الخوارج من أشد الفرق الإسلامية دفاعا عن مذهبها وحماسا لآرائها، وغلوا في عبادتها، وتضحية في سبيل عقيدتها، أخلصوا لباطلهم إخلاصًا معدوم النظير، كان أكثرهم من العرب الخلص الذين ألفوا الخشونة وشظف العيش، فتطرفوا في آرائهم المنحرفة، وجادلوا خصومهم بفصاحة بيان، وطلاقة لسان، وأخذوهم بعنف وقسوة.
ويرى الخوارج أن عليا أخطأ في التحكيم؛ لأنه يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيهما المحق؟ وليس الأمر كذلك، فإنهم حاربوا وهم مؤمنون أن الحق في جانبهم، وقالوا: "لا حكم إلا الله" فسرت هذه الجملة إلى من يعتنق هذا الرأي، وأصبحت شعارا لهم.
وقد طلبوا من على أن يحكم على نفسه بالخطأ بل بالكفر لقبوله التحكيم، ويرجع عما أبرم مع معاوية من شروط، فأبى على ذلك؛ لأنه لم يشرك بالله شيئا منذ آمن، وكيف يرجع عن اتفاق أمضاه، فاستمروا على عنادهم ومضايقتهم له؛ فإذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم: "لا حكم إلا الله" ولما يئسوا من رجوعه إلى رأيهم اجتمعوا في منزل أحدهم وخطب خطيبهم يقول:
أما بعد فإنه ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا آثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول الحق، وإن من١ وضر؛ فإنه من يمن ويضر في هذه الدنيا، فإن ثوابه يوم القيام رضوان الله ﷿ والخلود في جناته، فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن منكرين هذه البدع المضلة.
_________________
(١) ١ من من من الأمر فلانا. أي أضعفه وأعياه.
[ ٢٦٣ ]
ثم خرجوا إلى قرية قريبة من الكوفة تسمى "حروراء" وسموا حينئذ "بالحرورية" نسبة إلى هذه القرية، كما سموا "بالمحكمة"؛ لأنهم يقولون: "لا حكم إلا الله". وأمروا عليهم رجلا اسمه عبد الله بن وهب الراسبي.
أما تسميتهم بالخوارج؛ فلأنهم خرجوا على وصحبه، وقد يجعل بعضهم هذا الاشتقاق من الخروج في سبيل الله أخذا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ١، وسموا كذلك "الشراة" أي الذين باعوا أنفسهم لله، من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه﴾ ٢. وقد حاربهم على ﵁ وهزمهم، وقتل منهم كثيرا في وقعة "النهروان" فأمعنوا في عدائه، وكادوا له حتى دبروا مؤامرة قتله، فقتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجي.
وظل الخوارج شوكة في جنب الدولة الأموية يهددونها ويحاربونها في جرأة وشجاعة، وكبدوها خسائر فادحة في معارك متواصلة، ويجدر بنا الإشارة إلى أنهم كانوا قسمين:
أحدهما: بالعراق وما حوله، وكان أهم مركز لهم "البطائح" بالقرب من البصرة، وقد استولوا على كرمان وبلاد فارس، وهددوا البصرة، وهؤلاء هم الذين حاربهم المهلب بن أبي صفرة، واشتهر من رجالهم نافع بن الأزرق، وقطرى بن الفجاءة.
ثانيهما: بجزيرة العرب، وقد استولوا على اليمامة، وحضرموت، والطائف، ومن أشهر أمرائهم أبو طالوت، ونجدة بن عامر.
واستمرت حروب الخوارج طوال عهد الدولة الأموية، ثم ضعف شأنهم في عهد الدولة العباسية.
_________________
(١) ١ النساء: ١٠٠. ٢ البقرة: ٢٠٧.
[ ٢٦٤ ]