[ ١ / ٣٨١ ]
وهو قسم من أقسام الكلام النفسي، وإن كان واحدا بالذات فيصح كونه أمرا ونهيا وخبرا باختلاف تعلقه ومتعلقه، والخلاف في الفعل، فالأكثر أنه مجاز فيه، وقيل مشترك، وقيل متواطئ. لنا أنه يسبق إلى الفهم القول عند الإطلاق فكان حقيقة غير متواطئ؛ إذ لا دلالة للأعم على الأخص
[ ١ / ٣٨٢ ]
واستدل: لو كان حقيقة في الفعل لاطرد لأنه من لوازمها، ولا يقال للأكل أمر ولاشتق له آمر ولا مانع ولاتحد جمعاهما ولوصف بكونه مطاعا ومخالفا وللزم الاشتراك ولما صح نفيه. وحَدَّه أكثر المعتزلة بقول
[ ١ / ٣٨٣ ]
القائل لمن دونه: افعل أو ما يقوم مقامه، قصدوا إدراج الأمر من غير العربية، وليس بسديد لدخول التهديد والإباحة والإرشاد والامتنان وغيرها، ولصدوره من الأعلى خضوعا وليس بأمر، ومن الأدنى استعلاء وهو أمر وقيل: صيغة افعل مجردة عن القرائن الصارفة عن الأمر وفيه تعريف الشيء بنفسه، وإن أسقط لزم التجرد مطلقا، وقيل: صيغة (افعل) باقتران إرادات ثلاث: إرادة وجود اللفظ، وإرادة دلالتها على الأمر، وإرادة الامتثال. والأول عن النائم، والثاني عن التهديد وغيره، والثالث عن الحاكي والمبلغ. وهو فاسد، فإن الأمر الذي هو المدلول إن كان الصيغة فسد، وإن كان غيرها لم يكن الأمر الصيغة وقد قال إنه هي، وفيه تعريف الأمر بمثله، وقيل إرادة الفعل، ويرد عليه صدور الأمر مع تخلفها في مثل ما إذا توعد سلطان على ضرب زيد عبده من غير جزم، فادعى مخالفة أمره وأراد تمهيد عذره بمشاهدته فإنه يأمره ولا يريد امتثاله، وهذا لازم لكل من يحده بافرادة. ووجه آخر لو كان الأمر بفعل إرادته لوجب وجود أوامر الله كلها، فإن إرادة الفعل تخصصه بحال حدوثه، فإذا لم يوجد لم يخصص فلم يتعلق به. وحدَّه غيرهم بأنه خبر عن الثواب على الفعل، والعقاب على الترك، وفيه لزومهما فغير باستحقاقهما
[ ١ / ٣٨٤ ]
فنقض باستلزام الصدق أو الكذب بخلاف الأمر. وحده القاضي والغزالي وغيرهما: بالقول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به ونقض بأن المأمور مشتق من الأمر وبأن الطاعة موافقة الأمر وهما دور. وابن الحاجب:
[ ١ / ٣٨٥ ]
اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء، ويرد مثل اترك وكف فإنهما أمران، وهما اقتضاء فعل هو كف. ولا تكف ولا تترك، فإنهما اقتضاء فعل غير كف، وهما نهي واختار في الأحكام: طلب الفعل على جهة الاستعلاء، فالفعل عن النهي والباقي عن الدعاء والالتماس. ثم القائلون بالنفسي اختلفوا؛ فالأكثر له صيغة تخصه ونفاه الأشعري ومن تبعه، وحقق الإمام والغزالي هذه الترجمة فقالا: لا خلاف في إمكان التعبير بأمرتك وأنت مأمور وأوجبت وندبت وسخطت [؟] وإنما الخلاف في صيغة افعل وأنها تستعمل في خمسة عشر محلا: في الوجوب
[ ١ / ٣٨٦ ]
(أقم الصلاة) والندب (كاتبوهم) والإرشاد (فاستشهدوا) والإباحة (فاصطادوا) والتأديب "كل مما يليك" والامتنان (كلوا مما رزقكم الله) والإكرام (ادخلوها بسلام)
[ ١ / ٣٨٧ ]
والتهديد (اعملوا ما شئتم) والتسخير (كونوا قردة) والتعجيز (كونوا حجارة) والإهانة (ذق إنك أنت العزيز) والتسوية (فاصبروا أو لا تصبروا) والدعاء (اغفر لي) والتمني "ألا أيها الليل الطويل ألا انجل" وكمال القدرة (كن فيكون) والاتفاق
[ ١ / ٣٨٨ ]
على أنها مجاز في غير الوجوب والندب والإباحة والتهديد. والجمهور: حقيقة في الوجوب. وأبو هاشم ومتبعوه: في الندب. وقيل للطلب المشترك، وقيل بالاشتراك (فيها) وقيل مشترك فيهما وفي الإباحة.
