ومن ذلك الكلام المقرون به الاستثناء، فإن قدر المستثنى من الجملة لا يثبت فيه حكم الجملة بالإجماع، وإنما لا يثبت عندنا لعدم النص الموجب في حقه، والذي يدل عليه مذهب الشافعي﵀- أنه لا يثبت بمعارضة نص الاستثناء النص المستثنى منه كما قالوا جميعًا في العام إذا خص منه شيء لم يثبت حكم العام في قدر ما تناوله الخاص لا بعدم العام فيه، ولكن بالنص الخاص الذي ورد مبينًا فالاستثناء عنده بمنزلة
[ ١٤٩ ]
التخصيص إلا أن هذا متصل لفظًا، وذاك منفصل لفظًا.
وعندنا لا عمل لنص الاستثناء في الحكم وإنما ينعدم حكم الجملة في قدر المستثنى لتناهي نص الجملة إلى قدر الاستثناء، كالإيجاب إلى غاية ينعدم حكمه إذا انتهى إلى الغاية لا بنص الغاية بل بانعدام الأول إذا جاءت الغاية كالصوم إلى الليل، وإباحة الأكل إلى الفجر ونحوهما.
ولنا ولهم مسائل تدل على صحة المذهبين على ما نذكرها بعد ذكر الحجة.
أما الشافعي فإنه احتج بكلام أهل اللغة أن الاستثناء من النفي إثبات، والاستثناء من الإثبات نفي، فقد أطبقوا على أن لنص الاستثناء حكم بخلاف حكم الجملة المستثنى منها قال الله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلًا منهم﴾: أي إلا قليلًا لم يشربوا، إلا أنه لم يقله اختصارًا لدلالة الصدر عليه بدليل عدم ثبوت الشرب صفة لهم بموجب اللغة.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ أي خمسين عامًا لم يلبث فيهم.
وكذلك كلمة الشهادة (لا إله إلا الله)، أي إلا الله فإنه الإله لأنها شرعت لنفي الألوهية عما سوى الله تعالى وإثباتها لله تعالى وحده.
وكذلك قول الله تعالى: ﴿لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا* إلا قيلًا سلامًا سلامًا﴾ أي إلا سلامًا، فإنهم يسمعونه وقد نص الله عليه في قوله: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعين إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ ثم قال في قول الله تعالى: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من﴾ أن ظاهر الاستثناء نص على أن التائبين ليسوا بفاسقين إلا أنهم لم يدخلوا تحت خطاب التفسيق، فكذا يكون نصًا على قبول شهادة التائبين لأنه بيان ورد على الجملة في حق الزمان فينصرف إلى كل ما يتوقت كأن الله تعالى قال: ﴿إلا الذين تابوا﴾ فإنهم بعد التوبة ليسوا بفاسقين وتقبل شهادتهم.
وقال في قول النبي ﷺ: "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" أي إلا سواء بسواء فإنه حلال، فيثبت به حكمان: حرمة البيع بالقدر مطلقًا، وحله إذا جاءت المساواة بالمعيار لا اتصال لأحدهما بالآخر.
فقال: إن الحبة بالحبة حرام وإن لم يكن لها حد بالمساواة في حالة بوجه.
وأما الحل فيتناول ما له معيار شرعي قال: ومثاله قول الله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون﴾ أي إلا أن يعفون فيسقط الكل فيثبت به حكم مخالف للأول.
[ ١٥٠ ]
فيكون الأول ثابتًا في حق المجانين والصغائر، وحكم العفو ثابتًا في حق الكبائر العاقلات.
وقال فيمن أقر وقال: لفلان علي ألف درهم إلا ثوبًا إن قدر الثوب من الألف: لا يلزمه لأن معناه: إلا ثوبًا فإنه ليس علي من الألف لأنه لا يكون بيانًا إلا هكذا ثم عين الثوب لا يمكن أن يجعل بيانًا من الألف في أنه لم يدخل تحته فانصرف إلى قدر قيمته ليستقيم.
وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف– ﵄- فيما إذا قال: لفلان علي ألف درهم إلا كر حنطة: إن قدر قيمة الحنطة يسقط من الألف عنه.
ومتى جعل حكم الجملة ساقطًا عن الاستثناء لعدم النص لم ينتقص من الألف شيء، لأن عدم لزوم الحنطة إياه لمعنى أن الإقرار بالألف لم يتناوله ولا يوجب نقصانًا عن الألف المقر به على ما قاله محمد بن الحسن– ﵀-.
فجعل الشافعي الاستثناء تعرضًا لحكم النص المستثنى منه كما جعل الشرط تعرضًا لحكم المرسل والله أعلم.
أما علماؤنا﵏- فإنهم قالوا: إن الكلام إذا اتصل به الاستثناء كان تكلمًا بالباقي بعد الثنيا، لأن الاستثناء في اللغة استخراج، ولم يستخرج به بعض حكم الجملة، بل استخرج به بعض نص الجملة على سبيل البيان، وإنما يكون بيانًا إذا جعل غير ثابت كما في التخصيص للحكم متى كان تخصيصًا، وبيانًا لم يكن من الأصل ثابتًا، وعلم أن المراد به بعضه فكذلك إذا جاء الاستثناء وهو بيان علم أن المراد به ما بقي، إلا أن الاستثناء تعرض للنص فتبين أن بعضه غير ثابت، والتخصيص تعرض للحكم بنص آخر بخلافه.
والدليل على أن الاستثناء تعرض للنص قول الله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾ فخمسون تعرض للعدد المثبت للألف لا لحكمه مع بقاء العدد، لأن الألف متى بقيت ألفًا لم تصلح اسمًا لما دونها.
وكذلك قول الله تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلًا منهم﴾ تعرض للشاربين فإن الشاربين هم الثابتين والقليل مستثنى منهم، ولما تعرض للعدد الذي تضمنهم الشاربون فاستخرج عن جملتهم انعدم فيهم حكم النص المتناول للشاربين لانعدام تناول النص إياهم بخروجهم بالاستثناء عن جملتهم.
ولما كان الانعدام فيهم لعدم تناول نص الشرب لم يحتج إلى أن يسقط الشرب عنهم بمعارضة الاستثناء.
وهو كمن قال: لفلان علي ألف درهم إلا مائة لم يلزمه المائة لعدم الإقرار لا لسبب
[ ١٥١ ]
مسقط وتبين أن الاستثناء يصير بمعنى الحد والغاية للمستثنى منه لانعدامه عنده في نفسه ثم انعدام حكمه لانعدامه.
وهذا على مثال الشرط فإن الإيجاب متى علق به صار متعرضًا لنفس الإيجاب بأن أعدمه عن محله للحال فانعدم الحكم قبل وجوده، لانعدام الموجب لا لنفي الشرط الحكم بعد وجود علته.
فالخصم مال إلى الظاهر في الفصلين فإن الإيجاب لولا الشرط موجب للحال وجاء الانعدام ظاهرًا بالشرط فجعله نافيًا.
وكذلك النص العام لولا الاستثناء لأوجب عامًا وإنما سقط حكم العموم في البعض بالاستثناء.
إلا أنا قلنا انعدم الحكم بالشرط والاستثناء بواسطة انعدام العلة بهما من الوجه الذي بينا فلا يكون انعدام الحكم بعد عدم العلة بعلة نافية للحكم.
وإذا كان كذلك صار الحكم الثابت بنص قرن به الاستثناء واحدًا وهو الثابت بالمستثنى منه.
وما للاستثناء في نفسه حكم غير حكم انعدام بعض ما نطق به.
