وأما المشكل، وهو وقت الحج: فمن حكمه أنه إذا وجب مضيقًا لا يحل له التأخير عن السنة الأولى عند أبي يوسف، وعند محمد يحل، وعن أبي حنيفة ﵁ فيه روايتان.
لمحمد ﵀: أن الحج فرض العمر، والعمر يشتمل على سنين فيها أشهر الحج ما لم يقطع بالموت، والعمر ثابت والموت فيه شك فلا يرتفع الثابت بالشك فيبقى حكمه على الحياة فيصير الوقت متسعًا كوقت الصلاة، وهذا كما قلنا في صيام قضاء رمضان، وصيام الكفارة أن للعبد التأخير لأن قضاء ذلك القدر يجب في العمر كله، والعمر مشتمل على أيام وشهور كثيرة ما لم يقطع بالموت وفيه شك فلم يثبت وبقيت الحياة حكمًا.
ولأبي يوسف ﵀: أن الأداء يفوت بفوت وقت الحج لا محالة من تلك السنة، وإنما يرتفع الفوت بإدراكه سنة أخرى، وفي الإدراك شك لأن حال عيشه سنة ليست بالأرجح من موته فيها فلا يثبت الإدراك فيبقى على الفوت حكمًا فيحرم التفويت.
بخلاف ما لا وقت له من العبادات لأن الفوت بموته، ولا فوت للحال لأنه حي، وقد وقع الشك في موته إن أخر لأنه ربما يموت وربما لا يموت فلا يثبت بالشك فيبقى على أن لا فوت.
وبخلاف الصوم لأن الوقت وإن فات بمجيء الليل فلا يعود إلا بالحياة إلى اليوم، وربما يموت فجهة الحياة أرجح لأن الفجاءة نادرة في باب المنايا، وموت الإنسان في قدر ليلة أو يومين أو ثلاثة من الفجاءة ولا يقع إلا نادرًا، ولما ترجح جهة الحياة بقي عليها
[ ٧٠ ]
كالمفقود بحكم موته إذا انقضت مدة يموت فيها أقرانه لأن الحياة بعدها نادر فيترجح الموت.
فأما الموت على سنة أو شهر فلن يكون نادرًا للحي الصحيح، وإذا لم يكن نادرًا لم تترجح جهة الحياة على جهة الممات، والفوت ثابت للحال فلا يرتفع بالشك على أن الصيام التي تجب مطلقة غير مؤقتة فذكر شهرين أو ثلاثة أيام لتقدير الواجب لا لتوقيته، وإنما لا يجوز الأداء ليلًا لعدم العبد ما يؤدي به، فالصيام لم يشرع ليلًا لعدم وقت أداء الكفارة، ألا ترى أنه لو أدى بالإطعام يجوز وهذا كما يعجز عن الأداء إذا لم يملك الرقبة ووجد ثمنها، وإن كان وقت الأداء قائمًا.
ومن حكمه: أن فرضه لا ينفي حجًا آخر لأنه لا فرق بين الحج والصلاة على ما مر بيانه، إلا أن وقت الحج متضيق على أصل أبي يوسف﵀- فيعتبر بوقت الصلاة إذا ضاق وإنه لا ينفي صلاة أخرى.
فإن قيل: لو لم ينتف النفل بالفرض لما تأدى الفرض بنية مطلق الحج كالصلاة.
قلنا: إنما لم تتأد الصلاة بمطلق النية لأن فيه صلوات مشروعة ولم يكن بعضها بأولى من بعض شرعًا ولا عرفًا، فالشرع قدم القضاء على الأداء وقدم السنن، وكذلك يفعل العرف.
فأما الفرض في باب الحج فمتعين أداء بالعرف والعادة، لأنا لا نجد في العرف من يتكلف لحج بيت الله تعالى وعليه الفرض إلا للفرض، فلما ترجح الفرض بالعرف انصرف مطلق تسمية الحج إليه كما إذا باع شيئًا بدراهم، انصرف المطلق إلى نقد البلد مع بقاء سائر النقود دراهم حتى إذا سماها ثبتت.
