالَه الْأَكْثَر مِنْهُم سالكا فِي ذَلِك مَسْلَك ابْن قَاضِي عجلون فِي تَصْحِيحه لمنهاج النَّوَوِيّ وَغَيره من كتب التَّصْحِيح فَصَارَ كِتَابه مغنيا للمقلد عَن سَائِر كتب الْمَذْهَب ثمَّ اقتضب مِنْهُ كِتَابه الْمُسَمّى بالتنقيح المشبع فِي تَحْرِير أَحْكَام الْمقنع فصحح فِيهِ الرِّوَايَات الْمُطلقَة فِي الْمقنع وَمَا أطلق فِيهِ من الْوَجْهَيْنِ أَو الْأَوْجه وَقيد مَا أخل بِهِ من الشُّرُوط وَفسّر مَا أبهم فِيهِ من حكم أَو لفظ وَاسْتثنى من عُمُومه مَا هُوَ مُسْتَثْنى على الْمَذْهَب حَتَّى خَصَائِص النَّبِي ﷺ وَقيد مَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِمَّا فِيهِ إِطْلَاقه وَيحمل على بعض فروعه مَا هُوَ مُرْتَبِط بهَا وَزَاد مسَائِل محررة مصححة فَصَارَ كِتَابه تَصْحِيحا لغالب كتب الْمَذْهَب وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْفَاضِل يَلِيق بِأَن يُطلق عَلَيْهِ مُجَدد مَذْهَب أَحْمد فِي الْأُصُول وَالْفُرُوع وَقد انتدب لشرح لُغَات الْمقنع الْعَلامَة اللّغَوِيّ مُحَمَّد ابْن أبي الْفَتْح البعلي فألف فِي هَذَا النَّوْع كِتَابه المطلع على أَبْوَاب الْمقنع
[ ٤٣٦ ]
فأجاد فِي مبَاحث اللُّغَة وَنقل فِي كِتَابه فَوَائِد مِنْهَا دلّت على رسوخ قدمه فِي اللُّغَة وَالْأَدب وَكَثِيرًا مَا يذكر فِيهِ مقَالا لشيخه الإِمَام مُحَمَّد بن مَالك الْمَشْهُور ورتب كِتَابه على أَبْوَاب الْمقنع ثمَّ ذيله بتراجم مَا ذكر فِي الْمقنع من الْأَعْلَام فجَاء كِتَابه غَايَة فِي الْجَوْدَة وَوَقع فِي طرة نُسْخَة الْمقنع المطبوعة بِمصْر
إِن المطلع شرح الْمقنع وَهُوَ سَهْو وَالْحق أَنه شرح للغاته فدرجته كدرجة الْمغرب للحنفية والمصباح للشَّافِعِيَّة وَاخْتصرَ الْمقنع الشَّيْخ مُوسَى الحجاوي كَمَا سَيَأْتِي