بخلاف التخصيص لأنه لا يكون تخصيصًا إلا بنص آخر معارض للأول في حكمه مبين أن العام لم يرد به ما يتناوله الخاص من غير تعرض للفظ العام، بل مغير للحكم.
فأما قول أهل اللغة: الاستثناء من النفي إثبات، فإطلاق على ظاهر الحال مجازًا لا حقيقة لأنك إذا قلت: لفلان علي ألف درهم إلا عشرة لم تجب العشرة كما لو نفيتها، ولكن عدم الوجوب على المقر ليس بما ينافي الوجوب عليه بل لعدم دليل الوجوب.
وكما قالوا ذلك فقد قالوا: أنه تكلم بالباقي بعد الثنيا فلا بد من الجمع بينهما فيجعل الأول مجازًا، وهذا حقيقة حتى قالوا بأن الاستثناء ضربان: حقيقة واستثناء مقطوع وهو بمعنى "ولكن"، ثم قالوا: ما يكون من جنس الأول لم يكن استخراجًا لأنه لم يكن داخلًا تحته فكان كلامًا مبتدأ حكمه بخلاف الأول فلا يتغير به أصل الثبوت بالأول، وإنما يتغير بقاؤه.
فإن قيل: إذا قيل: لا عالم إلا زيد، كان نصًا على أن زيدًا عالم، وكذلك قول الناس: لا إله إلا الله ولو جعل الاستثناء تكلمًا بالباقي بعده لكان زيد مسكوتًا عن صفته.
قلنا: قول القائل: لا عالم لنفي صفة العلم أصلًا، فلما قال: إلا زيدًا صار توقيتًا
[ ١٥٢ ]
لنفي الصفة به وقد ذكرنا أن الاستثناء بمعنى الغاية فإنا متى لم نجعل هكذا لم يكن بيانًا لتقدير النفي بما قدر وقد قدره لما استخرج بعض ما نفي نصًا، ولما صار توقيتًا دل ضرورة على سقوطه بوقته وإنما يسقط نفي العلم بالعلم ضرورة كالحركة لا تزول إلا بالسكون فيما يقبل الحركة والسكون، والليل لا يزول إلا بالنهار، وكذلك كل ما يوقت ولا انعدام له إلا بضده دل ضرورة أن وقته ضده، وعلى هذا كلمة التوحيد.
ولأن الآدمي لا يخلو إما أن يكون عالمًا أو غير عالم ما بينهما ثالث.
فإذا استثنى زيدًا عمن ليس بعالم تعين عالمًا ضرورة لا بالنص.
وكذلك الموجود اسم لما هو مخلوق أو إله ما هناك ثالث فإذا استثنى الله عما ليس بآله تعين إلهًا بالضرورة، فإذا عرفنا ما هذه الجملة لم يلزم آية القذف لأنا ذكرنا أن حقيقة الاستثناء لبيان أن المستثنى لم يدخل تحت خطاب المستثنى منه إلا أن لا يمكن فيجعل استثناء مقطوعًا.
ولا يمكن حمل الاستثناء على الحقيقة في آية القذف لأن التائبين هم القاذفون فهم الذين كانوا فسقة فجعل استثناء مقطوعًا وصار بمعنى "ولكن إن تابوا فالله يغفر لهم" فلا يتغير من ثبوت حكم الصدر شيء، وإنما يتغير بقاء ما تنفيه التوبة، وهو الفسق لا على سبيل بيان أنه لم يدخل تحت الصدر، وليس تحت التوبة قبول الشهادة لا محالة فالعبد العدل التائب لا شهادة له.