[ ١ / ٣٨٩ ]
وقيل في الإذن المشترك فيهما. وقيل مشترك في الأربعة، الجمهور: استدل الأئمة بمطلقها على الوجوب من غير بيان قرينة من غير نكير فدل قطعا على ظهورها فيه كالعمل بالخبر. واعترض بأنه ظن لا قطع، قلنا ممنوع، ولو سلم فيكفي في مدلول اللفظ نقل الآحاد، وغلا تعذر العمل بأكثر الظواهر. وأيضا (أطيعوا) وهدد على المخالفة (فإن تولوا فإنما عليه ما حمل) (فليحذر الذين يخالفون) والتهديد يستلزم الوجوب (ما منعك) ذما على المخالفة لا استفهاما بالاتفاق (أفعصيت أمري)
[ ١ / ٣٩٠ ]
(لا يعصون الله ما أمرهم) (لا أعصي لك أمرا) والذم يستلزمه وحديث بريرة "أبأمرك؟ قال لا (إنما) أنا شافع"، فعقلت أن الوجوب من لوازمه وأقرها عليه. "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" وقوله لأبي سعيد حيث لم يجب نداءه في الصلاة: "أما سمعت استجيبوا"
[ ١ / ٣٩١ ]
ولأن الإيجاب معنى مطلوب فلا بد له من لفظة تخصه، ولأنه مقابل للنهي وهو للامتناع جزما، فيكون الأمر للطلب الجازم، ولأن الأمر بشيء نهي عن جميع أضداده، والامتناع عنها بفعل المأمور به وهو في الوجوب أحوط، فكان أولى. ويقال إنها ظنية والمسألة قطعية. وأما النصوص: فنمنع اقتضاء أطيعوا للوجوب، وقوله: فإن تولوا إن كان إخبارا لم يدل، أو تهديدا دل على وجوب ما هدد فيه لا مطلقا وإلا لدخل الندب، وهو مطرد في كل أمر هدد فيه أو حذر على مخالفته أو سمى به عاصيا. على أن قوله "يخالفون عن أمره" مطلق فلا يعم. وإن سلم فقد تخلف في الندب، على أنه يجوز حمل المخالفة على اعتقاد غير موجبه من وجوب أو ندب. وسؤال بريرة عن أمر يترتب عليه الثواب. فلما نفي قالت لا حاجة لي فيه. والحق أن هذا وحمل المخالفة على الاعتقاد بعيد، وأمر السواك مقرون بالمشقة الدالة على الوجوب. واستجيبوا للوجوب بقرينة حالية وهي تعظيم الله ورسوله والوجوب وإن كان معنى مطلوبا فالندب مثله، ونمنع كون النهي للمنع جزما إلا بدليل، وإن سلم فقياس الأمر عليه قياس في اللغة، وكون الأمر نهيا عن جميع أضداده ممنوع، وإن سلم فإنما يكون النهي عنها مانعا من فعلها، أن لو كان الأمر للوجوب، وإلا فهو للتنزيه فيتوقف الوجوب على المنع الجزمي المتوقف على الوجوب وهو دور. والاحتياط معارض بالإضرار. القائلون
[ ١ / ٣٩٢ ]
بالندب "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" والتفويض إلى الاستطاعة ندب، ولأن المندوب داخل في الواجب، فكل واجب مندوب ولا عكس، فوجب الحمل عليه لكونه متيقنا. قلنا: كل واجب كذلك فإنه لا يؤتى منه إلا المستطاع وليس الندب داخلا في الوجوب لأنهما ماهيتان متباينتان. ولو سلم فالإباحة أحق بمعنى نفي الحرج عن الفعل، لأنه المتيقن بخلاف الندب لرجحان جانب الفعل وهو غير يقيني. القائل بمطلق الطلب: الرجحان ثابت فجعله لأحدهما تقييد بغير دليل، فكان للمشترك دفعا للاشتراك، قلنا: بل بدليل على أن فيه إثبات اللغة بلوازم الماهيات وهو خطأ، فما من شيئين إلا وهما مشتركان في لازم فيلزم رفع الاشتراك (بالاشتراك). القائل بالاشتراك: أطلق عليهما أو عليها والأصل الحقيقة، ويحسن الاستفهام والتقييد افعل واجبا أو ندبا أو مباحا، قلنا: خلاف الأصل، والتقييد بالوجوب تأكيد، وبغيره قرينة صارفة. ومال في الأحكام إلى الوقف لأن العقل لا يستقل بدرك الاشتراك والوضع لأحدهما ولا تواتر، والظن غير كاف فتعين الوقف. فإن قيل مركب من العقل والنقل. قلنا ظني، قالوا: يلزمكم مثله فإن العقل لا يستقل بالوقف ولا تواتر والظن غير كاف. قلنا: الواقف ساكت عن الحكم فلم يفتقر إلى دليل. وأجيب بأن الدلائل الاستقرائية كافية في هذا الباب للظهور وهو كاف للعمل.
