الأولى فِي قسْمَة الْأَسْبَاب ان يُقَال الْأَسْبَاب الشَّرْعِيَّة ضَرْبَان احدهما يعلم ثُبُوته وَكَونه سَببا بِالشَّرْعِ وَذَلِكَ كفساد الصَّلَاة فانا بِالشَّرْعِ نعلم ثُبُوته ونعلم
[ ٢ / ٤١٣ ]
بِالشَّرْعِ كَونه سَببا لوُجُوب الْقَضَاء وَالْآخر يعلم ثُبُوته لَا بِالشَّرْعِ وَيعلم بِالشَّرْعِ كَونه سَببا وَذَلِكَ حؤول الْحول فانا نعلم بِغَيْر الشَّرْع وجوده ونعلم بِالشَّرْعِ كَونه سَببا لوُجُوب إِخْرَاج الزَّكَاة وغذا ذكرنَا الْقِسْمَة كَذَلِك كُنَّا قد جعلنَا الْعلم فِي مُقَابلَة الْعلم وَهَذَا مرادنا فِي الْكتاب - ﷺ َ - من بَاب التأسي - ﷺ َ -
اتِّبَاع النَّبِي ﷺ فِي فعله يُسْتَفَاد من مُطلق الْمُشَاركَة فِي صُورَة الْفِعْل على الْوَجْه الَّذِي فعله وان التبع لَهُ فعله لِأَنَّهُ فعله فان قيدت الْمُتَابَعَة بِصُورَة الْفِعْل فَقيل اتبع زيد عمرا فِي صُورَة الْفِعْل لم يفد إِلَّا الْمُشَاركَة فِي الصُّورَة - ﷺ َ - بَاب فِي أَن السّمع لَا يَقْتَضِي على الْإِطْلَاق وجوب مثل فعل النَّبِي ﷺ - ﷺ َ -
اعْلَم أَنا ذكرنَا فِي الْبَاب فَقُلْنَا أما من قَالَ بِأَن أَفعاله أَدِلَّة بِاعْتِبَار الْوَجْه فانه إِن علم الطَّرِيقَة الَّتِي اتبعها النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك الْفِعْل عقلية كَانَت أَو سمعية فَهُوَ يرجع إِلَيْهَا فِي الِاسْتِدْلَال وَإِن لم يعرف الطَّرِيقَة فضربان أَحدهمَا يكون فعله بَيَانا لمجمل وَالْآخر لَا يكون بَيَانا لمجمل فان كَانَ بَيَانا لمجمل فَذَلِك الْمُجْمل هُوَ دَال على الْوُجُوب أَو النّدب أَو الْإِبَاحَة
ولمعترض أَن يعْتَرض هَذِه الْقِسْمَة فَيَقُول إِذا علم الْمُكَلف أَن فعل النَّبِي بَيَان لمجمل وَاسْتدلَّ بالمجمل على الْوُجُوب فقد عرف الطَّرِيقَة الَّتِي رَجَعَ إِلَيْهَا النَّبِي ﷺ فِي الْوُجُوب فَهُوَ دَاخل فِي الْقسم الأول وَالْجَوَاب أَنا لم نقل فان علم الْمُكَلف أَن فعل النَّبِي بَيَان لمجمل وَإِنَّمَا قُلْنَا فان كَانَ فعله بَيَانا لمجمل وَقد يكون فعله بَيَانا لمجمل وَلَا يكون الْعلم بذلك قد تقدم للمكلف فَيحْتَاج أَن ينظر ويتأمل ليعرف الْوَجْه الَّذِي أوقع النَّبِي ﷺ الْفِعْل عَلَيْهِ وَمن جملَة مَا يتأمله أَن ينظر هَل فِي الشَّرْع مُجمل هَذَا بَيَانه ليعرف
[ ٢ / ٤١٤ ]
بالمجمل الْوَجْه الَّذِي أوقع النَّبِي ﷺ الْفِعْل عَلَيْهِ فاذا عرف ذَلِك اكْتفي بالمجمل فِي الِاسْتِدْلَال على الْوُجُوب فِي الْجُمْلَة وَعلم أَن النَّبِي ﷺ أوقع الْفِعْل عَلَيْهِ
وَإِذا أردنَا حسم هَذَا السُّؤَال فَالْأولى أَن نقُول فِي الْقِسْمَة إِمَّا أَن يعلم الْمُكَلف قبل أَن فعل النَّبِي ﷺ الْفِعْل أَو مَعَه أَو بعده الطَّرِيقَة الَّتِي صَار إِلَيْهَا فِي الْعلم بالحكم عقلية كَانَت أَو سمعية مجملة كَانَت أَو مفصلة فَرجع إِلَيْهَا فِي الْعلم بالحكم وَإِمَّا أَن لَا يعلم الْمُكَلف ذَلِك فَيجب أَن يسْتَدلّ بِوَجْه آخر على الْوَجْه الَّذِي أوقع النَّبِي ﷺ الْفِعْل عَلَيْهِ فان علم أَنه أوقعه على الْوُجُوب دلّ ذَلِك على وجوب مثله عَلَيْهِ وَإِن علم أَنه أوقعه على النّدب دلّ على أَنه مَنْدُوب إِلَى مثله وَإِن علم أَنه أوقعه مستبيحا لَهُ دلّ على أَنه مُبَاح مِنْهُ
اسْتدلَّ على أَن فعل النَّبِي ﷺ على الْوُجُوب بقول الله ﷿ ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ قَالُوا وَقَوله ﴿يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ تهديدا واجيب عَن ذَلِك بِأَن قَوْله ﷿ ﴿لكم﴾ لَيْسَ من أَلْفَاظ الْوُجُوب وَلَو أَرَادَ الْوُجُوب لقَالَ ﴿عَلَيْكُم﴾ واعترضنا ذَلِك بانه لَا يَصح الِاسْتِدْلَال بذلك على نفي الْوُجُوب لِأَن معنى قَول الْقَائِل لنا أَن نَفْعل كَذَا هُوَ أَنه لَا حظر علينا فِي فعله وَالْوَاجِب لَا حظر علينا فِي فعله
