وسبب وجوب الزكاة: النصاب من المال الذي عرف في الزكاة، بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف النصب في وقت واحد، وبدليل الإضافة إليه فيقال: زكاة مال السائمة، وزكاة مال التجارة وقال ﷺ: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى"، وقال لمعاذ: "ثم أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" والغنى يكون بالمال.
فإن قيل: إن الزكاة في مال واحد تتكرر بتكرار الحول فعلم أنه سبب؟
قلنا: نعم لأن المال إنما يصير سببًا ونصابًا إذا أعد للنمو بسببه من تجارة أو سائمة، فبهذا الوصف يصير مال الزكاة فيصير السبب هو الوصف في الحقيقة فإنه الجاعل للمال سببًا، والنمو لا يكون إلا بمدة فقدر الشرع بالحول تيسيرًا علينا فقام الحول مقام النمو الذي به يصير المال سببًا، ولما قام مقام السبب تكرر بتكرره وفي الحقيقة التكرار بتكرار النمو فإن الذي يوجد في حول يجيء غير الذي مضى في الحول الأول.
وسبب وجوب العشر الأراضي النامية ونموها بما نستنبتها، وكذلك الخراج بدلالة أنه يقال: عشر الأرض وخراج الأرض ولا يجبان إذا اصطلم الزرع آفة قبل حين الوجوب لذهاب النماء، ثم تكرر الوجوب بتكرر الحول في الخراج وفي العشر بتكرر الخارج على مثال تكرر الزكاة بتكرر الحول لا فرق بينهما.
وسبب وجوب الجزية الرؤوس بأوصاف معلومة لأنه يقال: خراج الرأس، ويتضاعف بعدد الرؤوس وتكرارها بالحول على نحو تكرار الزكاة.
وبيانها أن أهل الذمة يصيرون من أهل الإسلام بالذمة كالمسلمين، والله تعالى فرض على المسلمين نصرة الدار بقتال أهل الحرب كما ينصر كل قوم دورهم إذا قصدهم عدو، وأهل الذمة لم يصلحوا لذلك فإن القتال نصرة لدار الإسلام ودين الله تعالى عبادة، وليسوا
[ ٦٣ ]
هم بأهل لها فضرب الشرع على الرؤوس الصالحين للقتال لو كانوا مسلمين مالًا للمقاتلة من المسلمين ليكون المال عونًا لهم فيحصل بأموالهم بعض النصرة، ثم النصرة بالقتال كان يجب متكررًا غير دائم فكذلك المال الذي هو بدله إلا أن الشرع قدره بالحول تيسيرًا للعمل به وتشبيهًا بالمؤن الشرعية.
أما الحج فسبب وجوبه: البيت دون الوقت، بدليل أنه لا يتكرر بتكرر الوقت، وإنما يجب مرة لأن السبب هو البيت وإنه لا يتجدد بتجدد الوقت، وكذلك يضاف إلى البيت فيقال: حج البيت قال الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ إنما الوقت شرط عنده يجب كحين الإقامة في صوم المسافر، وفيه يؤدى كوقت الصلاة واليوم في حق الصوم والأداء.
وأما الاستطاعة فصفة للعبد عندها يحل الوجوب به تيسيرًا علينا لما في السفر بلا زاد ولا راحلة من المشقة، كالإقامة في باب الصوم وليس بصفة لما هو سبب من البيت فلا يجعل من السبب كالطهارة تجب للصلاة، ولا تجب إلا على المحدث فلم يكن الحدث سببًا للوجوب ولهذا قيل: إذا عجل العبد الحج قبل الاستطاعة أجزأه، فتفسير الاستطاعة ملك الزاد والراحلة، والأداء قبل ملكهما جائز لأن السبب قد وجد كما يجوز للمسافر أن يصوم قبل الإقامة لأن السبب وهو الشهر قد وجد، ولذلك لا يتجدد الوجوب بتجدد ملك الزاد والراحلة، ولا يضاف إليهما فصار تأويل الآية- والله أعلم-: ولله على الناس المستطيعين حج البيت حقًا للبيت، واجبًا بسببه إذا جاء وقت الأداء.
