وأما تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع: [ف] أنكره قوم، وجوزناه.
والدلالة على جوازه أن الإجماع حجة مقطوع بها، فجاز أن يدل على ذلك كما جاز أن يدل على سائر الأحكام.
دل عليه أن الأمة أجمعت على أن حد العبيد نصف حد الأحرار، وهذا تخصيص لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾، بالإجماع.
[ ٢٢٩ ]
فإن قيل: هذه الآية خُصت بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ قلنا: هذا لا يصلح مخصصا للعبد، لأن المذكور فيه الإماء دون العبيد- دل عليه أنا خصصنا للعبيد [صدورا] عن قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بالإجماع.
والمخالف احتج بأن الإجماع يستند إلى القرآن والسنة، وهو مرفوع لهما، فكيف يعترض بالفرع على أصله؟ .
والجواب- أن الإجماع المخصص لابد أن يصدر عن كتاب أو سنة، وإلا فالأمة لا يجوز منهم الاجتماع على حكم جزافا. وكان الاعتراض على العام بذلك الأصل، لا بنفس الإجماع، إنما الإجماع دليل عليه، ولا نعني بكون الإجماع مخصصا إلا هذا.
وقالوا: لو جاز التخصيص به، لجاز النسخ به. والجواب: إن عنيت به أن يقع الإجماع دليلًا على ذلك، فهو جائز كالتخصيص. وإن عنيت به أن يقع النسخ بنفس الإجماع، فنحن لا نجوز التخصيص به، كما لا نجوز النسخ.