[ ١ / ٣٩٣ ]
تقسيم:
لما اقتضى الأمر الإيجاب وهو أعلى أنواع الطلب اقتضى أكمل أنواع الحسن الشرعي، وهو كون المأمور به حسنا لعينه إلا بدليل. هذا اختيار شمس الأئمة ﵀. وقيل: بل لغيره لثبوته اقتضاء وهو ضروري فيكتفى فيه بالأدنى. ثم ما حسن لعينه فمنه ما لا يحتمل السقوط أصلا كالإيمان بالله، ومنه ما يحتمله لعروض ما يبيحه كالإقرار الدال عليه يسقط بالإكراه مع ثبات الاعتقاد، وكالصلاة من حيث إنها شرعت لتعظيم الله قولا وفعلا مع احتمال السقوط بعارض، والزكاة والصوم والحج وإن شرعت لإغناء الفقير وقهر النفس وتعظيم البيت فلا يخرجها ذلك عن أن تكون حسنة لعينها، فإن الفقير لا يستحق عبادة ولا النفس جانية في ذاتها، ولا البيت معظم لذاته فكانت عبادات خالصة لله تعالى. وشرط لها أهلية كاملة، وحكم هذا القسم أن لا يسقط إلا بالأداء أو بإسقاط من الشارع فيما يحتمله.
[ ١ / ٣٩٤ ]
والثاني: ما حسن لغيره، فمنه ما لا يوجد ذلك الغير إلا بفعل مقصود كالسعي إلى الجمعة مأمور لأدائها بأفعال مقصوده [مقصودة]، وحكمة [وحكمه] السقوط إذا حصل ما قصد به، فلو سعى فأكره على ضده ثم ترك وجب، ولو أكره على السعي إلى الجامع فأدى سقط، ويسقط أيضا بسقوط ما لأجله شرع بعارض، وكالوضوء شرع لأداء الصلاة بأفعال مقصوده [مقصودة]، فلا يشترط فيه النية من حيث إنه شرط لها، ولو نوى صار قربة، وفرق ما بين السعي والوضوء الاشتراط وعدمه، ومنه ما يوجد الغير به كصلاة الجنازة والجهاد والحدود المشروعة لتعظيم السلم وقهر الكافر وزجر العاصي، وحكمة السقوط بالأداء وبعدم ما لأجله حسنت حتى لو تصور إسلام الخلق وتقواهم سقط الجهاد والحد كما تسقط الصلاة بردة المسلم وبغيه [؟].
تقسيم: ومما حسن لكونه شرطا للأداء القدرة ولا يشترط وجودها حال الأمر بل حال الأداء لتوقف الفعل الاختياري عليها فيحسن الأمر بالأداء بتقدير التمكن منه في وقته كما يحسن أمر المعدوم بتقدير وجوده واستعداده للخطاب والمريض بالجهاد إذا برئ.