فإن قيل: إن وقت الحج أشهر الحج وهي شوال إلى العاشر من ذي الحجة، والأداء غير جائز لأول شوال فكيف يقال إنه شرط الأداء، وعلم أنه سبب الوجوب؟
قلنا: قد ذكرنا أن امتناع جواز الأداء شرعًا في وقت يدل على أنه ليس بسبب للوجوب، ثم الجواب أن الأداء جائز في الوقت كله فإن من أحرم بالحج في رمضان وطاف بالبيت وسعى فيه ثم طاف طواف الزيارة فعلية أن يعيد السعي لأنه كان قبل الوقت، ولو طاف وسعى في شوال لم يكن عليه الإعادة لأنه كان في وقته إلا أن للحج أركانًا أخر ولكل ركن وقت على حدة، فلم يجز قبل وقته الخاص، كما لا يجوز طواف الزيارة قبل يوم عرفة وهو وقت أداء الركن الأعظم، ولا يجوز رمي اليوم الثاني في اليوم الأول ولا قبل الزوال، والسعي واجب غير مؤقت بوقت خاص فيؤدى في جميع وقت الحج.
وأما سبب وجوب صدقة الفطر على المسلم: فرأس يلزمه مؤنته بولايته عليه، ووقت الفطر شرط عمل السبب في الإيجاب عنده بدليل تضاعف الوجوب بتضاعف هذه الرؤوس أحرارًا كانوا كالأولاد الصغار أو مماليك، وإن كان يوم الفطر واحدًا.
وكذلك يجب على من أسلم ليلة الفطر أو بلغ ولم يكن عليه صوم فعلم أن الصوم
[ ٦٤ ]
ليس بسبب إلا أنها لما ألحقت بمؤنة اليوم كفاية للفقراء تكررت بتكرر اليوم، كما تكررت المؤنة على مثال تكرار الجزية بتكرر الحول لقيامها مقام النصرة وهي متكررة.
فإن قيل: أليس أنه لا يجب على من أسلم بعد الصبح بمضي السبب على المفر؟
قلنا: نعم فإن الرأس ليس بسبب للوجوب في وقت خاص وهو انفجار الصبح يوم الفطر فإذا لم يكن أهلًا للوجوب فيه لم يجب كما لا يجب الحج على المستطيع إذا كان كافرًا أو صبيًا في أشهر الحج كله لا فرق بينهما إلا أن ذلك وقت ممدود، وهذا وقت مقصور وإنما تضاف الصدقة إلى الفطر مجازًا لأنها تجب فيه لا لأنه سبب فطر بدليل ما ذكرنا، ولأن صدقة الفطر لا تجب بيوم الفطر عن رأس آخر غير رأسه ما لم يكن بالوصف الذي قلناه، وذلك الرأس لو جعل شرطًا والوقت سببًا لكان شرطًا من حيث يجب عليه وكان محل الوجوب، وقد قام لنا الدليل أنه لا يجب عليه فإنه يجب عندنا عن عبده الكافر والكافر لا يجب عليه عبادة، ولا صدقة، وإذا لم يكن الرأس شرطًا كان سببًا لا محالة لصفة غير الكفر، فإن الزكاة تجب عن عبده الكافر إذا كان للتجارة والوقت صالح للشرط كوقت الحج فجعل الوقت شرطًا والرأس سببًا.
فأما الكفارات: فأسبابها ما أضيفت إليه كالقتل خطأ واليمين والظهار والإفطار عن صوم رمضان، وكذلك الحدود كالزنا والسرقة والقذف وشرب الخمر والسكر.