وكذلك آية العفو ﴿إلا أن يعفون﴾ استثناء مقطوع لا يبين أن التصنيف لم يكن إذا جاء العفو فكان مقطوعًا بمعنى ولكن إذا جاء العفو سقط الباقي بتصرف طارئ، والاستثناء المقطوع بمنزلة نص آخر يعمل به بنفسه والأول بنفسه كما قاله الشافعي ﵀، وإنما خالفناه في الاستثناء حقيقة كقول النبي ﷺ: "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" فنقول: إن حكم هذا النص واحد لأن الاستثناء استثناء على الحقيقة حتى يقوم الدليل على مجازه، فيكون بيانًا أن بيع الحنطة بالحنطة متساويين لم يدخل تحت النهي لأن النهي لما تناهى إلى الاستثناء ولتناهيه سقط حكمه لا بمعارض مع حال قيامه عامًا فكذا حكمه يثبت متناهيًا إلى حين التساوي، لأن الحكم يثبت بقدر سببها، فيثبت به حرمة مؤقتة إلى حين التساوي كيلًا والحكم بهذا الوصف لا يثبت إلا في محل قابل لصفة التساوي وعدمه.
فأما محل لا يقبل صفة التساوي الذي بها وقتت الحرمة فلا يكون محلًا لحرمة مؤقتة بالتساوي كالحبة من الحنطة بالحنطة فإنهما بنفسهما لا يقبلان صفة التساوي التي بها تزول الحرمة، وإنما يقبلان بحبات أخر تنضم إليهما.
[ ١٥٣ ]
وكل ما لا ينهض لإفادة حكم إلا بما يوجد معه لم يسم بنفسه علة ولا محلًا ولا شرطًا.
وكان كقوله: "لا تنكح الثيبة حتى تستأمر" فإنه نص واحد أوجب حرمة إلى غاية، وهي حرمة نكاح امرأة تزول باستئمارها فلا يدخل تحته إلا امرأة صالحة للاستئمار، وأما من لا تصلح إلا بوصف آخر لم يوجد بعد وهو البلوغ أو العقل فلا تكون صالحة قبل ذلك على ما مر فلا يكون محلًا لهذا الحكم المؤقت بالاستئمار، إلا أن يحمل حتى تستأمر على البلوغ فيصير مجازًا.
وكذلك قوله: إلا كيلًا بكيل حتى يصير كيلًا بكيل فيكون مجازًا.
وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم، إلا ثوبًا. لم يتعرض لما وجب بالجملة لأنه استثناء مقطوع فلا يكون بيانًا في حق ما دخل تحت الأول بل يكون معمولًا به بنفسه على حدة، فإن أوجب العمل به معارضة الأول في حكمه تعرض بحكم المعارضة على ما مر وإلا سقط حكم البيان من كل وجه.
وههنا إذا جعل مقطوعًا وجعل كأنه قال: لكن لا ثوب له علي لم يصر متعرضًا نفي الثوب حكم الوجوب الثابت بالإقرار فبقي هذا منفيًا بنصه.
والأول ثابتًا بنصه ولو أوجب دفعه لم يقدر لأنه يكون بمنزلة الرجوع بعد الإقرار.
ولهذا قال محمد ﵀- في قوله: لفلان علي ألف درهم إلا كر حنطة-: إنه لا ينقص من الألف شيء، إلا أن أبا حنيفة ﵁ يقول: إلا كر حنطة إن لم يكن من جنس الألف تسمية فهو من جنسها في حكم الوجوب في الذمة لأن المكيلات تجب في الذمة مطلقة بكل سبب كالأثمان، والثابت بالإقرار ألف درهم واجب في الذمة فتعرض الاستثناء للوجوب إن لم يتعرض عن الدراهم فصار بيانًا إن قدر المستثنى غير واجب من الألف.
فأما الثوب فليس من جنس الدراهم تسمية ولا وجوبًا لأن الثوب لا يجب في الذمة مطلقًا بكل سبب لا يثبت إلا سلمًا أو ثمنًا مؤجلًا، فأما استهلاكًا واستقراضًا وثمنًا حالًا فلا.
فإذا لم يكن من جنس الدراهم اسمًا ولا حكمًا لم يصر بيانًا في حق الحكم، ولا الاسم، فبقي كلامًا مبتدأ وأوجب نفيًا مبتدأ.
وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة ومحمد فيمن حلف: لا يكلم فلانًا إلا أن يأذن له
[ ١٥٤ ]
فلان، فمات فلان قبل الإذن بطلت اليمين لأن الإذن بمنزلة التوقيت، كأنه قال: حتى يأذن له فلان فيوجب اليمين حظرًا مؤقتًا بإذنه فلا يبقى به حظر مطلق، ولو بقي الحظر بعد موته لبقي حظر مطلق.
فإن قيل: لو حلف لا يخرج من الدار إلا بإذني فأذن مرة لم تبطل اليمين، ولو قال: حتى آذن لك بطلت اليمين إذا أذن مرة ففرقوا بين الغاية والاستثناء.
قلنا: لأنهما لم يتناولا محلًا واحدًا لأن قوله: "حتى" دخلت على الحظر الثابت باليمين فتوقف الحظر به "وإلا" دخلت على المصدر إي إلا خروجًا بإذنه فالخروج محظور بيمينه مطلقًا، فلما استثنى خروجًا بإذنه بقي ما عداه تحت اليمين، كذلك فصار الاستثناء نهاية للخروج المحظور، وحتى غاية للحظر الثابت باليمين لنفس الفعل لا للاسم والمصدر.
ومن هذا القبيل قول الشافعي إن الأمر بفعل رفع لضده، والنهي عن الفعل رفع للأمر به، وهذا عندنا حكم السكوت على ما مر ذكره في أبواب الأوامر والنواهي.
ومن ذلك قول بعض أهل النظر إن العام يخص بسببه وهذا عمل بالسكوت على الإطلاق، وإنه على أقسام أربعة:
نص نقل معه سببه، كما روي: زنى ماعز فرجم، وسهى رسول الله ﷺ فسجد، وكقوله: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه﴾ الآية.
ومنها ما لا ينقل معه سببه وإنه على أوجه ثلاثة:
ما لا يستقل بنفسه حتى يربط بسببه كقوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ قوله: بلى لا يستقل بنفسه فلا بد ا، يربط بسببه.
- ومنها ما يستقل وهو على ضربين: ما خرج جوابًا للسؤال وكان السؤال سبب خروجه ما فيه زيادة على حرف الجواب فيختص بالسبب كالرجل يقول لآخر: إنك لتغتسل هذه الليلة في هذه الدار عن جنابة، فقال: إن اغتسلت فعبدي حر. فإنه يختص بما تقدم حتى إذا اغتسل لا عن جنابة لم يحنث.
والوجه الآخر ما فيه زيادة يستغني عنها الجواب فلا يقتصر على السبب بل يعم وفيه الخلاف كما لو قيل له: إنك لتغتسل الليلة في هذه الدار عن جنابة فقال: إن اغتسلت الليلة فعبدي حر كان عامًا حتى يحنث عن أي سبب اغتسل.
وأما الأول فلأنه لما نقل معه السبب صار النص حكمًا لذلك السبب، وحكم العلة مخصوص بها لا يبقى بدونها مضافًا إليها بحال ولا بد للبقاء دونها من علة أخرى.
[ ١٥٥ ]
وكذلك النوع الثاني لأنه متى لم يستقل بنفسه حتى يربط بما قبله من السبب صار كبعض الكلام من جملة فلا يجوز تفصيله للعمل به.
وأما إذا استقل بنفسه فإن خرج مخرج الجواب وقت الحاجة إليه، وما فيه زيادة على الجواب ابتنى على السؤال لأنه جواب عنه، وصار بمنزلة الحكم للعلة- على ما مر- وبعض الكلام من الجملة فصار مقتضيًا حكاية ما في السؤال أي: إن اغتسلت عن ذلك السبب الذي قلته فعبدي حر.
وكمن إذا قيل له: تعال فتغد، فقال: والله لا أتغدى. اختص بذلك الغداء في ذلك الفور.