وهي نوعان: مطلقة وكاملة. فالأول أدنى ما يتمكن به من الفعل، ماليا كان المأمور به أو بدنيا ولا يشترط لبقائه، فلا يسقط الواجب بالموت ولا الحج والفطرة بهلاك الزاد والراحلة والمال. قال زفر والشافعي:
[ ١ / ٣٩٥ ]
إذا أسلم أو بلغ أو طهرت ولم يبق من الوقت ما يسع الأداء لا يجب عليهم وإن استحسنا نحن الوجوب لانعقاد السبب وتوهم القدرة بالإمكان الذاتي والانتقال إلى القضاء للعجز الحالي.
والثاني: الميسرة وهي تغير صفة الواجب إلى السهولة كالزكاة الواجبة جزء من المال بشرط النماء الميسر فاشترطت للبقاء لبقاء تلك الصفة للمشروعية فتسقط بالهلاك وإلا انقلبت غرما مناقضا لليسر، بخلاف الاستهلاك للتعدي، وكصحة التكفير بالصوم للإعسار بعد الحنث لقيام اليسر بالتخيير واعتبار العدم الحالي لقوله تعالى (فمن لم يجد) إذ لو قصد عدم الوجدان في العمر بطل الصوم ولهذا ساوى الهلاك فيه الاستهلاك، لعدم تعين المال والوقت فلم يكن متعديا، والمال في الزكاة متعين. وكبطلانها بالدين لمنافاة اليسر فإن نقض بالكفارة أجيب بالفرق على قول أن الزكاة للإغناء فاشترط كمال السببية وهو الغنى والدين ينافيه، والكفارة زاجرة لا مفتية [؟] ولهذا تأدت بالعتق والصوم فيكفي أصل المال الميسر للأداء لتحصيل الثواب المقابل للجناية.
[ ١ / ٣٩٦ ]
مسألة:
إذا ثبت حسنه كان مجزيا، فإن فسر الإجزاء بامتثال الأمر فهو دليله اتفاقا، وإن فسر بسقوط القضاء فكذلك، وإلا لم يعلم امتثال أبدا، ولأن القضاء استدراك ما فات من مصلحة الأداء، والتقدير الإتيان بجميع المأمور به، فلو وجب كان تحصيلا للحاصل، وأيضا لو لم يسقط بالأمر فالكلام في القضاء مثله لأنه مأمور به، ويتسلسل فلا يتصور إجزاء بفعل مأمور به أصلا. قال (القاضي) عبد الجبار: لا يكون دليل الإجزاء وإلا يلزم أن لا يعيد أو يأثم إذا علم الحدث بعدما صلى بظن الطهارة، لأنه إما مأمور بظنها أو تيقنها. قلنا: أمر ثان متوجه بالأداء حال العلم على حسب حاله حتى لو مات أجزأته وسقطت الإعادة. ولمن يوجب القضاء بالأمر الأول أن يجعله مشروطا بعدم العلم. قال: ومن أفسد حجه مأمور بالأداء ولا إجزاء. قلنا: لم يؤمر إلا بالصحة وهو باق، وهذا الأمر بالتحلل عن الإحرام بطريقة [بطريقه] وهو غير الأول ومجزء [مجزئ] في نفسه.
[ ١ / ٣٩٧ ]
مسألة:
صيغة الأمر لا تقتضي اقتصارا على المرة ولا تحتمل التكرار. والأستاذ: للتكرار مدة العمر مع الإمكان. وآخرون: للمرة ويحتمله. ووقف آخرون في
[ ١ / ٣٩٨ ]
الزائد. لنا: أن مدلولها طلب حقيقة الفعل، والمرة والتكرار خارجان غير لازمين، فلم تدل عليه، ولأنهما صفتان للفعل كالقليل والكثير، ولا دلالة للموصوف على الصفة فلا دلالة للأمر الدال على الفعل عليهما، فإن قيل: أوقعتم ثلاثا في طلقي نفسك إذا نوى. قلنا: الثلاث كل الجنس فهو واحد حكما، ولهذا لم توقع ثنتين إذا نوى لأنه عدد. الأستاذ: لو لم يكن للتكرار لم يتكرر الصوم والصلاة. قلنا: التكرار من غير الصيغة. وعورض بالحج. قالوا: النهي ترك أبدا، فالأمر فعل أبدا لاشتراكهما في الاقتضاء. قلنا: قياس في اللغة والنهي يقتضي النفي، ولأن التكرار في النهي لا يمنع من فعل غيره بخلافه في الأمر. قالوا: نهي عن جميع أضداده والنهي يعم فيستلزم تكرار المأمور. قلنا: ممنوع. والنهي المستفاد من الأمر لا يعم لأن عمومه فرع عموم الأمر، فلو أثبت تكرار الأمر به دار، بخلاف النهي الصريح. قالوا: إذا قال لعبده: أحسن صحبة زيد وأكرمه قطع بالتكرار. قلنا: لقرينة أن الأمر بالإكرام لكرامته والأصل دوامها. دليل المرة: إذا قال لعبده: دخل الدار، ففعل مرة امتثل، قلنا: يبرأ بها لحصول حقيقة المأمور به لأنها من ضرورته، لا أن الأمر ظاهر فيها ولا في التكرار. قالوا: لو كان للتكرار لكان صل مرارا تكريرا ومرة نقضا. قلنا: ولو كان للمرة لتوجه مثله. الوقف: لو ثبت واحد منها فإما: بدليل عقلي وهو باطل أو نقلي قطعي وليس، والظن غير مفيد.
