اختلف الذاهبون إلى أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار فيه:
قال بعضهم: يقتضي تكراره عند تكرار الشرط والصفة.
[ ٩١ ]
وقال بعضهم: لا يقتضيه- وهو المختار.
دليلنا في ذلك- أن المقتضى للوجوب هو الأمر دون الشرط والصفة، لن الشرط ليس بمؤثر بل هو ما يقف عليه تأثير المؤثر، والأمر في نفسه لا يقتضي التكرار، بل يقتضي الفعل مرة واحدة، فصار المقتضي للفعل مرة واحدة معلقًا بالشرط، وهو كالمرسل عند وجود الشرط، فلا يلزم تكرار الوجوب بتكرار الشرط- دلَّ عليها أن السيد إذا قال لعبده: "إذا دخلت السوق فاشتر اللحم" فإن هذا لا يقتضي تكرار الشراء بتكرار الدخول. وكذا لو قال لامرأته: "طلقي نفسك إذا دخلت الدار" أو قال لغيره: "طلق امرأتي إذا دخلت الدار": لا يتكرر الأمر بالطلاق بتكرار الدخول. وكذا قول القائل: "اضرب زيدًا" إذ كان لا يقتضي التكرار، فقوله: "اضربه إن كان قائمًا" لا يقتضيه أيضًا.
فإن قيل: ليس يمتنع أن يكون ما دخل تحت الشرط مؤثرًا، كما في قوله تعالى: ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وإذا لم يمنع ذلك [فـ] ليس لكم أن تقطعوا على نفي التكرار عند تكرار الشرط- قلنا: لفظ الشرط لا يدل على أن ما دخل تحته مؤثرًا، والكلام فيما إذا لم توجد دلالة أخرى، حتى لو وجد كان علة يتكرر الحكم بتكرره- يدل عليه: أن الخبر المعلق بالشرط لا يقتضي تكرار المخبر به بتكرره، فكذا الأمر- بيانه: أن قائلًا لو قال: "زيد سيدخل الدار إن دخلها عمرو"
[ ٩٢ ]
فدخل زيد الدار بعد ما دخلها عمرو مرارًا- يعد المخبر صادقًا، فلو كان تكرار الدخول من عمرو يقتضي تكرار الدخول من زيد، لما عُدَّ صادقًا- فثبت أن الخبر المعلق بالشرط لا يقتضي التكرار في المخبر به، بتكرره- فكذلك الأمر. والجامع بينهما أن معنى قول القائل: "زيد سيدخل الدار" أي سيكون داخل الدار، ومعنى قول القائل: "ادخل الدار" أي "كن داخلًا الدار"- ثم الخبر بجعل نفسه على هذه الصفة لا يقتضي تكرار المخبر به. وكذلك الأمر بجعل نفسه بهذه الصفة لا يقتضي تكرار المأمور به.
والمخالف في المسألة احتج بأشياء:
منها- أنهم قالوا: وجدنا الأوامر الواردة في كتاب الله تعالى معلقة بالشرط، مقتضية للتكرار، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾. وقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ - علم أن قضية الأمر المعلق بالشرط هذا.
ومنها- اعتبارهم الشرط بالعلة، فقالوا: إن العلة إذا تكررت، يتكرر معلولها، فكذا الشرط، بل الشرط آكد من قِبَل أن الحكم ينتفي بانتفاء الشرط، ولا ينتفي بانتفاء العلة.
[ ٩٣ ]
ومنها- أن الأمر المعلق بالشرط لا اختصاص له بالشرط الأول دون الثاني والثالث، فيجب الفعل مع كل شرط لفقد الاختصاص.
ومنها- أن النهي المعلق بالشرط يقتضي الانتهاء مع كل شرط، على سبيل التأبيد- فكذا الأمر المعلق بالشرط.
[و] الجواب عنها:
أما الأول- قلنا: ليس في هذه الآي ما يدل على كون التكرار مستفادًا من ظاهرها، بل عرفنا التكرار فيها بدلالة أخرى، كما عرفنا التخصيص في بعض عمومات القرآن، بدلالة مخصصة- دلَّ عليه أن الأمر بالحج لا يقتضي التكرار، وإن علق بشرط متكرر، كقوله تعالى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
وأما قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي﴾. وقوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ﴾ - قلنا: ثم علم أن السرقة والزنا علة لوجوب الحد، والحكم يتكرر بتكرر العلة.
وأما الثاني- قلنا: هذا اعتبار فاسد، لأن العلة مؤثرة، والشرط ليس بمؤثر، ولا دليل يدل على وجود المؤثر، فلا يلزم تكرار الحكم بتكرره.
قوله: الحكم ينتفي بانتفاء الشرط ولا ينتفي بانتفاء العلة- قلنا: عندنا: لا فرق، فكما يجوز أن يثبت الحكم بعلة أخرى مع فقد هذه العلة، يجوز أن يوجد شرط آخر مكان هذا الشرط الأول، فيثبت الحكم معه.
[ ٩٤ ]
وأما الثالث- فالقائلون بالفور يقولون باختصاص الأمر بالشرط الأول، فلا يلزمهم هذا الكلام.
وأما القائلون بالتراخي- فلهم تفصيل، وهو أن الشرط الذي علق به الأمر: إما أن يغلب على الظن تجدده، وهو متمكن من الفعل، أو لا يغلب على الظن ذلك. ففي الوجه الثاني، كما في قول القائل: "أعط زيدًا درهمًا إن دخل الدار" يجب الفعل عند الدخلة الأولى، لأنه لو لم يجب وفي الدخلة الثانية شك، كان فيه تفويت المأمور به أصلًا. وفي الوجه الأول كما إذا قال: "أعطه درهمًا إن طلعت الشمس" يجب الفعل مع كل شرط على البدل لا على الجمع، وفقد الاختصاص عمله في ذلك، إلا أن يقوم دلالة من حيث العرف وغيره على طلب الفعل عند الشرط الأول على التعيين.
وأما الرابع- قلنا: قال بعض أهل الأصول: إن النهي يقتضي طلب الانتهاء مع الشرط فقط. ولئن سلمنا، فتكرار الانتهاء ثَمَّ، لا لتكرار الشرط، بل لأن مطلق النهي يقتضي الانتهاء على الدوام. فإذا علق بالشرط أفاد أهل هذه القضية عند الشرط، والفرق بين الأمر والنهي على ما مرَّ في الباب المتقدم.