قال الحسن بن حامد: صورة ذلك ما نقل عنه في مس الذكر أنه ينقض الوضوء، وينقل عنه أنه لا يجب في ذلك الوضوء. ومن ذلك في مسح
[ ١٠٠ ]
الرأس، قال في مكان لا يجزيه مسح بعضه. وقال في مكان آخر: يجزيه مسح بعضه. ومن ذلك يقول في المسح من الحدث، ويقول من المسح إلى المسح. ونظائر هذا. فالمذهب فيه أنا ننسب إليه من ذلك نص ما نقل عنه في الموضعين، ولا نسقط من الروايات شيئا قلت أم كثرت، وتكون كل رواية كأنها على جهتها عرية عن غيرها وردت. والأصل في ذلك أنا وجدنا الروايتين في زمانين موقعهما غير فاسد، ولا فيه تقصير ولا شبهة ولا
[ ١٠١ ]
تأنيب، إذ كل جواب قد أثبت القضاء فيه وأخبر عن الحكم به، فإذا ثبت هذا كان الواجب علينا أن ننسب إليه كل ما نقل عنه حتما. فإن قيل: فإيش الفرق بين هذا وبين أن ننقل عنه إن قال فيهما قولين؟
فالجواب أن هذا فاسد، وذلك أن يوافي بقولين متضادين في حالة واحدة استحلال أن يكون منه إصابة فيه أذكره من الاختلاف إذ الشيء لا يكون في حالة واحدة حلالا حراما، فإذا كان القولان معا لا يثبتان الحكم ولا يؤديان نقص الحق بعد الأخذ بطل أن ينسب إليه منها قولا حتما وليس كذلك إذا كانت الفتوى في زمانين متفرقين، إذ كل جواب في نفس الإجابة حق وحتم، لا ارتياب فيه، وقد قررنا أن الفتوى إنما تكون من حيث الذي قد ثبت وقد يكون عنده في بدايته جواب دليل يقضي به لا يصيب غيره، فإذا كان في وقت ثان وصل إليه دليل غير الأول وجب بذلك الانتقال وليس هذا إلا بمثابة شاهد للأصول قد يفتي الفقيه في حادثة بدليل في الحال ويظهر له بعد ذلك دليل ثان غير حقيقة الأمر فيجب عليه الانتقال، وليس هذا موجودا في جوابه بالقولين معا لأنه غير قاطع بشيء حتما لا في عاجل أمره ولا عند مآله، فإذا ثبت هذا بان الفرق وبالله التوفيق.
فصل: سؤال مع أصحاب الشافعي وغيرهم إن قالوا: خبرونا عن مذهبه أحمد إذا كانت الأجوبة والروايتين والثلاثة وكل رواية لصاحبها معارضة هذه محلة والأخرى حاظرة بما عليه تقطعون وإليه فيهما تنسبون وأنتم على ذلك غير عابرين ولا إليه واصلون ولا عندكم عنه نص تأزرون في ردكم واحدا، ونسبتكم إليه واحدا. قالوا: وقد ثبت أيضا أنه إذا قال في وقت قولا وقال في وقت آخر ضدا به إنا على يقين من الخطأ في أحد جوابيه فإذا ثبت اليقين في أحد جوابيه اعتمد عليه وترك ما أفتى. وحمله هذا فلا وجه له والدليل على صحة أصل الروايتين ظاهر ومغني: فالظاهر كتاب وسنة، فالكتاب قوله: ﴿وإن أحكم بينهم بما أنزل الله﴾.ثم بين له أن يتبع القرآن
[ ١٠٢ ]
بقوله: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرءانه﴾. وقد ثبت أن الله جل وعز أبان له أنه ينسخ ما يشاء، ويثبت ما يشاء، ويأمر بما يشاء، ويسقط في أوامره ما يشاء. فإذا استقرت القصة في أصل الشريعة بنص الكتاب أنه قد علم ﷺ في وقت بآية، ثم يأتي وقت آخر ينزل عليه آية أخرى فيحكم بضد ما مضى وذلك في الطرفين جميعا هدى وشفاء للناس وجب أن تكون الأصول في جوابات العلماء على ذلك، فإن من علم دليله في وقت فتواه بأصل من الشريعة لا شيء يعارضه إن قضيته ثانية في الحال، فإذا كان في وقت ثان إنكشفت له دلالة ثانية غير تلك الدلالة للأدلة كان عليه المبادرة إليها بمثابة ما ذكرنا في قصة صاحب الشريعة بما يأتيه من الوحي من التنزيل. ومن السنة أيضا أنه ﷺ يوقع قضاء في وقت على حد بدليل قد أمر به، ثم يأتي عنه القضاء فيها في وقت ثان بضد ما سبق من القضاء بد، إذ يكون القضاء في الوقتين صدقا وحقا، فإذا ثبت هذا كان ذلك بمثابة جوابات الفقهاء سواء، ثم الذي يدل على صحة ذلك أن القضايا عن الصحابة هكذا وردت بالاختلاف في الأزمنة وقعت ألا ترى إلى قصة الأنصار حكما ومذهبا: الماء من الماء. وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، ورفاعة بن رافع ونظراؤهم.