[ ١ / ٣٩٩ ]
مسألة:
إذا علق الأمر بشرط أو صفة، فإن كان علة تكرر باتفاق لتكرر العلة لا للصيغة، وإلا فالمختار أن لا تكرار.
[ ١ / ٤٠٠ ]
لنا: لو وجب، فإما بالأمر أو بالشرط أو بهما، وليس للأول لما مر، ولا للثاني لعدم تأثير الشرط في المشروط، وليس وقوع الطلاق المعلق بدخول الديار بالدخول، بل بأنت طالق، وهو علة، ولا للثالث، فإنا نقطع بأن من قال لعبده: إذا دخلت السوق فاشتر كذا، فهو ممتثل بالمرة مقتصرا. واستدل بأن تعليقه بالخبر لا يقتضيه فكذا الشرط وهو فاسد لأنه قياس في اللغة.
قالوا: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا)، (وإن كنتم جنبا فاطهروا)، (والسارق) و(الزانية). قلنا: ما كان علة كالزنا والسرقة فمسلم، وما عداه فبدليل خارجي، ولذلك لم يثبت في الحج وإن علق بالاستطاعة. قالوا: تكرر بالعلة فليتكرر بالشرط فإنه أقوى لانتفاء المشروط بانتفائه. قلنا: العلة مقتضية لمعلولها والشرط لا يقتضي مشروطه.
[ ١ / ٤٠١ ]
مسألة:
بعض أئمتنا: يقتضي التراخي، ومراده عدم اقتضاء الفور، فإنه لو اقتضى التراخي لم يمتثل إذا قدم، والصحيح أنه لا يقتضي الفور ولا التراخي وأيهما حصل أجزأ. والمكررون والكرخي قائلون بالفور، ونسب المذهبان إلى الشافعي والحنابلة باقتضائه أول أزمنة الإمكان.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وقال القاضي: إما بالفور أو بالعزم، وقيل بالتوقف لغة وإن بادر امتثل. وقيل مطلقا. لنا: وصفان للمصدر المطلوب بالأمر ولا دلالة للموصوف على الصفة فالأمر أولى، ولأنه حقيقة في طلب الفعل فإذ [فإذا] أتى به مقدما أو مؤخرا فقد أتى بما أمر به فيكون ممتثلا غير آثم، والزمان وإن كان من ضرورته لكنه ليس بداخل في الحقيقة ولا بمتعين. قالوا: نقطع بالفور إذا قال لعبده: اسقني ماء. قلنا: للعادة، فإن طالبه يحتاج إليه سريعا، والكلام في المطلق عن القرينة. قالوا: كل مخبر أو منشئ فالظاهر قصده للزمان الحاضر بدليل: أنت طالق وحر وقام زيد. قلنا: قياس في اللغة. قالوا نهي عن جميع أضداده، والنهي للفور فيتوقف
[ ٢ / ٤٠٣ ]
على فعل المأمور به على الفور، وقد تقدم. قالوا (ما منعك أن تسجد) ذمه على ترك البدار. قلنا: مقيد بقوله (فإذا سويته) قالوا مستلزم له لاستلزام الوجوب إياه، لأن وجوب الفعل مستلزم لوجوب اعتقاده على الفور، ولأن المقدم خارج عن العهدة إجماعا فكان أحوط، ولأنه لو جاز التأخر فإما إلى غاية معينة معلومة مذكورة، والفرض الأمر المطلق، أو لا إليها، فإما ببدل غير واجب، وهو محال أو واجب وليس، والالزام [وإلا لزم] إنباه النائم أول الوقت حذرا