فان قيل إِن الْمُجيب لم يسْتَدلّ بِالْآيَةِ على نفي وجوب أَفعَال النَّبِي ﷺ بقوله إِن لَفْظَة لكم لَيْسَ من أَلْفَاظ الْوُجُوب وَإِنَّمَا دفع الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ على وجوب أَفعاله فَقَالَ لَفْظَة لكم لَيست من أَلْفَاظ الْوُجُوب فَلَا يجوز أَن يُقَال لَهُ إِن الْوَاجِب لنا فعله لِأَنَّهُ لم يقل إِن
[ ٢ / ٤١٥ ]
الْوَاجِب لَا يكون لنا فعله وَإِنَّمَا قَالَ إِن لَفْظَة لكم لَا يخْتَص الْوُجُوب بل يسْتَعْمل فِي الْوَاجِب وَفِي غَيره فَلَيْسَ فِي ذكرهَا إِثْبَات للْوُجُوب قيل بل إِنَّمَا أورد الْمُجيب هَذَا الْكَلَام على جِهَة الِاسْتِدْلَال مِنْهُ على نفي الْوُجُوب لَا على أَن يدْفع اسْتِدْلَال خَصمه لِأَن خَصمه لم يسْتَدلّ على وجوب أَفعَال النَّبِي ﷺ بقول الله ﷿ ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ فَيُقَال لَهُ لَفْظَة لكك لَا يخْتَص الْوُجُوب وَإِنَّمَا اسْتدلَّ بقوله ﴿لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ قَالَ وَهَذَا تهديد فَمَا أوردهُ الْمُجيب إِن لم يكن ابْتِدَاء اسْتِدْلَال مِنْهُ بِالْآيَةِ من حَيْثُ أَنه لَا يُقَال لكم فِيمَا هُوَ وَاجِب فَلَيْسَ هُوَ يدْفع لاستدلال الْمُسْتَدلّ بِالْآيَةِ وَيَنْبَغِي أَن يَقُول لمن تكلم على الْآيَة بقوله إِن لَفْظَة لكم لَيْسَ من أَلْفَاظ الْوُجُوب إِن أوردت ذَلِك دفعا لاستدلال الْمُسْتَدلّ بِالْآيَةِ فالمستدل بِالْآيَةِ لم يقل إِن قَول الله ﷿ ﴿لكم﴾ من أَلْفَاظ الْوُجُوب وَإِن أوردت ذَلِك اسْتِدْلَالا مِنْك على أَن أَفعَال النَّبِي ﷺ لَيست على الْوُجُوب لم يَصح ذَلِك لما بَيناهُ فِي الْكتاب - ﷺ َ - بَاب فِيمَا تدل عَلَيْهِ أَفعَال النَّبِي ﷺ وتروكه الْمُتَعَلّقَة بِغَيْرِهِ - ﷺ َ -
قد قُلْنَا أما أَفعاله الْمُتَعَلّقَة بِغَيْرِهِ فَهِيَ الْحُدُود وَالْقَضَاء على الْغَيْر ثمَّ قُلْنَا وقضاؤه على الْغَيْر وَإِن كَانَ من قبيل الْأَقْوَال فانه يَقْتَضِي لُزُوم مَا قضي بِهِ
وَلقَائِل أَن يَقُول لم أدخلتم الْقَضَاء فِي جملَة الْأَفْعَال مَعَ أَنه قَول وَأَنْتُم إِنَّمَا تتكلمون فِي أَبْوَاب الْأَفْعَال فِي الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ أَفعَال الْجَوَارِح وَالْجَوَاب إِنَّمَا تكلمنا فِي الْقَضَاء هَهُنَا لِأَنَّهُ كأفعال الْجَوَارِح بِالْغَيْر وَلم يجز ذكره فِيمَا قبل فذكرناه هَهُنَا لمشابهته للأفعال الْمُتَعَلّقَة بِالْغَيْر
[ ٢ / ٤١٦ ]
وَإِذا أردنَا حسم هَذَا الِاعْتِرَاض قُلْنَا فِي الْقِسْمَة إِن مَا يسند إِلَى النَّبِي ﷺ مِمَّا يتَعَلَّق بِغَيْرِهِ أَفعَال وتروك وَالْأَفْعَال ضَرْبَان أَفعَال هِيَ أَقْوَال وأفعال لَيست أقوالا وَالْأَفْعَال المتعدية إِلَى الْغَيْر مِنْهَا قَضَاء على غير وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِقَضَاء على غير وَالْأَفْعَال الَّتِي لَيست أقوالا هِيَ الْحُدُود والتعزيز وَإِنَّمَا قسمنا الْأَفْعَال إِلَى أَقْوَال وَإِلَى غير أَقْوَال لِأَن الْفِعْل إِذا أطلق أَو جعل فِي مُقَابلَة التّرْك أَفَادَ كل مَا يَفْعَله الْفَاعِل من قَول وَغير قَول وَإِذا جعل فِي مُقَابلَة الْفِعْل قَول لم يدْخل القَوْل تَحت الْفِعْل
[ ٢ / ٤١٧ ]