ولأنا لم نجد في العادات السليمة خروج أحد حاجًا وعليه حجة الإسلام إلا لها فتثبت النية متعينة كذلك بالخروج نفسه، وتبقى على ذلك ما لم يوجد منه ما ينافيها، والمطلق لا ينافيها فبقيت الأولى وهي متعينة فصح الأداء بنية التعيين، وهذا كما تقول فيمن أغمي عليه في رمضان ليلًا ولم يفق إلى يومين: أن صوم اليوم الأول تام وإن لم يشعر بحاله، لأنا لا نجد في العادات السليمة من أهل الإسلام إلا وأن يكون على نية الصوم أيام الشهر، كما دخل الشهر، إلا أنها لا تصح قبل الليل فحكمنا بصحة صومه بدخول الليل وإن لم يعلم بنيته لأن النية ثابتة بالعادة، لا لأن الصوم يجوز بغير النية.
ومن حكمه: أنه إذا أحرم بعد سنين كان مؤديًا لا قاضيًا لأن التضييق كان بحكم الإشكال على ما مر، فلما عاش ارتفع الإشكال وصار بمنزلة وقت الصلاة.
فإن قيل: لو كان الوقت على حكم التضييق لما حل له تأخير الإحرام عن أول أشهر الحج، كما لا يحل التأخير عن آخر وقت الصلاة.
[ ٧١ ]
قلنا: لا تضيق في حق تلك السنة، فإن الوقت لا يفوته إلا يوم عرفة بمنزلة وقت الصلاة.
ومن حكمه: أنه لا يسقط عن العبد إذا مات بعد التمكن من الأداء بعد الوجوب، لأن الفوت ثابت بمضي الوقت من أول السنة الأولى، وإنما يرتفع بإدراك وقت آخر من سنة أخرى فإذا مات ولم يدركه تحقق الفوت بما أخر عن السنة الأولى، والتفويت موجب ضمان القضاء لا السقوط، كما في الكفارات لا يبرأ عنها بالموت بعد المكنة، لما في الموت من التفويت.
ومن حكمه أيضًا: الإثم إذا مات، أما على قول أبي يوسف فلأن التأخير كان حرامًا.
وعلى قول محمد ﵀ حل له بشرط ألا يصير مفوتًا وذلك برجاء الحياة وإدراك وقت آخر، وإذا مات صار مفوتًا فذهب شرط الإباحة فبقي حرامًا، والإباحات جائزة بشروط فيها حظر لأن العبد إن شاء لم يستبح بالحظر كما أبيح للرامي رمي الصيد بشرط أن لا يصيب مسلمًا أو مالًا محترمًا، وكان كمن أخر الصلاة بلا عذر على تأويل أن في باقي الوقت سعة حتى ذهب الوقت فإنه يأثم.
وأما حكم الوقت الذي هو معيار، وهو وقت الصوم على ما مر فحكمه أن لا يحل التأخير عن أوله لأنه لا يتأدى إلا في جميعه.
ومن حكمه: أن فرضه ينفي سائر الصيام عنه شرعًا، لأن الشرع إنما يشرع من العبادات ما يتصور منا فعلها، لأنها أسماء لأفعالنا تعظيمًا لله تعالى واليوم الواحد لا يتصور منا فيه إلا فعل صوم يوم واحد لأنه مقدر به ومعيار لوجوده لا يوجد ببعضه ولا في غيره، وإذا صار الذي يتصور شرعه فيه فعل صوم واحد وجعل بالشرع فرضًا لم يبق فيه غيره، وإن كان فعل الأداء في الذمة كأن الله تعالى يقول: جعلت ما يتصور من الصوم غدًا فرضًا لي بحق الوقت عليكم.
وكمن استأجر رجلًا ليخيط له هذا الثوب قميصًا بدرهم فخاطه الرجل يريد الإعانة كانت على الإجارة، وإن كان الإيجاب تناول فعلًا في الذمة لا منفعة وقت الأداء إلا أنه أوجب في ذمته خياطة ذلك الثوب قميصًا، وإنه لا يتصور فيه إلا خياطة واحدة، وإذا صارت واجبة بالإجارة لم يبق غيرها فيه خياطة أخرى منه.
