اعْلَم أَنه لما وَجب رد الْخَبَر إِذا كَانَ الرَّاوِي غير عدل وَجب أَن نذْكر مَا الْعدْل وَمَا الْعَدَالَة ثمَّ نذْكر الدّلَالَة على اشْتِرَاط الْعَدَالَة فِي الْأَخْبَار
أما الْعدْل والعدلة فهما فِي اللُّغَة مصدر مُقَابل الْجور وَهُوَ إيضاف الْغَيْر بِفعل مَا يجب لَهُ وَيسْتَحق عَلَيْهِ وَترك مَا لَا يجب عَلَيْهِ وَلِهَذَا وصف الْعقَاب بِأَنَّهُ عدل لما كَانَ مُسْتَحقّا على المعاقب ويوصف ترك الزِّيَادَة عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عدل ويوصف الثَّوَاب بِأَنَّهُ عدل لما كَانَ وَاجِبا للمثاب فان قيل فَيجب إِذا لم يجب على الْإِنْسَان حق لغيره وَكَانَ مَا يسْتَحقّهُ على غَيره لَا يَسْتَوْفِيه أَن يُوصف بِأَنَّهُ غير عدل قيل لَا يجوز ذَلِك لِأَن قَوْلنَا غير عدل يُطلق على الجائر وَإِطْلَاق هَذَا الْوَصْف على مَا ذكره السَّائِل يُوهم أَنه جَائِر
[ ٢ / ١٣٣ ]
وَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَن الْعدْل هُوَ فعل حسن يتَعَدَّى الْفَاعِل إِلَى غَيره بنفعه أَو بضرره وَقد الْتزم على ذَلِك أَن يكون الِابْتِدَاء بالتفضل عدلا قَالَ وَلذَلِك يُقَال إِن الله سُبْحَانَهُ عدل بابتداء الْخلق فِي الدُّنْيَا وَقد تعورف اسْتِعْمَال الْعدْل فِي المستكثر من فعل الْعدْل وَلذَلِك يُوصف الله سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ عدل وتعورف اسْتِعْمَاله أَيْضا فِيمَن أهل لقبُول شَهَادَته وَيدخل فِي ذَلِك الْحُرِّيَّة وَغَيرهَا وتعورف أَيْضا فِيمَا تقبل رِوَايَته عَن النَّبِي ﵇ وَهُوَ من اجْتنب الْكَبَائِر وَالْكذب والمسخفات من الْمعاصِي والمباحات وَلَا خلاف فِي اعْتِبَار هَذِه الْأُمُور فِيمَن يروي الْخَبَر لِأَن خلاف ذَلِك يقْدَح فِي الثِّقَة لقَوْله لِأَن من تقدم على الْكَذِب لَا يُؤمن مِنْهُ الْكَذِب فِي كل مَا يخبر بِهِ وَمن تقدم على الْفسق وَهُوَ يعْتَقد انه فسق لَا يُؤمن مِنْهُ الْإِقْدَام على الْكَذِب فِي حَدِيثه وَمن تقدم على المسخفات كالتطفيف وكالأكل على الطَّرِيق وَإِن اثمر النَّقْص لَا يُؤمن مِنْهُ الْكَذِب وَإِن أثمر عِنْده النَّقْص والمشارطة على أَخذ الاجرة على الحَدِيث فَهُوَ ابلغ فِي الدناءة من الْأكل على الطَّرِيق وَهُوَ جَار مجْرى اشْتِرَاط الاجرة على صَلَاة النَّافِلَة
وَأما الْفسق فِي الاعتقادات إِذا كَانَ صَاحبه متحرجا فِي افعاله فَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ابي على وابي هَاشم أَنه يمْنَع من قبُول الحَدِيث لِأَن الْفسق فِي أَفعَال الْجَوَارِح يمْنَع من قبُول الحَدِيث لكَونه فسقا لَا لِأَنَّهُ من افعال الْجَوَارِح لِأَن الْمُبَاحَات من أَفعَال الْجَوَارِح لَا تمنع من قبُول الحَدِيث وَهَذِه