فإن تفاوت كالوجود للخالق والمخلوق فمشكك، وإلا فمتواطئ /.
وإن لم يشترك فجزئي، ويقال للنوع أيضًا جزئي.
والكلي: ذاتي وعرضي كما تقدم.
الثاني من الأربعة: متقابلة متباينة.
الثالث: إن كان حقيقة للمتعدد فمشترك، وإلا فحقيقة ومجاز.
الرابع: مترادفة، وكلها مشتقة وغير مشتقة، صفة وغير صفة).
أقول: هذا تقسيم آخر للفظ المفرد بالنسبة إلى مدلوله.
واللفظ إما واحد أو متعدد، وعلى التقديرين فمعناه إما واحد أو متعدد فهي أربعة أقسام: الأول قسم، والثلاثة داخلة تحت تعددهما.
القسم الأول: أن يتحد اللفظ والمعنى، فإن اشترك في مفهومه كثيرون يحمل اللفظ عليهم إيجابًا فهو الكلي، وهو ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه.
والمراد بالكثير ما هو أعم من الأفراد المحققة أو المتوهمة؛ لأنه قد يكون ممتنعًا في الخارج، إما بنفس المفهوم كالجمع بين النقيضين، أو لأمر خارج عن المفهوم كشريك الإله.
وقلنا: إيجابًا؛ لأن زيدًا يشترك كثيرون في سلبه عن مفهومه، وليس بكلي.
[ ١ / ٣٠٠ ]
ثم الكلي إما أن تتساوى أفراده في مقوليته عليها، سواء كانت ذهنية أو خارجية أو مختلطة، أو تتفاوت.
والثاني المشكك، سمي بذلك لأن الناظر في مفهومه يشك أنه من قبيل المتواطئ لتساوي الأفراد في حصول المعنى، أو هو مشترك لتفاوت الأفراد في ذلك المعنى، ومن هنا جاءت الأقوال الثلاثة فيه.
ثم التفاوت يكون بالشدة والضعف، وبالأولوية وعدمها، وبالأقدمية وعدمها، والأول كبياض الثلج والعاج، والثاني والثالث كالوجود للخالق والمخلوق، فإنه في الواجب أولى وأقدم.
وجعل جماعة من الشراح التفاوت في الوجود بالمعاني الثلاثة.
قلت: فيه نظر؛ لأن معنى الشدة أن يكون الحال الغير القادر في المحل الثابت تتبدل نوعيته فيه، كاسوداد الجسم شيئًا فشيئًا، ويتجدد جميعها على ذلك المحل المتقدم دونها من حيث هو متوجه بتلك التجديدات إلى غايةٍ
[ ١ / ٣٠١ ]
ما، ومعنى الضعف كذلك، إلا أنه من حيث هو منصرف بها عن تلك الغاية كانسلاخ السواد شيئًا فشيئًا، فالأخذ في الشدة والضعف هو المحل لا الحال المتجدد، ومثل هذا الحال لا يكون إلا عرضًا؛ لأن المحل متقدم دونه، والوجود لما لم يكن محله متقدمًا دونه، لم يتصور الاشتداد فيه.
وإن لم تتفاوت فمتواطئ، لتواطؤ الأفراد وتساويها في المعنى، كالإنسان بالنسبة إلى أفراده، وذكر السهروردي أن بعض الأصوليين اصطلح على تسمية ما لا يمنع تصوره من الشركة فيه بالعام.
والأكثر على تسميته بالمطلق.
وإن لم يشترك في مفهومه كثيرون، فهو الجزئي الحقيقي، كزيد.
وإطلاق الكلي والجزئي على اللفظ إنما هو باعتبار معناه، فتسمية اللفظ به مجاز، ويقال للنوع أيضًا جزئي إضافي باعتبار أنه مندرج تحت جنسه.
قالوا: والإضافي أعم؛ لاندراج كل شخص تحت ماهيته المعراة عن المشخصات، وليس كل جزئي إضافي حقيقيًا، لجواز كونه كليًا، كالإنسان وليس جنسًا له؛ لأنا نتصور كون الشيء مانعًا من الشركة مع الذهول عن كونه مندرجًا تحت كلي.
قلت: وفي كونه أعم نظر؛ لأنه منقوض بالباري تعالى، والحقيقي
[ ١ / ٣٠٢ ]
والكلي متباينان. لا يقال: الكلي محمول عليه فلا مباينة.
لأنا نقول: المحمول الكلي الطبيعي لا المنطقي.
ثم الكلي إن لم خارجًا عن حقيقة ما تحته فهو الذاتي كالحيوان بالنسبة / إلى الإنسان، وإلا فعرضي كالضاحك بالنسبة إلى الإنسان، وقد تقدم الكلام عليهما.
القسم الثاني من الأربعة: وهو مقابل الأول، وخصه بذلك لأن بينهما غاية التقابل، وتسمى متباينة؛ لأن كلًا منهما باين الآخر في معناه ولفظه.
وهذه النسخة أولى من التي فيها متقابلة، إذ ذاك اصطلاح غير معروف، وما قيل [من] أنه ترجيح من غير مرجح - إذ الرابع يقابل الثالث ولم يقل ذلك - فساقط؛ لأن ذكره هنا ليتعين به، وفي الرابع تعين بحيث لم يبق غيره.
[قلت: والمناسب ما فعله المؤلف؛ لأنه نبه بقوله: (مقابله) على العلة التي لأجلها اتبعه الأول، وهي حضوره في الذهن عند ذكر مقابله، واكتفى بهذا عن ذكره في الرابع، وإن كان مقابلًا للثالث].
ثم المتباينة قد تكون متفاضلة كالإنسان والفرس، وقد تكون متواصلة كالسيف والصارم.
[ ١ / ٣٠٣ ]
القسم الثالث: أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى كثيرًا، فإن كان اللفظ حقيقة في كل واحد من تلك المعاني المختلفة، بأن يكون وضع لكل واحد منها وضعًا أوليًا، فهو المشترك، كالعين بالنسبة إلى مفهوماته.
وإن لم يكن حقيقة، بأن لا يكون موضوعًا لكل واحد وضعًا أوليًا، فهو حقيقة بالنسبة إلى المعنى الذي وضع له، ومجاز بالنسبة للمعنى الثاني الذي استعمل فيه لعلاقة بينهما، كالأسد للحيوان المفترس والرجل الشجاع، وهذا بناء على أن المجاز يستلزم الحقيقة، وإلا فقد يكون لهما مجازًا.
القسم الرابع: أن يتحد المعنى ويتعدد اللفظ، وتسمى هذه الألفاظ مترادفة لترادفها على المعنى، مأخوذ من رديفي الدابة، كالليث والأسد.
والأقسام الأربعة تكون مشتقة إن شارك اللفظ غيره بحروفه الأصول ومعناه، وغير مشتقة إن لم يكن كذلك، وكلها صفة إن دل على معنى قائم بذات العلم، وإلا فغير صفة كالإنسان، وإليك طلب الأمثلة في سائر الأقسام.
قال: (مسألة: المشترك واقع على الأصح.
لنا: أن القرء مشهور للطهر والحيض معًا على البدل، من غير ترجيح).
أقول: المشترك هو: اللفظ الواحد الموضوع لمعنيين فأكثر وضعًا
[ ١ / ٣٠٤ ]
أوليًا.
فبالقيد الأول خرج المتباين.
وبالثاني خرج المتواطئ والمشكك.
وبالثالث خرج المجاز إن قلنا إنه موضوع، فإنه ليس وضعًا أوليًا.