وسبب وجوب الوضوء الصلاة: يقال إنه طهارة الصلاة ويسقط في نفسه متى سقطت الصلاة، ولكنه لا يجب إلا على المحدث كما لا يجب الحج إلا على المستطيع، والصوم إلا على المقيم، ولأن الوضوء شرط لإقامة الصلاة، والشروط لا تجب إلا لما علق صحته بها كالشهادة في النكاح واستقبال القبلة في الصلاة.
وقد ذكرنا سبب وجوب أصل الدين وسبب العبادات، وسبب العقوبات وهي الحدود وسبب الكفارات المترددة بين العبادة والعقوبة.
فأما سبب المعاملات وهو رابع الأسباب: فتعلق البقاء المقدور بتعاطيها.
وبيانه أن الله تعالى خلق هذا العالم وقدر بقاء جنسه إلى حين القيامة من طريق التناسل، ولا تناسل إلا بإتيان الذكور النساء في موضع الحرث فشرع الله تعالى له طريقًا يتأدى به ما قدر الله تعالى من غير أن يتصل به فساد وضياع، وهو طريق الازدواج بلا شركة في الوطء.
ففي الوطء على التغالب فساد.
وفي الشركة ضياع النسل فإن الأب متى اشتبه عليه الولد بقي على الأم وما بها قوة كسب الكفايات في أصل الجلبة.
[ ٦٥ ]
وكذلك خلق النفوس وقدر بقاءها إلى آجالها ولا طريق للبقاء غير إصابة المال بعضهم من بعض فقدر المحتاج إليه لكل شخص لن يتهيأ له إلا بأناس آخرين وبما في أيديهم، فشرع الله لذلك أسبابًا للإصابة على تراض ليكون طريقًا لبقاء ما قدره الله تعالى من غير فساد ففي الأخذ بالتغالب فساد.
ويدل عليه أن الله تعالى خلق الدنيا دار محنة وابتلاء بخلاف هوى النفس على ما قال: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ والعبادة أعمال بخلاف هوى النفوس، وما خلقها دار نعمة واقتضاء شهوة، وإنما هي دار الآخرة للمؤمنين فعلمنا أنه ما شرع لنا طريق الأكل والوطء وما يقضى من الشهوات بالأموال لأنفسها بل لحكم تحتها ابتلانا بإقامته.
وفي الناس مطيع يعمل لله تعالى بلا شهوة له، وعاص لا يعمل فخلق الله الشهوات مقرونة بها ليأتيها المطيع لحق الأمر، والعاص لحق الشهوة فيتأدى بالفريقين جميعًا حكم قدرة الله تعالى فيكونوا جميعًا في ما فعلوا مبتلين بها من الله تعالى بخلاف هوى نفوسهم، فإن الله تعالى قدر أن يكون للنار خلق استوجبوها بما كان منهم، وكذلك قدر أن يكون للجنة خلق استحقوها بما كان منهم جزاء وفاقًا فحفت النار بالشهوات والجنة بالمكاره، فصار مرتكب الشهوة مع الصابر على المكروه مبتلين بإقامة ما حكم الله تعالى على ما قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس﴾ الآية وإنما كانوا لجهنم بما كان منهم من خلاف الأمر على سبيل الاختيار وقال: ﴿فسنيسره لليسرى﴾ ﴿فسنيسره للعسرى﴾ وقال ﷺ: "كل ميسر لما خلق له" فصار كل منا مبتلى بعمل خلق له في عامة أمره تقديرًا أطاع الأمر أو ارتكب النهي اثباتًا لقهر العبودية عليهم، وعظمة الألوهية تبارك الله الواحد القهار.
فالمطيع في طاعة ربه لأول أمره مبتلى بخلاف هوى نفسه.
والكافر مبتلى في طاعة نفسه لإقامة حكم الله في عاقبة أمره، بخلاف هوى نفسه إلا أن ابتلاء المطيع بالأمر وابتلاء الكافر بالقدر والحكم لله الأكبر.
[ ٦٦ ]