الْعلَّة قَائِمَة فِي الاعتقالات إِذا كَانَت فسقا وَالْجَوَاب إِن الْفسق من أَفعَال الْجَوَارِح إِنَّمَا منع من قبُول الحَدِيث لِأَن فَاعله فعله وَهُوَ يعلم أَنه فسق فقدح ذَلِك فِي الظَّن لصدقه وَلم يُؤمن أَن يقدم على الْكَذِب وَإِن علم أَنه مَحْظُور وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا اعْتقد اعتقادا هُوَ فسق وَقد اشْتبهَ عَلَيْهِ وَهُوَ متحرج فِي أَفعاله
إِن قيل أَلَيْسَ لَو فسق وَهُوَ يعلم أَنه فسق لم يقبل حَدِيثه فَكيف يقبل إِذا ضم إِلَى فسقه خَطِيئَة أُخْرَى وَهِي اعْتِقَاده أَن ذَلِك غير فسق قيل إِنَّه إِذا
[ ٢ / ١٣٤ ]
لم يعْتَقد أَنه فسق لم يقْدَح ذَلِك تحريجه وتنزهه عَن الْكَذِب وَلَيْسَ كَذَلِك إِذا اعْتقد أَنه فسق
وَعند جلّ الْفُقَهَاء أَن الْفسق فِي الِاعْتِقَاد لَا يمْنَع من قبُول الحَدِيث لِأَن من تقدم قد قبل بَعضهم حَدِيث بعض بعد الْفرْقَة وَقبل التابعون رِوَايَة الْفَرِيقَيْنِ من السّلف وَلِأَن الظَّن يقوى بِصدق من هَذِه سَبيله إِذا كَانَ متحرجا فَأَما الْكفْر الَّذِي يخرج بِهِ الْإِسْلَام من جملَة الْإِسْلَام وَأهل الْقبْلَة كاليهودية والنصرانية فانه يمْنَع من قبُول الْخَبَر للاجماع على ذَلِك وَلِأَن الْخَارِج من الْإِسْلَام يَدعُوهُ اعْتِقَاده فِيهِ إِلَى التحريف فِيهِ وَلَا يقوى الظَّن لصدقه وَأما الْكفْر بِتَأْوِيل فَذكر قَاضِي الْقُضَاة أَنه يمْنَع من قبُول الحَدِيث قَالَ لِاتِّفَاق الْأمة على الْمَنْع من قبُول خبر الْكَافِر قَالَ وَالْفُقَهَاء إِنَّمَا قبلوا أَخْبَار من هُوَ كَافِر عندنَا لأَنهم لم يعتقدوا فِيهِ أَنه كَافِر وَالْأولَى أَن يقبل خبر من فسق أَو كفر بِتَأْوِيل إِذا لم يخرج من أهل الْقبْلَة وَكَانَ متحرجا لِأَن الظَّن لصدقه غير زائل وادعاؤه الْإِجْمَاع على نفي قبُول خبر الْكَافِر على الْإِطْلَاق لَا يَصح لِأَن كثيرا من أَصْحَاب الحَدِيث يقبلُونَ كثيرا من أَخْبَار سلفنا ﵏ كالحسن وَقَتَادَة وَعَمْرو مَعَ علمهمْ بمذهبهم وإكفارهم من يَقُول بقَوْلهمْ وَقد نصوا على ذَلِك فَأَما من يظْهر مِنْهُ العناد فِي مذْهبه مَعَ ظُهُوره عِنْده فانه لَا يقبل حَدِيثه كَمَا لَا يقبل حَدِيث الْفَاسِق بِأَفْعَال الْجَوَارِح لما كَانَ يعلمهَا فسقا فَأَما من تدين بِالْكَذِبِ لينصر مقَالَته فالظن لَا يحصل بصدقه وَكَذَلِكَ التساهل فِي الحَدِيث وَترك التحفظ من الزِّيَادَة فِيهِ وَالنُّقْصَان مِنْهُ
وَأما كَون الرَّاوِي غير ضَابِط لما يسمعهُ أَو يَعْتَرِيه السَّهْو فِيمَا يسمعهُ بعد سَمَاعه لَهُ فَلهُ أَحْوَال ثَلَاثَة
أَحدهَا أَن يكون سَهْوه واختلال ضَبطه أَكثر فيقدح ذَلِك فِي الظَّن لما نَقله إِلَّا أَن يكون مَا نَقله مِمَّا يبعد أَن لَا يضبطه الْإِنْسَان وَلَيْسَ لأحد أَن يَقُول الظَّاهِر من الْعقل الضَّبْط وَقلة السَّهْو لِأَن الْعُقَلَاء يَخْتَلِفُونَ فِي الضَّبْط
