(أ) وأما تخصيص الكتاب بالكتاب-[ف] أنكره قوم، وجوزناه.
والدليل على جوازه- ما ذكرنا أن المعنى من التخصيص أن يدل على إرادة بعض ما تناوله العام. ولما جاز أن يريد الله تعالى، بخطابه العام، بعض ما تناوله، جاز أن يدلنا على ذلك بالكتاب، فنعقل ذلك- دل على جواز وجوده، فإن الله تعالى خص قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ
[ ٢٢٤ ]
أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وخص قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، وخص قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾.
والمخالف احتج بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: فوض البيان إلى الرسول، فلا يقع ذلك إلا بقوله.
والجواب:
هذا تخصيص بالاسم، وذا لا يدل على نفي الحكم عما عداه، على ما مر. ويعارضه قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ولأن تلاوة النبي ﵇ آية التخصيص بيان منه للتخصيص، والآية لا تقتضي إلا ذلك- والله أعلم.
(ب)
[ ٢٢٥ ]
وأما تخصيص السنة بالكتاب-[ف] أنكره قوم، وجوزناه.
والدليل عليه ما مر: أن التخصيص بيان أنه أراد بالعام بعض ما تناوله، ولا يمتنع تعلق المصلحة بأن يبين الله تعالى بكتابه أن النبي ﵇ أراد بخطابه بعض ما تناوله- دل عليه قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فهو على عمومه، ما لم يخص. ولان سنة الاستقبال إلى بيت المقدس نسخت بالكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. وإذا جاز النسخ، جاز التخصيص بطريق الأولى.
والمخالف احتج بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. والجواب عنه ما مر. ولأنه كونه مبينا لا ينفى أن يأتي بسنة محتاجة إلى البيان، فتبين بسنة أخرى، أو [بـ] كتاب الله تعالى.
واحتج أيضًا بقوله ﵇: "سنتي تقضى على القرآن والقرآن لا يقضي على سنتي"، والجواب أنه قال ذلك على الأعم والأغلب، لأن القرآن في أغلب الأحوال يحتاج فيه إلى بيان الرسول ﵇ في عموماته ومجملاته، وقلما تحتاج السنة إلى ذلك.