[ ١٠٣ ]
وكذلك نقل عن الإمام عثمان، وكانت الأنصار تفتي به في مسجد النبي ﷺ، ثم أن الإمام عثمان جمع الناس، فانتشر يجمع الناس الانتقال عما كان من الفتوى وعدلت الأنصار عن النظر الأول أي ما
[ ١٠٤ ]
انتشر في الاختلاف بنظر الإمام عمر، فكان السبق منهم بالفتوى في الأول لا يؤثر نقضا ولا يوجب تزيينا.
ومن ذلك حديث ابن عمر: كنا نخابر أربعين سنة ولا نرى بذلك بأسا، حتى تعارنا رافع عن أمر كان لنا نافع وإن رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة فتركناها. فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما، ويقوي هذا بيان النبي ﷺ حيث قال: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله عشرة أجور، وإن أخطأ فله أجر. فإذا ثبت ثبت عن النبي ﷺ أذن ذلك بأن العلماء والحكام قد يثابون في جوابهم من جميع اجتهادهم وإن كانوا على غير الإصابة حقيقة موجباتهم وهذا فلا ينقص أحدا ولا يوهنه، وإنه تارة يكون على دليل يرى في باب آخر ما هو أقوى منه فيدع الأول ويقضي بما هو في ثاني، فإذا ثبت هذا كان أصل الروايتين قريبا على هذا الخبر المطابق للأصول الموجبات مع الكتاب والسنة ووجوه العبرة. ومن أدل الأشياء أن الصحابة تكون من الصديق على مقال يخالفه من بعده، ألا ترى إلى مجامعتهم إياه أن الجد أب وأن الخمرة حدها لا يحصى عدا بل يكون يسيرا.
ثم إنهم من بعده خالفوه في الحد وصاروا إلى دليل الحال عند النازلة وكذلك في باب وجب عندهم بعد أبي بكر من الدليل ما استحث العصبة عليهم بالتحديد. ومن ذلك متابعتهم إياه على التسوية في التفرقة وإعطاء العبيد كالأحرار وترك تدوين الديوان ثم أوجبت الدلالة من بعد الصديق التفضيل، وتدوين الديوان وإخراج العبيد عن العطاء فإذا ثبت هذا من الأئمة بدا علمت بذلك أن الاختلاف في الروايات عن العلماء مرتبة على ما هو في الشرع أصل، وقد نقل عن الإمام عمر رحمة الله عليه أنه قضى في الحد فقال
[ ١٠٥ ]
بثمانين ضربة، فإذا ثبت هذا كان ما ذكرناه سالما.
