ِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى تَمْهِيدٍ وَمَسَائِلَ خَمْس عَشْرَةَ: أَمَّا التَّمْهِيدُ فَإِنَّ أَقْسَامَ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ لِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ خَمْسَةٌ: الْوَاجِبُ وَالْمَحْظُورُ وَالْمُبَاحُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمَكْرُوهُ. وَوَجْهُ هَذِهِ الْقِسْمَةِ أَنَّ خِطَابَ الشَّرْعِ إمَّا أَنْ يَرِدَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ
[ ٥٢ ]
أَوْ اقْتِضَاءِ التَّرْكِ أَوْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فَإِنْ وَرَدَ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ فَهُوَ أَمْرٌ، فَإِمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الْإِشْعَارُ بِعِقَابٍ عَلَى التَّرْكِ فَيَكُونَ وَاجِبًا أَوْ لَا يَقْتَرِنَ فَيَكُونَ نَدْبًا.
وَاَلَّذِي وَرَدَ بِاقْتِضَاءِ التَّرْكِ، فَإِنْ أَشْعَرَ بِالْعِقَابِ عَلَى الْفِعْلِ فَحَظْرٌ وَإِلَّا فَكَرَاهِيَةٌ، وَإِنْ وَرَدَ بِالتَّخْيِيرِ فَهُوَ مُبَاحٌ. وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ حَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الرَّسْمِ؛ فَأَمَّا حَدُّ الْوَاجِبِ فَقَدْ ذَكَرنَا طَرَفًا مِنْهُ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ؛ نَذْكُر الْآنَ مَا قِيلَ فِيهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إنَّهُ الَّذِي يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ قَدْ يُعْفَى عَنْ الْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِهِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ نَاجِزٌ وَالْعِقَابَ مُنْتَظَرٌ. وَقِيلَ: مَا تُوُعِّدَ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ. فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ تَوَعَّدَ لَوَجَبَ تَحْقِيقُ الْوَعِيدِ، فَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى صِدْقٌ وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ وَلَا يُعَاقَبَ. وَقِيلَ: مَا يُخَافُ الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ. وَذَلِكَ يَبْطُلُ بِالْمَشْكُوكِ فِي تَحْرِيمِهِ وَوُجُوبِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَيُخَافُ الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: - ﵀ - الْأَوْلَى فِي حَدِّهِ أَنْ يُقَالَ هُوَ الَّذِي يُذَمُّ تَارِكُهُ وَيُلَامُ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا؛ لِأَنَّ الذَّمَّ أَمْرٌ نَاجِزٌ وَالْعُقُوبَةَ مَشْكُوكٌ فِيهَا. وَقَوْلُهُ " بِوَجْهٍ مَا " قَصَدَ أَنْ يَشْمَلَ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ، فَإِنَّهُ يُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ بَدَلِهِ وَالْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ فَإِنَّهُ يُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ تَرْكِ الْعَزْمِ عَلَى امْتِثَالِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ؟ قُلْنَا: لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَهُمَا بَلْ هُمَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ كَالْحَتْمِ وَاللَّازِمِ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ اصْطَلَحُوا عَلَى تَخْصِيصِ اسْمِ الْفَرْضِ بِمَا يُقْطَعُ بِوُجُوبِهِ وَتَخْصِيصِ اسْمِ الْوَاجِبِ بِمَا لَا يُدْرَك إلَّا ظَنًّا، وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ انْقِسَامَ الْوَاجِبِ إلَى مَقْطُوعٍ وَمَظْنُونٍ وَلَا حَجْرَ فِي الِاصْطِلَاحَاتِ بَعْدَ فَهْمِ الْمَعَانِي. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي لَوْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا شَيْئًا وَلَمْ يَتَوَعَّدْ بِعِقَابٍ عَلَى تَرْكِهِ لَوَجَبَ، فَالْوُجُوبُ إنَّمَا هُوَ بِإِيجَابِهِ لَا بِالْعِقَابِ.
وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا اسْتَوَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ فِي حَقِّنَا فَلَا مَعْنَى لِوَصْفِهِ بِالْوُجُوبِ، إذْ لَا نَعْقِلُ وُجُوبًا إلَّا أَنْ يَتَرَجَّحَ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ بِالْإِضَافَةِ إلَى أَغْرَاضِنَا، فَإِذَا انْتَفَى التَّرْجِيحُ فَلَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ أَصْلًا، وَإِذَا عَرَفْتَ حَدَّ الْوَاجِبِ فَالْمَحْظُورُ فِي مُقَابَلَتِهِ وَلَا يَخْفَى حَدُّهُ. وَأَمَّا حَدُّ الْمُبَاحِ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: مَا كَانَ تَرْكُهُ وَفِعْلُهُ سِيَّيْنِ، وَيَبْطُلُ بِفِعْلِ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ وَالْبَهِيمَةِ، وَيَبْطُلُ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَثِيرٌ مِنْ أَفْعَالِهِ يُسَاوِي التَّرْكَ فِي حَقِّنَا وَهُمَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَبَدًا سِيَّانِ، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ تُسَاوِي التَّرْكَ وَلَا يُسَمَّى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مُبَاحًا، بَلْ حَدُّهُ أَنَّهُ الَّذِي وَرَدَ الْإِذْنُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِفِعْلِهِ وَتَرْكِهِ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِذَمِّ فَاعِلِهِ وَمَدْحِهِ وَلَا بِذَمِّ تَارِكِهِ وَمَدْحِهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُحَدَّ بِأَنَّهُ الَّذِي عَرَّفَ الشَّرْعُ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ وَلَا فِعْلِهِ وَلَا نَفْعَ مِنْ حَيْثُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ؛ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا تَرَكَ الْمُبَاحَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنَّهُ يَتَضَرَّرُ لَا مِنْ حَيْثُ تَرْكُ الْمُبَاحِ بَلْ مِنْ حَيْثُ ارْتِكَابُ الْمَعْصِيَةِ. وَأَمَّا حَدُّ النَّدْبِ فَقِيلَ فِيهِ: إنَّهُ الَّذِي فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ مِنْ غَيْرِ ذَمٍّ يَلْحَقُ بِتَرْكِهِ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ اللَّذَّةِ وَبَقَاءِ الْحَيَاةِ. قَالَتْ الْقَدَرِيَّةُ: هُوَ الَّذِي إذَا فَعَلَهُ فَاعِلُهُ اسْتَحَقَّ الْمَدْحَ وَلَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ بِتَرْكِهِ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَدْبًا مَعَ أَنَّهُ يُمْدَحُ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ وَلَا يُذَمُّ، فَالْأَصَحُّ فِي حَدِّهِ أَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِهِ الَّذِي لَا يَلْحَقُ الذَّمُّ بِتَرْكِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى بَدَلٍ احْتِرَازًا عَنْ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْمُوَسَّعِ.
وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَهُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ مَعَانٍ
أَحَدِهَا: الْمَحْظُورُ، فَكَثِيرًا مَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ - ﵀ - " وَأَكْرَهُ كَذَا "
[ ٥٣ ]
وَهُوَ يُرِيدُ التَّحْرِيمَ
الثَّانِي: مَا نُهِيَ عَنْهُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ، وَهُوَ الَّذِي أَشْعَرَ بِأَنَّ تَرْكَهُ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عِقَابٌ كَمَا أَنَّ النَّدْبَ هُوَ الَّذِي أَشْعَرَ بِأَنَّ فِعْلَهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ
الثَّالِثِ: تَرْكُ مَا هُوَ الْأَوْلَى وَإِنْ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ، كَتَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى مَثَلًا لَا لِنَهْيٍ وَرَدَ عَنْهُ وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ فَضْلِهِ وَثَوَابِهِ قِيلَ: فِيهِ إنَّهُ مَكْرُوهٌ تَرْكُهُ.
الرَّابِعِ: مَا وَقَعَتْ الرِّيبَةُ وَالشُّبْهَةُ فِي تَحْرِيمِهِ كَلَحْمِ السَّبُعِ وَقَلِيلِ النَّبِيذِ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى تَحْرِيمِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَمَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى حِلِّهِ فَلَا مَعْنَى لِلْكَرَاهِيَةِ فِيهِ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ شُبْهَةِ الْخَصْمِ حَزَازَةٌ فِي نَفْسِهِ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ فَقَدْ قَالَ - ﷺ -: «الْإِثْمُ حَزَّازُ الْقَلْبِ» فَلَا يَقْبُحُ إطْلَاقُ لَفْظِ الْكَرَاهَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ خَوْفِ التَّحْرِيمِ وَإِنْ كَانَ غَالِبُ الظَّنِّ الْحِلَّ.
وَيَتَّجِهُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، فَأَمَّا مَنْ صَوَّبَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فَالْحِلُّ عِنْدَهُ مَقْطُوعٌ بِهِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْحِلُّ. وَإِذْ فَرَغْنَا مِنْ تَمْهِيدِ الْأَقْسَامِ فَلْنَذْكُرْ الْمَسَائِلَ الْمُتَشَعِّبَةَ عَنْهَا.