من فوات البدل كما إذا ضاق الوقت، ولكان البدل محصلا مقصود الأصل إذا أتى به فيؤدي إلى سقوط الأصل، ولأونه إما أن يجوز تأخيره، وفيه تسلسل، وإما أن لا يجوز فسيزيد البدل على أصله، وإن جاز التأخير مطلقا ففيه إخراج الواجب عن حقيقته. قلنا: لا يلزم من تعجيل وجوب الاعتقاد تعجيل الفعل بدليل ما لو صرح بالتأخير، والاحتياط في اتباع ما أوجبه الظن والمنفصلة في جواز التأخير بعينها مع التصريح بالتأخير، وإنما يجوز بشرط التمكن من الخروج عن العهدة، قالوا (فاستبقوا الخيرات) (وسارعوا) والأمر للوجوب. قلنا: المراد المسارعة إلى سببها اقتضاء، ولا عموم له فيختص بمواقع الإجماع واستدل القاضي بما تقدم في الموسع. والواقف: الطلب متحقق والتأخير مشكوك فيه فوجب البدار ليخرج عن العهدة بيقين. قلنا: الشك ممنوع.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
مسألة:
القاضي: الأمر بشيء معين نهي عن أضداده. وقال آخرًا باستلزامه ونفاهما إمام الحرمين والغزالي. ومنهم من اقتصر والجصاص: الأمر يوجب النهي عن أضداده والنهي يوجب الأمر بضده إن كان واحدا ولا موجب له في أضداده، والمعتزلة ليس نهيا.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
لاعتبارهم الصيغة، وأثبته أبو الحسين من حيث المعنى وهو اقتضاء الأمر إيجاد الفعل والمنوع من كل مانع. ومنهم من خص ذلك بأمر الوجوب، وبعض أصحابنا: يستلزم كراهة ضده والنهي سنة مؤكدة فيه. وفخر الإسلام يقتضي الكراهة. واختار في الأحكام استلزام النهي إيجابا كان أو ندبا. القاضي: لو لم يكن عينه لكان ضدا أو مثلا أو خلافا، لأنهما إن تساويا في الذاتيات واللوازم فمثلان، وإلا فإن تنافيا بأنفسهما فضدان، وإلا فخلافان، وليس الأولين، وإلا لما اجتمعا، ولا الثالث وإلا لجاز أحدهما مع ضد الآخر وخلافه كالعلم والكراهة. ونحن نقطع باستحالة الأمر بالفعل مع ضد النهي عن ضده، وهو الأمر بضده لأنهما نقيضان أو تكليف بغير الممكن. والجواب: إن أراد بطلب ترك ضده طلب الكف عن ضده فهما
[ ٢ / ٤٠٦ ]
خلافان، ونمنع الملازمة كما في المتضايفين لاستحالة وجود أحدهما مع ضد الآخر، وقد يكون كل من الخلافين ضدا لضد الآخر كالظن والشك، فإنهما ضد العلم، فيكون كل من الأمر بالشيء والنهي عن ضده ضدا لضده فلا يستحيل اجتماعهما. وإن أراد بترك ضده عن المأمور به عاد النزاع لفظيا في تسميته تركا ثم في تسمية طلبه نهيا. القائل بالاستلزام عقلا: أمر الإيجاب طلب لفعل يذم تاركه بالاتفاق، ولا ذم إلا على فعل منهي عنه وهو الكف عنه أو الضد فيستلزم النهي عن ضده أو النهي عن الكف عنه.