بخلاف وقت الصلاة لأن الوقت ليس بمعيار لفعل الصلاة على ما مر بل هو شرط للأداء أو سبب، والشرط الواحد يصلح لصلوات وكذلك العلة ولهذا يجتمع فيه صلوات يؤديها جملة فانقلاب إحداها فرضًا لم ينف الأخرى كالرجل يؤاجر نفسه للخياطة قميصًا في يوم عيّنه يمكنه أن يخيط لغيره فيه بإجارة، وكذلك له في ثوب آخر لأن الوقت ليس بمعيار لعمله الذي سماه، إنما المعيار لعمله الذي سماه هو الثوب فلا ينفي فيه منه
[ ٧٢ ]
خياطة أخرى وتبقى في الوقت إذا كان المعيار هو الوقت.
ومن حكمه: التأدي فيه بنية مطلق الصوم، لأن نية صفة الصوم لتعيين الصوم بوصفه الخاص عن سائر العبادات والأعمال، وإذا لم يكن في رمضان غير الفرض أصابه بمطلق الاسم الذي يعينه عن سائر العبادات والأعمال، ولهذا قال زفر ﵀: إنه يؤدي بغير نية لأنه متعين إلا أنا شرطنا النية لأن المتعين مشروع لله تعالى من فعل الصوم علينا، لا ما يؤدي العبد الواجب عليه به، فالواجب في الذمة، والعبد يؤديه بفعل مملوك له بجعله عمله لله تعالى، فيتأدى به الواجب كدراهم في الذمة يؤدي من عليه بدراهم له، فيتأدى به الواجب بعمله.
ولما لم يتناول الإيجاب عمله بقي له ولم يصر لله تعالى ما لم يجعله العبد له بخلاف من آجر نفسه لخياطة ثوب قميصًا فخاطه لا ينويها لصاحبه لأنه لما سلم إليه الثوب الذي أمره بتسليم العمل إليه بجعله صفة له، والصفة تابعة للموصوف تعين العمل للأمر بتعيين الموصوف له من غير قصد تعيين كمن آجر داره بدهم ثم قال للمستأجر: رم ما استرمت من الأجر الذي لي عليك، فرمها تعين ما أنفق فيها للآمر، لصيرورة المرمة صفة للدار المتعينة للآمر حسب التعين بالصرف إلى الآمر.
فأما هنا فالوقت معيار لأداء الصوم من غير أن يصير الصوم صفة له، فلا يتعين لله تعالى بتعين الوقت لله تعالى كرجل عليه دراهم فدفع صاحب المال إليه ميزانًا ليزنها فوزن به لم يتعين لصاحب الدين بتعين المعيار له، والوقت معيار يعرف به قدره لا غير، ولكنه إذا فعله لله تعالى كانت عبادة، وذلك بقصده كفعل الصلاة.
ومن حكمه: جواز الأداء بوجود النية في أكثر النهار، لأن الوقت لما صار معيارًا للمشروع وللأداء أيضًا، فلا يتصور إلا بالوقت كله لم يجز الأداء إلا من أول النهار إلى آخره، وأول النهار وقت لا يوقف عليه أصلًا، ولا يوقف عليه إلا بحرج عظيم، والله تعالى ما جعل في الدين من حرج فسقط اعتبار أوله وجعل مطلق الإمساك موقوفًا على أن ينقلب صومًا إذا وجدت النية بعده بحيث لا حرج فيه فمعنى الحرج يزول ببعض اليوم فصار عفوًا، وجوزنا بالنية بعد البعض والباقي بعد البعض الأكثر من النهار، كما قالوا جميعًا في النفل إلا أن الإمساك يقف على الصوم الذي هو أصل في الوقت شرعًا، فلا ينفذ بالنية إلا عليه فإن كان الوقت عينًا لفرض كرمضان ينافيه صوم غير الفرض فكان الوقت عليه. فنفذ عليه.
وإن كان غير رمضان فالأصل فيه النفل فوقف المطلق عليه فلا ينفذ على غيره.
ومن حكمه: أنه إذا نوى صومًا آخر كان عن الفرض لأن كونه صومًا بصفة أخرى غير مشروع فيلغو نية الوصف كما يلغو ليلًا أصل النية، وكما يلغو نية صفة الفرض في غير رمضان ولا فرض عليه فتبقى نية مطلق الصوم لأنه مشروع فيقع عن الفرض كما لو أطلق النية ابتداء.
