أدخل الكلام عن الواجب الأول على المكلف في علم أصول الفقه في موضعين:
الموضع الأول (^١): لما تكلموا عن موضوع أصول الفقه - وهو الدليل الشرعي - فاستطردوا في ذكر معنى الدليل، إلى أن تكلموا عن النظر وإفادته العلمَ، ومنه النظر المُعَرِّف لوجود الله تعالى، الذي عند أكثر المتكلمين الأصوليين أول واجب على المكلف.
وأما الموضع الثاني (^٢): فلما تكلموا عن الاجتهاد والتقليد، فرَّعوا الكلام عن التقليد في أصول الدين، ومنه معرفة وجود الله.
ومذهب أهل السنة والجماعة هو أن أول واجب: شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ (^٣).
ومن الأدلة على ذلك: قول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ لما بعثه إلى اليمن:
_________________
(١) انظر على سبيل المثال: المستصفى للغزالي (١/ ٨٧)، والمحصول للرازي (١/ ٨٧)، والإحكام للآمدي (١/ ١٠ - ١١)، والبحر المحيط للزركشي (١/ ٧٠)، وفواتح الرحموت (١/ ٤٤)، وشرح الكوكب المنير (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
(٢) انظر على سبيل المثال: البرهان للجويني (٢/ ٧٤٣)، والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (٢/ ٦٦)، وشرح تنقيح الفصول للقرافي (ص ١٩٠)، البحر المحيط للزركشي (٨/ ٣٢٤).
(٣) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ١١).
[ ١٧ ]
(فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله) (^١).
وهو نص في أن الشهادتين أول واجب على المكلف.
وقال ابن القيم: «أجمع المسلمون على أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد دخل في الإسلام» (^٢). وهذا يدل على أن ذلك أول الواجبات.
وذهب المتكلمون إلى أن أول واجب هو: المعرفة، وقيل: النظر، وقيل: القصد، وقيل: الشك.
وقيل: إن المعرفة واجبة قصدًا، والنظر واجب لكونه وسيلة قريبة إلى المعرفة، والقصد إلى النظر واجب لأنه وسيلة أبعد إلى المعرفة (^٣)، ويعدُّ هذا قولًا، والقول الآخر هو أن أول واجب هو الشك.
وقد اتفقوا على أن معرفة الله غير ضرورية، ولذلك فهم كلهم قد أوجبوا النظر، على خلاف بينهم في المراد بالوجوب والنظر، وذكروا أن مقابل النظر هو التقليد.
كما أنهم اتفقوا على أن الإيمان بالله ورسوله يعد الواجب الثاني (^٤).
_________________
(١) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، برقم (٢٥)، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله برقم (٢١)، واللفظ له.
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٤٢١).
(٣) انظر زيادة عليه: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٥٣)، المواقف للإيجي (ص ٣٢)، شرح المقاصد للتفتازاني (١/ ٢٧٢).
(٤) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به للقاضي الباقلاني (ص ٣٣).
[ ١٨ ]