بسم الله الرحمن الرحيم
والله المستعان
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسول الله محمد وآله أجمعين وبعد:
فإن الأصل عقم عن الإنجاب إلا ما شاء الله تعالى، وحكم النسل بالإعجاب، وحكموا بالظن، وخصموا بالطعن، ولم يبق لمن أصاب بتوفيق ربه شيئًا من الإفاقة عن عجبه متعلق غير الكتاب المتلو بلا شك، والخبر المروي بلا إفك، ولا مقتدى غير السلف الذين أخفاهم التراب، ولا مهتدى غير العقول والألباب، ما له من أقرانه إلا ريبة على التلاق، وعيبة لدى الفراق، وما العبد بموفق لسلوك هذا الصراط إلا بعد علمه بالطبقات، ليقرب من الهادية بقدوةٍ، ويبعد من النابية بنبوة، فلن يصل العبد إلى الهدى سابقًا، وقد عرف نفسه فيه لاحقًا.
فنقول وبالله التوفيق: إن الله تعالى جمع في الإنسان بين روح وعقل، وهوى ونفس، تحقيقًا للبلوى، على ما مر شرحه في كتاب "الأمد الأقصى" فالنفس بهواها تدعوه إلى الحاضرة جهلًا، والروح بعقلها تدعوه إلى العاقبة علمًا، فتفرق الناس عن ذلك طبقات أربعًا:
ضال بالهوى غافل عن نفسه، عامه في طغيانه بجهله.
وضال بنفسه ظان أن الأمر كذلك إلى جنسه.
ومهتد إلى ربه بدلائل عقله متأيد بنصوص شرعه.
ومهتد بالروح القدس في أنوار العقل والشرع.
وهؤلاء الطبقة من بينهم إمامهم. فنور الروح أصلي، ونور العقل فرعي على ما بينا في كتاب "الأمد الأقصى" وكتاب "خزانة الهدى".
ثم تفرق هؤلاء الطبقة أحزابًا أربعةً:
- عارف لربه على جهل بتأويل الكتاب والسنة والفقه والحكمة، وأنه لعلى شفا العبث والبدعة.
- وعارف لربه عالم بتأويل الكتاب والسنة بلا فقه واستمداد من الألباب، وأنه لعلى شفاه الضلال والارتياب، فالحوادث ممدودة والنصوص معدودة، فلا يأمن الابتلاء بما لم ينل فيرتاب أو يضل.
- وعارف لربه متفقه برأي قلبه غائب عن طرق الفقه في نصوص شرعه، وأنه لعلى
[ ٩ ]
شفا الهلاك بهواه وعجبه، فما بالعقل وحده هداية إلى حدود الهدى، وما بعد العقل ولا شرع معه إلا الهوى.
- وعارف لربه عالم بنصوص شرعه تفسيرًا وتأويلًا وطرق الفقه في أصل الشرع تعليلًا، وهذا الرجل من بينهم إمامهم لكنه على شفا الفسق، فالعلم صالح لكسب الدنيا والآخرة وطلب المولى والورى، ما ينجو عن المحظور بالمأمور إلا بالنظر في المستور من أقسام أعماله وأحواله.
وأنها أقسام أربعة:
- قسم لهو عن العمل بالعلم.
- وقسم شغل بالعمل عن العلم.
واللاهي قسمان:
- قسم اتخذ العلم مكسبه للدنيا.
- وقسم اكتفى بالعلم حظًا يبتغي.
وهما على ضلال، فما العلم إلا للعمل به، وما العمل إلا ترك العاجلة بالآخرة على مخالفة الهوى في إشارته إلى كسب الحاضرة.
والعامل قسمان:
- عامل على قرار وعزلة.
- وعامل على قرار ودعوة، وأنه من بينهم إمامهم، وإليه نهاية الطبقات.
فأقصى مراتب العبد في الدعوة إلى الله تعالى فإنها رتبة الأنبياء ﵈، وتركوها ميراثًا للعلماء، ولأن الداعي إلى الحق هو الله تعالى بآياته، والعبد عامل له فيها بأمره.
وأما العبادة فحق الله تعالى على عبده، والعبد مؤدٍ عن نفسه ما عليها، فلن يصير العبد بالعمل عاملًا لله حتى يدعو، قال الله تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا﴾، وقوله: ﴿ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا﴾، وقال الله تعالى في شأن الرسول ﵇: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا﴾، ﴿وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا﴾.