[ ٧٣ ]
ومن حكمه: أن الصوم لا يتأدى إلا في الوقت كله لأنه معيار لقدره فلا يتم بدونه، كما لا تتأدى الصلاة ما لم يتم بالأفعال التي نعقلها صلاة.
ومن حكمه: أن كينونة الصائم من أهل الوجوب شرط في جميع اليوم ليجب عليه الصوم لأنه لا يتصور شرعًا إلا في جميع اليوم ككينونة المصلي من أهل الوجوب عليه شرط في جميع أفعال الصلاة لكون صلاته واجبة، إلا أنا نأمره بالصوم لأول الوقت لأنه أهل للحال، وشككنا في تبدله فتبقى العبرة للحال، ولأنا لو انتظرنا آخر أمره لفاته الوقت، ولم يمكن الأداء، والله تعالى أمره بالأداء.
وقد اختلف علماؤنا بالمسافر إذا نوى صومًا غير صوم رمضان؟
قال أبو حنيفة ﵁: إن نوى صومًا واجبًا بنذر أو كفارة أو قضاء صحت نيته، وإن نوى نفلًا قال في رواية: يصح.
وقال في رواية: لا يصح.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: صومه عن الفرض لأن الله تعالى رخص للمسافر الفطر في رمضان ولم يسقط عنه أصل الوجوب، بدلالة أنه إذا صام جاز ولو سقط الأصل وصار رمضان كشعبان لم يجز، وكذلك لو لم يكن أهلًا للوجوب في رمضان لم يلزمه بالإقامة نحو إن كان صبيًا فيه أو كافرًا ثم أسلم أو بلغ ثم أقام لم يلزمه شيء، فثبت أن رمضان بقي سببًا للوجوب ومحلًا للأداء، ولكن رخص له الفطر فإذا لم يترخص وصام التحق بالمقيم.
ولأبي حنيفة ﵁: أنه يصوم القضاء ما ترك الترخص بالفطر عن رمضان لأنه صرف الوقت إلى صوم هو ألزم فالقضاء عليه وإن لم يقم وصوم الشهر لا يلزمه ما لم يقم حتى إذا مات قبل إدراك العدة لم يؤاخذ به ويؤاخذ بالآخر، وإذا بقي مترخصًا تأخر الوجوب عن رمضان وبالوجوب انتفى سائره فلم ينتف وصح الأداء.
أو نقول: لما لم يبطل الترخص بقي لأدائه وقتان: رمضان وعدة من أيام أخر، فلا ينفي الفرض في أحدهما صومًا آخر في الآخر، كمن استأجر رجلًا ليخيط له هذا الثوب أو قميصًا بدرهم أمكن للخياط أن يخيط أحدهما تبرعًا والآخر بإجارة لأن المحل قد اتسع.
وأما إذا نوى المسافر النفل؟
فقال أبو حنيفة ﵀ في رواية: صومه عما نوى لأن المحل متسع على ما قلنا بل الوجوب متأخر إلى حين الإقامة ما لم يجعله بقصد الفرض.
وفي رواية: يكون عن الفرض لأن صوم الشهر أهم من النفل لأنه يلزمه بعد الإقامة
[ ٧٤ ]
والنفل لا يلزمه بحال، فلما صرف الوقت إلى صوم النفل صار تاركًا لرخصة الفطر عن صوم الشهر من كل وجه فالتحق بالمقيم، وأما التي ليست بمؤقتة فالكفارات وقضاء رمضان والزكاة.
فإن قيل: الصوم لا يتأدى إلا بالوقت فكان مؤقتًا!
قلنا: من حيث إنه صوم ما شرع الوقت إلا في النهار فلم يجز ليلًا لعدمه شرعًا لا لعدم وقت التكفير، كما إذا حرر رقبة عمياء لم يجز لأن عتقه لا يصلح كفارة لا لعدم وقت التكفير.
ومن حكمها: أن الواجب يجب متوسعًا نص عليه محمد﵀- في غير موضع كما نص على الحقوق التي ليست بمؤقتة، وذلك نحو الزكاة والنذور والكفارات المالية.