فأما الجواب عن الذي قالوه من الاعتراض الأول فذلك فاسد الروايتين إذ أحطنا عنه بطريق علمنا بالمذهب بذا هو ثبوت النقل بهما، فنقول إنهما جميعا منقولان عنه ونقول إن الحق من الروايتين عنه هي واحده لا من حيث بعد ثم الأخرى لكن واحدة في الجملة، ونقول إن الحق التابع لمذهبه أن يتأمل ما رسمه من وجود أدلة السمع وما أوضحه من الاحتجاج من الأصل فإذا أداه إلى رواية ففاضحة الأخرى عنده، لا أنه ينفيها عنده وعند غيره وعند أبي عبد الله ﵀، وليس هذا إلا بمثابة الآيات، وما عن النبي ﷺ يرد في الحادثة خبران متضادان محلل ومحرم، فنحن نعلم بفتواهما ثابتان في الراوية عن النبي ﷺ ونعلم يقينا أن الحق في واحد عينا، فإذا أدى بالاجتهاد الحديثين واحد كان ذلك من حيث نفسيه عندنا لا لنا ننفيه عن رسول الله ﷺ قولا ولا أن يكون عنده القضاء به فاسدا، فإذا ثبت هذا كان كذلك كان كباب في باب المذهب عن أبي عبد الله في روايته سواء.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنكم لا تصلون إلى ما تقطعون به من نص مقالته ولا تعلمون ذلك من مقالة تقول فاسدا إذ ما ينسب إليه شيء ما من قبله ولا يقطع عليه بشيء إلا من حيث بيانه، فإذا ثبت عنده الروايتين كان بالنقل يشبه القول حق، ومن حيث الاستدلال عندنا رجحنا من الأقاويل واحدا لا يبقي ذلك أن يكون غيرنا في المذهب أيضا بأحد بما نفيناه نحن إذا كان عنده أن ذلك الحق إليه أسبق، ولا يخرجنا نحن ما جوزنا لغيرنا من الأخذ أن يرد عليه من حيث الانكشاف، وكل على أصل ما منا يكلف الاجتهاد وينتفي عنه التقليد.
وأما الجواب عن الذي قالوه من أنكم إذا أجزتم عليه الخطأ في قوله بدا فكذلك يجوز عليه فيما بعده فهذا الفن من الخطأ لا يؤثر شيئا إذ قد قررنا أن
[ ١٠٦ ]
جوابه بدايته ونهايته إنما هو على أصل دليل لا أنه على التخيير فالدليل لا حد له في الإجتهاد إما إصابة وإما إبطال لا غير. فإذا ثبت عنه القولان في وقتين قطعا بينا أن الحق لا يخرج عن هاذين القولين ولزمنا البحث بعد ثبوت اليقين أن عين الإصابة في أحدهما إن بطلت ما قررنا إليه الدليل فيقطع به عندنا دون الآخر.
جواب ثان- وإن هذا السؤال يؤول منه إبطال أصول الشرع إذ قد يمكن الصحابة حيث قضوا في الماء من الماء، إن ما طرأ من دليل الغسل لا يؤخذ به لأنه لما كان الأول قد أذنو بتركه إلا أن يكون الثاني بمثابته، ولما كان هذا لا يقوله أحد بطل ما قالوه.
جواب ثالث- هو أن الخطأ من حيث قضية الاجتهاد لا تخالف واجبا، إذ الاجتهاد وبذل ما في الطاقة هو الفرض بإطلاق الخطأ على ما طريقة قضية الحكم في الشرع لا يؤذن بتضييع فرض، فإذا ثبت هذا كان ما نقل عنه من الروايتين ينتفي عنهما كل شبهة وريب أنهما وقفا على السلامة فلربما فيها يدين به منهما الاجتهاد وبالله التوفيق.
وقد يظن أصحاب الشافعي أن الروايتين تقارب جواب الشافعي بالقولين وشتان بينهما أولا يجوز في الشريعة إثبات أمر بشيء وضده، وكذلك لا يجوز في الشريعة جواب في وقتين يترادان ويتضادان، فكذلك في الجواب أن يرد في وقتين مختلفين جوابين مختلفين على ما أوجبه الاستدلال وبالله التوفيق.
[ ١٠٧ ]