لغة:
الفقه لغة: الفهم. سواء أكان لما ظهر وبان، أو لما دق وخفي، والدليل على ذلك مجيئه في الشرع مرادا به مطلق الفهم كما في قوله تعالى: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي) [طه: ٢٧، ٢٨] فقوله: (قَوْلِي) معرف بالإضافة فيشمل ما ظهر وما خفي من قوله (١)، وقوله الله تعالى: (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النساء: ٧٨]، (وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء: ٤٤]، (مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ) [هود: ٩١]، أي: لا يكادون يفهمون، ولكن لا تفهمون، وما نفهم كثيرًا مما تقول. وأما من قيده بالفهم الدقيق، وعلله بأنه يقال: فقهت معنى الكلام وفهمته، ولا يقال: فقهت السماء والأرض، وهذا مردود بما قاله أئمة اللغة: إن الفقه هو مطلق الفهم، وامتناع قولهم فقهت السماء والأرض إنما هو من ناحية أن الفقه يتعلق بالمعاني
لا بالمحسوسات، والسماء والأرض من قبيل المحسوسات (٢).
تعريف الفقه اصطلاحا:
الفقه اصطلاحا هو: (الأحكام الشرعية العملية المكتسبة بأدلتها التفصيلية).
والمراد بقولنا:" الأحكام الشرعية " الأحكام المتلقاة من الشرع كالوجوب والتحريم
_________________
(١) انظر: شرح الشيخ أحمد الحازمي على قواعد الأصول.
(٢) انظر: التقرير والتحبير (١/ ٢٧).
[ ٦ ]
، فخرج به الأحكام العقلية كمعرفة أن الكل أكبر من الجزء والأحكام العادية كمعرفة نزول الطل في الليلية الشاتية إذا كان الجو صحوًا، والأحكام الوضعية كمعرفة أن كان وأخواتها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، ويخرج أيضا الأحكام الحسية كالعلم أن النار محرقة، وأيضا يخرج الأحكام التجريبية (الثابتة بالتجربة) كالعلم بأن السم قاتل وقد تتداخل هذه الأحكام إلا أن الغرض بيان معنى الشرعية وهو خلاف كل ما سبق.
والمراد بقولنا: " العملية " المتعلقة بعمل المكلف كالصلاة والزكاة، والصوم، والبيع فخرج به ما يتعلق بالاعتقاد (وتسمى العلمية) كتوحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته فلا يسمى ذلك فقهًا في الاصطلاح، ويخرج أيضا علم التصوف أو السلوك كحرمة الكذب والغيبة ووجوب الصدق، وهكذا فهذا في الاصطلاح لا يدخل في الفقه، ولم يدونه غالب الفقهاء في كتب الفقه.
والمراد بقولنا: "المكتسبة" أي: المستنبطة عن طريق النظر والاستدلال ليخرج علم الله عزوجل فهو علم لازم لذاته لم يكتسبه.
وليخرج علم الرسول - ﷺ - فهو علم مستفاد من الوحي غير مكتسب عن طريق النظر والاستدلال.
ويخرج علم الملائكة فهو علم مستفاد من وحي الله إليهم، أو عن طريق النظر في اللوح المحفوظ، أو غير ذلك، فهو غير مكتسب عن طريق النظر والاستدلال.
ويخرج أيضا علم المقلد؛ لأنه لم يكتسبه عن طريق النظر والاستدلال.
والمراد بقولنا: "بأدلتها التفصيلية " أدلة الفقه المقرونة بمسائل الفقه التفصيلية
فخرج به أصول الفقه لأن البحث فيه إنما يكون في أدلة الفقه الإجمالية. والأدلة التفصيلية وهي الجزئية كقوله تعالى (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) [الإسراء: ٣٢] فهذا دليل جزئي يخص مسألة واحدة معينة وهي الزني ويبين حكمها وهو تحريم الزنى.
وأما الأدلة الإجمالية فهي كالقواعد الكلية ويندرج تحت كل واحدة منها أحكاما كثيرة وسوف يأتي بإذن الله الكلام عنها قريبا.
تنبيه - الفقه هو نفس الأحكام لا معرفتها ولا العلم بها:
عرف البعض الفقه بأنه: معرفة، والبعض بأنه: العلم بالأحكام الشرعية العملية
[ ٧ ]
المكتسبة بأدلتها التفصيلية. والصواب تعريف الفقه بأنه نفس الأحكام لا معرفتها ولا العلم بها؛ لأن الأحكام الثابتة في نفسها تسمى فقها سواء وجد من يعرفها أو لم يوجد فالمعرفة ليست هي الفقه.
قال المرداوي في "التحبير" (١/ ١٦٣) وهو يستعرض الأقوال في تعرف الفقه: (القول الثاني -: إنه نفس الأحكام الشرعية الفرعية، وهو أظهر، واختاره ابن مفلح، وابن قاضي الجبل، والعسقلاني شارح ' الطوفي '، وجمع كثير، لا معرفتها ولا العلم بها، إذ العلم أو المعرفة بالفقه غير الفقه، فلا يكون داخلًا في ماهيته (١)، وما ليس داخلًا في الماهية لا يكون جنسًا في حده).