وذكر الكرخي ﵀: أن هذه المسائل كلها على الخلاف.
فعلى قول أبي يوسف ﵀؛ تجب متضيفة لأنه ربما يموت عقيب الإمكان بلا فعل، فيكون هذا آخر الوقت فلا يحل له التأخير إلى وقت تشككه في الخروج عنه، لأن اللزوم ثابت يقينًا، وكان هذا بمنزلة وقت الحج الذي مر ذكره.
والصحيح عندنا ما قاله محمد بن الحسن ﵀، لأن الوقت غير مذكور شرطًا فيصير العبد مأمورًا بالأداء في عمره فلا يتعين عليه جزء منه إلا بدلالة.
والجواب عما قاله الكرخي ﵀: أن الأيام كثيرة وقد أمر بصوم يوم من الجملة فكان خيار التعيين إلى العبد على ما مر، والوقت مذكور لتقدير الواجب لا لبيان وقت الأداء فيصير على هذا من جملة الواجبات المطلقة عن الوقت، وهو الذي يجوز في كل وقت، فالعبد مأمور بالأداء في عمره فلا يتعين جزء منه إلا بدلالة.
والجواب عما قاله الكرخي ﵀: أن الفوت في هذه المسائل بالموت لا غير، والحياة ثابتة للحال وقد وقع الشك في المستقبل من الوقت فلا يزال الثابت بالشك فيبقى على حكم الحياة بلا إشكال على قدر ما يجوز العمل به، ألا ترى أن المفقود في حكم الأحياء فيما كان ثابت له فيعمل بذلك لأنا علمنا بحياته وشككنا بموته فيبقى الحكم على الحياة ما لم يبلغ مدة لا يعيش إليها أقرانه فيترجح بالعادة جهة الممات.
وكذلك الصلاة له أن يؤخرها ما لم يغلب في رأيه أن الوقت يفوت إن أخره فيحرم إذا ترجح جهة الفوات في رأيه، ولا يحرم بالشك ولكن إذا شككت فصل للحال
[ ٧٥ ]
احتياطًا، وكذلك نقول في مسألتنا هذه، وهذا كما نقول في الصائم إذا شك في الفجر ترك السحور احتياطًا فإن لم يترك فصومه تام ولا يأثم.
فإن قيل: الوقت مذكور في التكفير بصوم شهرين.
قلنا: إنه ذكر لبيان قدر الكفارة كما مر أن الصوم لا يقدر إلا بالأيام، وما ذكر شرطًا للأداء فبقيت مطلقة عن الوقت في حق الأداء.
ومن حكمه: أن الواجب لا يفوت بالتأخير عن أول أحوال الإمكان لأن الحال لم يكن شرطًا لأدائه بل الشرط يوم من العمر، وقد بقي فكان بمنزلة وقت الحج لا يفوت ما لم يمت كما في تحرير رقبة لا يفوت بموت رقبة عينها لأن الرقاب كثيرة، والواجب عليه نكرة من الجملة والواجب في المطلق عمل في عمره وعمره ثابت للحال، وإنما يفوت بالموت وفيه شك فلا يثبت بالشك فتبقى العبرة لبقاء العمر.
وهذا كما قيل: إن المفقود لا يورث لأن ملكه ثابت له فلا ينقطع بالشك ولا يرث لأن ملك غيره لم يكن له فلا يثبت له بالشك.
وكذلك صوم شهرين للكفارة لأن ذكر الشهرين لتقدير العمل على ما مر، لا لبيان الوقت حتى قيل في الماليات نحو الزكاة إذا مات وأوصى وصحت شرعًا لم تصر فائتة لأن الأداء يصح بنائب عنه بأمر صح منه شرعًا فلم يفت بالموت على ما مر.
ومن حكمه: أن الواجب لا يصير فائتًا بالتأخير كالصلاة إذا أخرت عن أول الوقت إلا أنا أبحنا له التأخير بناء على ظاهر الحال، وهو البقاء فإذا مات تبدل ذلك الظاهر فصارت العبرة لما آلى إليه فضمن الفائت والله أعلم.
[ ٧٦ ]