هذه الأسماء أربعة: الظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم.
أما الظاهر: فما ظهر للسامعين بنفس السماع، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم﴾، ﴿وأحل الله البيع﴾، ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾.
وحكمه: التزام موجبه بنفس السماع يقينًا وقطعًا، عامًا كان أو خاصًا على ما مر.
وأما النص: فهو الزائد عليه بيانًا إذا قوبل به بضرب دلالة خاصة بعد دلالة اللفظ بعد ذلك في الظاهر من قولك: نصصت الدابة أظهرت سيرها بسبب منك فوق سيرها المعتاد، وهو اسم لما دون الخبب من الأنواع.
والمنصة: العرش الذي يحمل عليه العروس لأنه سبب زيادة ظهور، ولهذا ظن بعض الناس أن النص اسم للخاص وليس كذلك، بل هو اسم لما ذكرنا من تفسيره، ولكن تلك الزيادة لما كانت لا تحصل إلا بقرينة خاصة ظن بعض الناس أنه يختص به فيكون خاصًا.
وزعم أن الظاهر لا يكون حجة في غير ما سيق له، وإنما السياق دليل النص، وليس كذلك لأن العبرة عندنا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب الذي سيق الكلام له على ما سيأتيك بيانه.
ومثاله قول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ نص في التفرقة بين البيع والربا في صفة الحل والحرمة، وآية البيع ظاهرة تجيز كل بيع وليست بنص لأن الآية ما سيقت لإحلال البيع ولكن لإثبات التفرقة بينهما درًا على الفكرة.
وكذلك قول الله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ نص على بيان العدد لأنها سيقت لأجله عامة ظاهرة تجيز نكاح ما يطيب لنا من النساء.
وقوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ نص على وجوب الطلاق للعدة إذا أراد الطلاق لأنها سيقت لبيان الوقت ظاهرة على وجوب الاقتصار على قوله: طلقت،
[ ١١٦ ]
ليكون الامتثال بالأمر بقدر ما يوجبه الأمر.
فيكون النص والظاهر مما يجب العمل بظاهرهما وإنما يظهر الفرقان بينهما عند المقابلة فيكون النص أولى من الظاهر.
وأما المفسر: فالمكشوف معناه الذي وضع الكلام له كشفًا لا شك فيه، سواء كان الكشف من حيث النص بأن كان لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، ولكنه كان خفيًا بكون العربية غربية.
أو المعنى دقيقًا من الاستعارات فكشف عنه بالدلالة.
أو كان ظاهرًا ولكنه يحتمل التأويل بدلالة تقوم فسد باب التأويل بالتفسير حتى لم يبق له محمل فصار فوق النص بانسداد باب التأويل بدليل كقول الله تعالى: ﴿فسجد الملائكة﴾ هذا اسم ظاهر للجماعة ولكنه يحتمل الخصوص فلما فسره بقوله: "كلهم" انسد باب الاحتمال.
وحكمة: اعتقاد ما في النص وزيادة أنه لا يحتمل تأويلًا.
وأما المحكم: فما أحكم المراد منه بحجة لا تحتمل التبدل، من قولك: أحكمت الصنعة إذا أمنت انتقاضها فيصير حكم المحكم بتلك الحجة من قبيل ما لا يحتمل الانتساخ فيصير فوق المفسر لأنه مما يحتمل الانتساخ إن لم يحتمل التأويل، وهذا كقول الله تعالى: ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ وقد ثبت بدليل المعقول أنه وصف دائم أبدًا لا يجوز سقوطه، ولهذا سمى الله تعالى المحكمات: أم الكتاب أي الأصل الذي يجب الرجوع إليه كأم الولد لأن مرجع الولد إليها، ومكة أم القرى لأن المرجع إليها في الحج، وفي آخر الأمر.
وحكمه: حكم المفسر وزيادة أنه لا يحتمل الانتساخ.
ولهذا الأسماء أضداد:
الخفي: ضد الظاهر.