فأبان الله تعالى شرف الرسول بالدعوة والهداية دون العزلة والعبادة، وقال الله تعالى في شأن الأمة: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾ يعني يثبت لهم ولاية الأرض وأهلها وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومبدأه من الهدى ثم العمل به.
وقال الله تعالى: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾. فالخلافة
[ ١٠ ]
بالولاية من أقصى المراتب، وأنها تقوى بالنبوة وتزداد قوة بالرسالة، وتضعف بالاستنباط والدلالة، وتزداد ضعفًا بالقنوع بظواهر المسموع.
واليوم قد انقطعت النبوة فكان ما ذكرنا نهاية في القوة، ولأن نفع العبادة خاص ونفع الدعوة عام.
قال العبد ﵁: إني لما رأيت كل هذا الشرف للعلم ونوره كامن في قلوب البشر، كمون النار في الشجر، ما يقدحها إلا أيدي الهمم العالية، بفكر في الحجج الهادية، وأكثر الناس قبسوه بحواسهم ففقدوه في اقتباسهم، رأيت اتباع السلف في إثارة هذا النور ببيان الحجج فرضًا، ثم إنارته بوقود المداد في صحائف الكتب حقًا، رجاء أن أكون من الأشباه، واستعنت بالله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله على قصد مني تقويم كتاب "الهداية" الذي ذل خاطري [في بعضه] بحكم البداية، فرارًا عن التمادي في الباطل، وتخريجًا على الأصول الأربعة التي بها يتعلق الابتلاء في الحاصل، وبيانًا للحدود التي بها يمتاز البعض عن البعض على وجه خرس دونه ألسنة الأكثر من أولي هذه الصناعة، والله ولي التوفيق لتتميم هذه البضاعة.
[ ١١ ]
وصف النسخ المخطوطة للكتاب
اعتمدنا في إخراج الكتاب على ثلاثة نسخ مخطوطة للكتاب، اثنتان كاملتان وواحدة فيها نقص، عملنا على مقارنتها ببعضها وإخراج النص الحالي بهذا الشكل. والنسخ هي:
أولًا: مصورة نسخة خطية من المكتبة السليمانية باستنبول، تحت رقم (٦٩٠)، تم نسخها في الليلة التاسعة من شعبان سنة سبع عشرة وسبعمائة هجرية (٧١٧هـ).
تقع في ٢٦٠ لوحة، في الصفحة الواحدة ٢٢ سطرًا.
وقد كتبت بخط النسخ الواضح، وعليها كثير من التعليقات والهوامش والتصحيحات المهمة.
ناسخها: هو ابن العميد قوام الدين أمير كاتب الاتقاني. وجاء عنوان الكتاب في بدايتها: "كتاب التقويم في أصول الفقه".
ثانيًا: مصورة نسخة خطية من الكتبخانة المصرية (دار الكتب المصرية) بالقاهرة تحت رقم (٢٥٥). وهي موجودة في مكتب الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تحت رقم (١٨٢٢)، تم نسخها في السابع والعشرين من صفر الخير سنة ألف وثلاثمائة وعشرين هجرية (١٣٢٠هـ).
تقع في ٩٥٦ لوحة، في الصفحة الواحدة ١٥ سطرًا.
وقد كتبت بخط واضح مقروء.
ناسخها: اسمه محمد أمين الدنف الأنصاري، وجاء عنوان الكتاب في أولها: "تقويم أصول الفقه وتحديد أدلة الشرع".
ثالثًا: مصورة نسخة موجودة بمكتبة سماحة الشيخ خليل الميس من مجموعة مصورات المخطوطات التي يملكها، فيها بعض النقص والطمس في صفحاتها وأسطرها. تم نسخها سنة أربع وسبعين وتسعمائة (٩٧٤هـ).
تقع في ٤٣٢ لوحة، في كل صفحة ٢١ سطرًا. خطها واضح مقروء.
ناسخها: هو سيد محمد بن سيد عبد القادر، وجاء عنوان الكتاب في بدايتها: "تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي في علم أصول الفقه".
وبالجملة فقد حفظ لنا التاريخ هذا الأثر العلمي النفيس كاملًا غير منقوص، وفي حالة جيدة.
[ ١٢ ]