فأما إذا كان فيه زيادة فتعم لأنا متى جعلناها جوابًا لغت الزيادة فجعلناها ابتداء لتصير معمولًا بها وصار إلغاء الحال أولى من إلغاء الكلمة في نفسها، لأن السبب ساكت عن إيجاب القصر عليه، والزيادة ناطقة بالعمل بها بلا تخصيص.
وعلى هذا القول جمهور العلماء نزلت آية الظهار بسبب خولة ولم يقتصر عليها لعمومها في نفسها وخلوها عن دلالة التخصيص.
ونزلت آية حد القذف بسبب عائشة﵂- فكانت عامة.
ونزلت آية اللعان بسبب سعد بن معاذ وكانت عامة.
ودخل رسول الله ﷺ المدينة فوجدهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: "من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" ولم يختص الخطاب بمن يسلف إلى أجل مجهول فيلزمه الخطاب إعلام الأجل دون غيره، وإن كان سبب الخطاب إسلافهم إلى آجال مجهولة لأن النص مستقل بنفسه خال عن قيد الخصوص غير سببه فلم يكن السبب بنفسه مخصصًا.
ومن ذلك قول بعض أهل النظر ممن لا تبع له من نحارير الفقهاء: أن الاتفاق في النظم يدل على الاتفاق في الحكم كقول الله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾ هذه كلمات نفي اتفقت نظمًا، ومعنى الاتفاق نظمًا ان يكون الكلام جملًا تامة لو فصل بعضها عن بعض أفاد كما لو وصل فوصل بينهما تكلمًا بواو فهذه تسمى واو نظم فقد حسن بها نظم الكلام، وإن كان جملًا كقولك: جاء زيد، وتكلم عمرو.
فأما واو العطف فما دخلت بين جملتين إحداهما ناقصة فتمت بحكم تلك الواو العاطفة على الولى حتى تصير بحكم الانعطاف مثل الأولى فيما تمت به الأولى كقولك:
[ ١٥٦ ]
جاء زيد وعمرو، فعمرو إنما يتم بخبر زيد، هذا حر وهذا، فهذا يتم بخبر الأول، فهذا تفسير واو العطف.
وأما الذين قالوا؛ هذه الواو تدل على الاتفاق حكمًا، فشبهوا هذه الواو بواو العطف، وقالوا: إذا تحقق العطف صار الكل كلامًا واحدًا كما لو تكرر الخبر لكل اسم فيصير خبر الأول خبر بعينه للثاني ألا ترى أن خطاب الشرع محمول على المتفاهم من مخاطبة العرب بينهم، والواحد منا إذا قال: عبده حر، وامرأته طالق إن كلمت زيدًا تعلق الأمران بالشرط وكل واحد جملة تامة فلو اعتبرا منفصلين لما تعلق الأول بالشرط.
إلا أن نقول هذه الواو ساكتة عن جعل الجمل كلامًا واحدًا، وجعل خبر الأولى خبرًا للأخرى. لأن الخبر منصوص عليه بالأخرى فاستغنى عن خبر الأولى.
ولأنا متى جعلنا ذلك صار خبر كل جملة خبرًا للجميع كما لو لم يوجد إلا خبر واحد فإنه يكون خبر للجملة، وإنه ساقط بإجماع أهل اللسان.
فأما الواو فقد استعملت لا للعطف قال الله تعالى: ﴿لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء﴾ ﴿وريشًا ولباس التقوى﴾ فلباس ابتداء لولا ذلك لما استقام مخالفة المعطوف المعطوف عليه إعرابًا، وكانت الواو لتحسين نظم المتكلم لا غير فمن جعل واو النظم لإثبات الشركة بين الجمل فقد أثبت بها بما ليس بموجبها لغة وعمل بما سكتت عنه وغنما يجب ذلك بدلالة أخرى توجب الوصل أو الاشتراك.