والمشكل: ضد النص.
والمجمل: ضد المفسر.
والمتشابه: ضد المحكم.
فالخفي: اسم لما خفي معناه بعارض دليل غير اللفظ في نفسه فبعد عن الوهم بذلك العارض حتى لم يوجد إلا بطلب، من قولنا: اختفى فلان إذا صار بعارض حيلة صنعها بحيث لا يوقف عليه إلا بطلب، وإنها كآية السرقة فإنها ظاهرة في كل سارق لم يعرف باسم آخر خفية في حق الطرار والنباش لأنهما يعرفان باسمين خاصين، فبعدا عن اسم السارق بسبب اسم معرفة عن اسم السرقة على ما تستبق إليه الأوهام حتى اختلف
[ ١١٧ ]
العلماء في قطع النباش لشدة الخفاء في حقه.
وفوق الخفي المشكل: وهو الذي أشكل على السامع طريق الوصول إلى المعنى الذي وضع له واضع اللغة الاسم أو إرادة المستعير لدقة المعنى في نفسه لا بعارض حيلة.
كما يشكل طريق المنزل إذا دق في نفسه فكان هذا الخفاء فوق الذي كان بعارض حلية حتى كاد المشكل يلتحق بالمجمل، وكثير من العلماء لا يهتدون إلى الفرق بينهما.
وفوق المشكل المجمل: وهو الذي لا يعقل معناه أصلًا لتوحش اللغة وضعًا، أو المعنى استعارة، وهو الذي يسميه أهل اللسان: الغريب، والغريب: اسم لمن فقد في مكان وجوده عادة، وهو الوطن وصار بحيث لا يوفق عليه بعد الغربة إلا عن استفسار، وهو كقول الله تعالى: ﴿وحرم الربا﴾ لأن الربا في اللغة: الفضل، ولكن الله تعالى ما أراده فالربح حلال ولكن أراد به بيوعًا محرمة شرعًا بسبب فضل أو غيره، فصارت غربية بأن نقلت عما وضع له واضع اللغة إلى معنى أراده المتكلم، فصار لا يوقف على المعنى المراد إلا بعد البيان، إلا أن يكثر الاستعمال لمعنى معلوم فيصير المعنى بالاستعمال كالأهلي وكالغريب إذا توطن ببلدة عرف بها فكان المجمل فوق المشكل، فالمشكل ما له طريق إلى مراده ولكن اشتبه لدقته وخفائه، والمجمل ما لا طريق إلى مراده ولكن احتمل بيان الطريق.
وفوق المجمل المتشابه: وهو الذي تشابه معناه على السامع من حيث خالف موجب النص موجب العقل قطعًا ويقينًا التبديل فتشابه المراد بحكم المعارضة بحيث لم يحتمل زوالها بالبيان، لأن موجبات العقول قطعًا لا تحتمل التبديل ولا موجب النص بعد رسول الله ﷺ، قال الله تعالى في المتشابه: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ فكان فوق المجمل الذي يحتمل البيان والله أعلم به.
وحكم الخفي: وجوب الطلب على العبد بتأمله في نفسه حتى يظهر.
وحكم المشكل: وجوب الطلب بتأمله في نظيره من كلام العرب مما عقل معناه.
وأما المجمل فحكمه: التوقف فيه، واعتماد أن ما أراد الله تعالى منه حق إلى أن يأتيه البيان من غيره، كالذي ضل الطريق فسبيله التوقف إلى أن يأتيه من يهديه، وكذلك يلزمه الاشتغال بطلب من يهديه إن رجا ذلك، ثم بعد البيان يلزمه ما يلزمه بالمفسر أو الظاهر عل حسب اقتران البيان به.
وأما المتشابه فحكمه: التوقف أبدًا على اعتقاد الحقيقة للمراد به فيكون العبد به مبتلى بنفس الاعتقاد لا غير، والله أعلم.
[ ١١٨ ]
باب