[ ٢ / ١٣٥ ]
وَلَيْسَ لَهُ أَن يَقُول الظَّاهِر من الْعدْل أَنه لَا يروي الحَدِيث وَهُوَ يتهم ضبط نَفسه وَحفظه لِأَن من لَا يضْبط يظنّ أَنه قد ضبط وَمن سَهَا يظنّ أَنه مَا سَهَا فيروي حسب ظَنّه
وَالثَّانِي أَن يتساوى ضَبطه واختلاله فَلَا يحصل الظَّن أَيْضا لصِحَّة مَا رَوَاهُ لتعادل الْأَمريْنِ فَلَا يقبل حَدِيثه إِن قيل أَلَيْسَ قد أنْكرت الصَّحَابَة ﵂ على أبي هُرَيْرَة ﵀ كَثْرَة الرِّوَايَة ثمَّ قبلت أخباره قيل إِنَّهَا لم تنكر عَلَيْهِ لقلَّة ضَبطه لَكِن لِأَن الْكَثْرَة يعرض فِيهَا الاختلال والسهو فاحتاطت بالإنكار عَلَيْهِ وَإِن كَانَ أَهلا لقبُول أخباره وَذكر قَاضِي الْقُضَاة فِي الشَّرْح أَنه إِذا تساوى غفلته وَذكره قبل خَبره لِأَن الْخَبَر أَمارَة فَالْأَصْل فِيهِ الصِّحَّة وَلقَائِل أَن يَقُول إِن الْخَبَر أَمارَة إِذا تكاملت شَرَائِطه وَلَا تتكامل شَرَائِطه إِلَّا أَن يتَرَجَّح ذكر الرَّاوِي على سَهْوه
وَالثَّالِث إِن كَانَ الْأَكْثَر مِنْهُ الذّكر وجودة الضَّبْط قوي الظَّن لصِحَّة رِوَايَته فَقبل خَبره فِيمَا لَا يعلم أَنه سَهَا فِيهِ
وَاعْلَم أَنه إِذا ثَبت اعْتِبَار الْعَدَالَة وَغَيرهَا من الشَّرَائِط الَّتِي ذَكرنَاهَا وَجب إِن كَانَ لَهَا ظَاهر أَن يعْتَمد عَلَيْهِ وَإِلَّا لزم اخْتِيَارهَا وَلَا شُبْهَة أَن فِي بعض الْأَزْمَان كزمن النَّبِي ﷺ أَنه قد كَانَت الْعَدَالَة منوطة بِالْإِسْلَامِ فَكَانَ الظَّاهِر من الْمُسلم كَونه عدلا وَلِهَذَا اقْتصر النَّبِي ﷺ فِي قبُول خبر الْأَعرَابِي عَن رُؤْيَة الْهلَال على ظَاهر الاسلام واقتصرت الصَّحَابَة على إِسْلَام من كَانَ يروي الْأَخْبَار من الْأَعْرَاب فَأَما الْأَزْمَان الَّتِي كثرت فِيهَا الْجِنَايَات مِمَّن يعْتَقد الْإِسْلَام فَلَيْسَ الظَّاهِر من إِسْلَام الْإِنْسَان كَونه عدلا فَلَا بُد من اختباره وَقد ذكر الْفُقَهَاء هَذَا التَّفْصِيل
وَلَا يرد حَدِيث من لَا يعرف معنى مَا يَنْقُلهُ كالأعجمي لِأَن جَهله بِمَعْنى الْكَلَام لَا يمْنَع من ضَبطه الحَدِيث وَلِهَذَا يُمكن للأعجمي ان يحفظ الْقُرْآن وَإِن لم يعرف مَعْنَاهُ وَقد قبلت الصَّحَابَة أَخْبَار الْأَعْرَاب وَإِن لم يعرفوا كثيرا من مَعَاني
[ ٢ / ١٣٦ ]