ومن ذلك قول الله تعالى في آية القذف: ﴿وأولئك هم الفاسقون﴾ فهذه الواو عندنا واو النظم لا واو العطف فتبقى هذه الجملة مفصولة عن الأولى فلم يلتحق الاستثناء بالأولى.
وعند الشافعي هذه واو العطف وإنما واو النظم ما قبلها: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا﴾ فهذا حكم مفصول عنده عن الجلد موصول بالفسق فانصرف الاستثناء إليه، ولم ينصرف إلى الجلد ثم هذا من الشافعي عمل بالسكوت لأن كل واحدة من الجملتين تامة خبر وجواب متى اعتبر ابتداء وإنما ينتقص إذا اعتبر جزاء عن القذف وقوله: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة﴾ يصلح جزاء دون الفسق لأن ظاهر الآية شاهد بكون النصين جزاء ﴿فاجلدوهم﴾ ﴿ولا تقبلوا﴾ فإنه خطاب راجع إلى الأئمة معطوفًا على خطاب الجلد والأول جزاء فكان الثاني جزاء لأن النص وإن فهم بنفسه فقد نقل معه سببه، وهو القذف فيجب ربط كل ما يصلح جزاء له به وجرح العدالة يصلح جزاء كالجلد لأنه ضرب عقوبة إذا قوبل بقبول القول منه فبهذه الدلالة جعلنا الواو الأولى للعطف.
فأما الفسق فلا يصلح جزاء فإن الفسق في اللغة الخروج، وفي الشرع الخروج عن
[ ١٥٧ ]
أوامر الله تعالى بمعصية يرتكبها فلا يقع الفرق بين قولنا: فسق، وبين قولنا: عصى فيكون الفسق عصيانًا لا بيانًا لجزائه.
وكذلك النظم دليل عليه، لأنه لم يخاطب الأئمة، والأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود كما في الزنا والسرقة بل أخبر عن صفة القاذف كما قال: ﴿فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ أي: القذفة وإن كان خبرًا يحتمل الحسبة لإقامة الحد والمعصية لقصد هتك الستر فإنه متى عجز عن الشهود حتى حد صار معصية وفسقًا فأخبر الله بذلك لتزول عنها شبهة الاحتمال، وشبهة إيجاب الحد عليه بما فعله محتسب ومتى لم يصر الفسق جزاء وهو كلام تام بنفسه صار ابتداء فالشافعي متى قطع: ﴿ولا تقبلوا﴾ عن قوله: ﴿فاجلدوهم﴾ صار قاطعًا بلا دليل من النص ونحن متى قطعنا الفاسقين عما قبله قطعنا بدليل من النص نفسه فلم يلتحق الاستثناء بما تقدم.
فأما قول الرجل: عبده حر، وامرأته طالق إن كلمت زيدًا، فإنما التحق الشرط بهما لأنه بين بأجزاء الكلام أنه حلف ولم يرسل الإيجاب، والحلف غير الإرسال وتمام الحلف بالشرط والجواب فصارت الجملة الأولى ناقصة على اعتبار الحلف لأنه لا شرط لها، فصارت الواو واو العطف كما لو كان إرسالًا فقال: هذه طالق، وهذه فإنهما تطلقان لأن الثانية ناقصة إرسالًا فانعطفت على الأولى وشركتها في خبرها، وصارت جملة واحدة فكذلك هذه اعتبرت يمينًا، ونظير ما نحن فيه قوله: لفلان علي ألف درهم ولفلان علي ألف درهم إلا عشرة فإن الاستثناء يقتصر على الثاني.
ومن ذلك الجمع المضاف إلى جماعة كقول الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم﴾ فمن الناس من قال: حقيقة هذا الجمع تتناول جماعة أموال كل واحد من الجملة لأنها اسم جمع لولا الإضافة، ومع الإضافة يمكننا العمل بحقيقة موجبها مطلقة فلا نخصها بغير دليل، وهذا عند عامة العلماء عمل بلا دليل.