والجواب: أن تضمنه للنهي مبني على أنه من معقوله وهذا (منا) دليل خارجي، وإن سلم منع أن الذم إنما هو على فعل، بل هو على أنه لم يفعل فلا يذم تارك الصلاة لأنه أكل، بل لأنه تارك. الجصاص: إذا كان له ضد واحد كلا تتحرك فهو أمر بالسكون لاستلزام وجوب إعدام المنهي عنه وجوب ضده المعين، بخلاف الأضداد فإنه لا يجب جميعها وإلا لارتفع المباح. وليس البعض أولى من البعض. القائل بوجوب الضد استلزاما: لا يتم النهي إلا بالتلبس بأحد أضداد المنهي عنه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والجواب: يلزم وجوب الزنا لكونه تركا للواط المنهي عنه المستلزم لكون تركه مأمورا به وبالعكس. وأيضا نفي المباح لأنه ترك المنهي عنه فيكون مأمورا به. وللمقتصر إما أن النهي طلب نفي وهو عدم لا طلب فعل الضد. وإما للزوم الإلزام المتقدم ورفع المباح،
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وإما لأن أمر الإيجاب مستلزم للذم على الترك وهو فعل لاستلزام الذم، الفعل. والنهي طلب كف عن فعل فلم يستلزم الأمر لأنه طلب فعل لا كف. وللمخصص بأمر الوجوب أن الندب لا يستلزم ذم الترك ولارتفع المباح، ودليل مختار الأحكام: أن فعل المأمور به لا يتصور إلا بترك أضداده، فهي واجبة الترك إن كان أمر إيجاب، ومندوحة الترك إن كان ندبا، وليس عنيه، إما لتغاير الصيغتين وإما لأن النفساني القديم وإن اتحد فإنه يختلف بالمتعلق والتعلق. والحادث متعدد فهما غيران. النافي مطلقا: لو كان عينه أو استلزمه لزم تعقل الضد والكف عنه لأنه مطلوب النهي لامتناع تعقل الشيء بدون نفسه أو لازمه عقلا، واللازم باطل للقطع بالطلب مع الذهول عنهما. واعترض بأن المراد الضد العام وهو متعقل ضرورة كون الطلب لما ليس بموجود، وأجيب بجواز الطلب في المستقبل مع التلبس في الحال، ولو سلم فعدم تعقل الكف واضح، واختيار فخر الإسلام بناء على الاستلزام، إلا أن النهي لما لم يكن مقصودا سماه اقتضاء لأنه ضروري، وأثبت به أقل ما يجب بالنهي وهو الكراهة. وفائدة هذا الأصل أن المأمور بالعبادة لا يفسدها ضدها إلا أن يفوت المأمور به كالقائم في الصلاة لا يكون منهيا عن القعود قصدا فلو قعد ثم قام كره لعدم التفويت وكقول أبي يوسف فيمن سجد على نجاسة ثم أعاده
[ ٢ / ٤٠٨ ]
على الطاهر يكره لذلك، وكما قال في ارتفاع الإحرام بترك القراءة في مسائل النفل. وأما في النهي فأثبت في ضده السنية كما قلنا إن المحرم منهي عن لبس المخيط فيسن له لبس الإزار والرداء.
مسألة:
أكثر القائلين بالوجوب أن الأمر بعد الحظر للإباحة، وتوقف إمام الحرمين واختار في الأحكام احتمالها، فإن قيل بالتساوي فالوقف وإلا فالرجحان للإباحة لكثرة الورود فيها، وفخر الإسلام والمعتزلة: أنها للوجوب ولا أثر للحظر
[ ٢ / ٤٠٩ ]
لأنه لو منع لما صح التصريح بالوجوب، وللأكثرين (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا) (وإذا حللتم فاصطادوا) و"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروها" فكان ظاهرا فيها. قلنا بدليل خارجي.