الْكَلَام مِمَّا يفْتَقر إِلَى الِاسْتِدْلَال فَأَما الصَّبِي فالأغلب أَن النَّفس لَا تثق بروايته فان جَازَ فِي بعض الْحَالَات أَن يغلب الظَّن لصدقه فالشرع مِنْهُ من قبُول خَبره إِذا رَوَاهُ وَهُوَ صبي فان سمع الحَدِيث وَهُوَ صبي وَرَوَاهُ وَهُوَ بَالغ قبل خَبره وَقد قبلت الصَّحَابَة ﵂ رِوَايَة ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ وَإِن كَانَ حِين سَمعهَا من النَّبِي ﷺ غير بَالغ لما كَانَ حِين رَوَاهَا بَالغا وَيقبل رِوَايَة الْمَرْأَة وَالْعَبْد وَالْأَعْمَى من حفظه لِأَنَّهُ قد يظنّ صدقهم فِي روايتهم وَلم تمنع الشَّرِيعَة من قبُولهَا بل قد قبلت الصَّحَابَة رِوَايَة ابْن عَبَّاس وَكَانَ ضريرا وَرِوَايَة النِّسَاء وَيقبل رِوَايَة من لم يرو إِلَّا خَبرا وَاحِدًا وَلم يكاثر أهل الْعلم وَلَا أَطَالَ مجالسة أهل النَّقْل لِأَن كل خصْلَة لَا تقدح فِي غَالب الظَّن لصِحَّة الرِّوَايَة وَلم يرد الشَّرْع بِاعْتِبَار نَفيهَا فانها لَا تمنع من قبُول الحَدِيث وَكَون الرَّاوِي غير مجَالِس لأهل الْعلم لَا يقْدَح فِي ظننا صدقه
وَيُفَارق ذَلِك استفتاء من لم يُجَالس أهل الْعلم لِأَن جَوَاز الاستفتاء مَوْقُوف على كَون الْمُفْتِي من أهل الِاجْتِهَاد وَلنْ يكون الْإِنْسَان كَذَلِك إِلَّا بالتعلم ومجالسة الْعلمَاء إِلَّا أَنه إِذا تعَارض خبران أَحدهمَا يرويهِ من لم يُجَالس اهل النَّقْل وَالْآخر يرويهِ من جالسهم كَانَت رِوَايَة من جالسهم أولى لِأَن المكثر من مجالسة أهل الصَّنْعَة أخبر بهَا وَأعرف بتفاصيلها
وَيقبل حَدِيث الْإِنْسَان وَإِن اخْتلف فِي اسْمه مَتى عرفت عَدَالَته إِمَّا بِظَاهِر الْإِسْلَام وَإِمَّا بطريقة زَائِدَة وَإِذا روى زيد عَن عَمْرو خَبرا فَقَالَ عَمْرو لَا أذكر أَنِّي رويت هَذَا الحَدِيث فَعِنْدَ أبي الْحسن ﵀ لَا يقبل الحَدِيث لِأَنَّهُ الأَصْل فِي الرِّوَايَة فاذا أنكرها لم يقبل وَكَذَلِكَ رد حَدِيث ربيعَة عَن الزُّهْرِيّ أَيّمَا امراة نكحت بِغَيْر إِذن وَليهَا فنكاحها بَاطِل لِأَن الزُّهْرِيّ أنكر أَن يكون رَوَاهُ وَعند الشَّافِعِي وَغَيره أَنه يقبل لِأَن ثِقَة الرَّاوِي تَقْتَضِي قبُول حَدِيثه مَا أمكن وَيُمكن أَن يكون صَادِقا وَإِن لم يذكر الْمَرْوِيّ عَنهُ لِأَنَّهُ يجوز أَن ينسى أَنه رَوَاهُ فقد يحدث الْإِنْسَان بِحَدِيث من أَمر الدُّنْيَا ثمَّ يسهو عَنهُ وَيذكر بِهِ فَلَا
[ ٢ / ١٣٧ ]
يذكرهُ إِلَّا بعد زمَان طَوِيل وَرُبمَا لم يذكرهُ أصلا فاذا كَانَ كَذَلِك جَازَ للمروي عَنهُ أَن يرويهِ عَن الرَّاوِي كَمَا قَالَ الزُّهْرِيّ حَدثنِي ربيعَة عني فان قَالَ الْمَرْوِيّ عَنهُ مَا رويت هَذَا الحَدِيث جَازَ أَن يكون قَالَ ذَلِك بِحَسب ظَنّه فَلَا يرد الحَدِيث فان قَالَ أعلم أَنِّي مَا رويته فانه تعَارض ذَلِك رِوَايَة من روى عَنهُ لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا ثِقَة فَيحْتَمل أَن يكون الْمَرْوِيّ عَنهُ قد رَوَاهُ ثمَّ نَسيَه وَيحْتَمل أَن يكون الرَّاوِي سَمعه من غَيره مِمَّن لَيْسَ بِثِقَة وأسنده إِلَى من أسْندهُ إِلَيْهِ سَهوا