قال علماؤنا فيمن قال لامرأتين له: إن ولدتما ولدين او دخلتما دارين فأنتما طالقان، فولدت كل واحدة ولدًا أو دخلت دارًا واحدة طلقتا جميعًا.
لأن هذه جماعة مضافة إلى جماعة فيجب تحقيق الجماعة المضافة بسبب الإضافة حتى لا تصير الإضافة لغوًا اعتبراها في الجماعة المعرفة بالإضافة، فإن الإلغاء لا يجوز إلا بدليل، واعتمادهم على الجماعة ليس بدليل، لأن الجماعة مقيدة بالإضافة ونحن نحققها كذلك.
فأما المطلقة فمعدومة كالإيجاب المعلق بشرط يكون سكوتًا عما عداه، وعلى هذا تفاهم الناس من خطابهم: لبس القوم ثيابهم ونعالهم وحلقوا رؤوسهم ومشطوا لحاهم، ويقول الشاعر:
[ ١٥٨ ]
وإنا نرى أقدامنا في نعالهم وآنفنا بين اللحى والحواجب
ولا يكون لكل واحد إلا أنف، والله تعالى يقول: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ ولن يكون لواحد إلا قلب، وقال: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ الآية، ولم يجب بالسرقة الواحدة من السارق والسارقة إلا قطع يد واحدة من كل واحد منهما.
ولو اوجب هذا الاسم جماعة الأيدي؛ في حق كل واحد منهما لوجب قطع الأيدي جملة منهما بالمرة الواحدة، لأن الله تعالى جعل جزاء سرقة واحدة قطع أيديهما.
فلما لم يجب إلا قطع يد واحدة، علم أن الجمع المضاف إلى جماعة، آحاد في حق الآحاد.
وقال الله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ والمحظور على كل واحد منهم حلق رأس نفسه بهذا الخطاب حتى لو حلق رأس غيره لم يلزمه الدم المتعلق بحلق رأسه، وقال ﷻ: ﴿جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم﴾.
ومن ذلك قول بعضهم: إن العام يخص بغرضه ولا يكون حجة فيما عداه وانه بمنزلة التخصيص بسببه لأن المتكلم إنما يتكلم لغرضه فذلك الغرض سبب خروج الكلام من المتكلم، ومن ذلك قولهم: إن كلام المدح والذم والثناء، والاستثناء لا عموم له. وذلك قول بالتشهي لأن العام حيث قيل بعمومه، فإنما قيل به لأن الوضع للعموم وإنه قائم مع كونه ذمًا أو مدحًا أو استثناء، لأن العرب تمدح العام بوصف عام، وقد تذم كذلك وقد تستثني كذلك فلا تدل هذه الصفات على التخصيص وترك الحقيقة.
فهذه جملة ما ذكرنا من فنون الأقوال في هذا الباب فإن شذ عنا شيء فليقس بما ذكرنا، فقد حددنا للعمل باللفظ حدًا لا يعدوه، وهو العمل بنصه وإشارته ودلالته ومقتضاه، وحددنا كل قسم بحد يمتاز به عن غيره، ليعلم أن ما لا يدخل تحت الحد أنه عمل لا بالنص فلا يبقى إلا الرأي والقياس، غير أن الحدود التي قلناها متقاربة، يشبه بعضها بعضًا، لا يثبت قدم سالكها على الحد إلا بحد التأمل.
فليشمر المهتدي لما أشرنا إليه أذيال خاطره، ثم ليستعن بالله فلا يضل، فإن التخريج على هذه الحدود ورد كل نوع إلى نظيره أصعب انقيادًا للقلب من معرفة الأقسام بحدودها، وما التوفيق إلا بالله تعالى.
[ ١٥٩ ]
باب