مسألة:
الأمر بفعل في وقت معين إذا فات عنه فالقضاء بعده بأمر جديد عند بعض أئمتنا والمعتزلة ومحققي الشافعية. وبالأول عند الحنابلة
[ ٢ / ٤١٠ ]
وكثير من الفقهاء. وأكثر أصحابنا على أن وجوب القضاء في المنذورات المتعينة بالقياس، لأن النص الموجب للقضاء (فعدة من أيام أخر) "فليقضها إذا ذكرها" فعلل بضمان مثل الأداء، فشرعية جنسه نفلا وصرفه إلى ما عليه مع سقوط فضل الوقت للعجز فيتعدى. وتخرج مسألة النذر بالاعتكاف في رمضان مع التفويت وعدم الإجزاء في مثله على هذا، فقائل علة القضاء التفويت دون النذر، والتفويت مطلق فيجب به كاملا. وقائل: هو بالنذر ووجوبه قياسي، لكن وجوبه مطلقا يستلزم صوما مقصودا، وقد سقط
[ ٢ / ٤١١ ]
لشرف الوقت، وقد فات لعدم القدرة على مثله إلا بحياة يعارضها الموت على السواء فبقي مضمونا بالإطلاق فوجب كاملا فلم يتأد بالناقص وهو الصوم الضمني. القائلون بالأمر الجديد: لو اقتضاه الأول لأشعر به وصم يوم الخميس لا يشعر بيوم الجمعة، ولأن تقييده بالوقت لحكمة لا تحصل في غيره وإلا لساوتها في الوقت الأول فيمتنع ترجيح الأول. أو زادت عليه فيجب ترجيح الثاني فلا يلزم من اقتضائه الفعل في الوقت الأول اقتضاؤه له فيما بعده، وأيضا لاطرد في الجمعة والجهاد، ولخلا "فليصلها إذا ذكرها" عن فائدة، وعورض "فأتوا منه ما استطعتم" وبأن الزمان ظرف ليس من فعل المكلف، فالمطلوب بالأمر الفعل لا غير. وأيضا لكان أداء مثله وبأن الوقت كأجل الدين ففواته غير مسقط. وأجيب بأن المراد ما استطعتم في زمانه، والمأمور فعل مقيد بوقت حتى لو قدم لم يعتد به فاختلاله مؤثر، وإنما سمي قضاء لاستدراك مصلحة المأمور به وليس الوقت أجلا إذ معناه وقت مهلة يتأخر فيها المطالبة، ووقت المأمور به صفة له فلا يحصل بدون صفته.
مسألة:
الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بالشيء خلافا لبعضهم. لنا: لو كان أمرا لكان
[ ٢ / ٤١٢ ]
مر عبدك بأن يتجر في مالك تعديا على ملك الغير، والناقض قول السيد لغانم مر سالما بكذا: قوله لسالم لا تطعه وليس، ولكان "مروهم بالصلاة لسبع" أمر إيجاب للصبيان، قالوا فهم من قول السلطان لوزيره: قل لفلان افعل كذا. وأمر الله رسوله يأمرنا وأمر الرسول رسله في القبائل بأمرهم أن الأمر هو لله ورسوله، والسلطان، قلنا للعلم بأنهم مبلغون.
مسألة:
إذا أطلق الأمر فالمطلوب فعل ممكن الوجود مطابق للماهية المشتركة، وقيل نفس الماهية الكلية وذلك كالأمر بالبيع لا يكون أمرا به بغبن فاحش ولا بثمن المثل فإن الأمر متعلق بالقدر المشترك وهو غير مستلزم لخصوصية كل منهما، والأمر بالأعم لا يكون أمرا بالأخص، وهذا ليس بحق فإن الماهية الكلية لا وجود لها في الأعيان وإلا لتشخصت فكانت كلية وجزئية معا فلم تكن مطلوبة بالأمر وإلا لكان تكليفا بالمحال.
[ ٢ / ٤١٣ ]
مسألة:
الأمران المتعاقبان بغير عطف إن اختلفا عمل بها اتفاقا على الاختلاف في مقتضى الأمر، أو تماثلا فإن لم يقبل التكرار كصم يوم الجمعة صم يوم الجمعة، أو قبله ومنعت العادة كاسقني ماء اسقني ماء، والثاني معرف فمؤكد، وإن لم تمنع ولم يتعرف كصل
[ ٢ / ٤١٤ ]
ركعتين صل ركعتين، فعبد الجبار يعمل بهما إعمالا للصيغة على الأصل وتوقف أبو الحسين. والترجيح للأول لإفادته التأسيس، والثاني التأكيد والأول أصل، فإن قال: إلا أنه مخالف للبراءة الأصلية فتعارض الترجيحان قلنا معارض بما يلزم من الوقف من مخالفة مقتضى الأمر على كل قول فيبقى الترجيح بالتأسيس سالما، أما إذا عطف فإن اختلفا عمل بهما أو تماثلا ولم يقبل تكرارا، أو قبل ولم تمنع عادة ولا الثاني معرف فكذلك مع ترجيح آخر وهو موافقة العطف. وإن منعت أو تعرف، تعارضا والعمل بهما أرجح. وإن اجتمعا مع العطف كاسقني ماء واسقني الماء فالوقف لتعارض العطف والتأسيس مع المنع والتعريف.