الإجماع
* تعريفه:
لُغَةً: يُطلقُ على العزمِ والتَّصميمِ على فعلِ الشَّيءِ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، ويطلقُ على الاجتماعِ والاتِّفاقُ، يقالُ: (اجمعواعلى كذا) عى نقيضِ (اختلفُوا) .
اصطلاحًا: اتِّفاقُ مجتهدِي أُمَّةِ محمَّدٍ - ﷺ - بعد وفاتِه في عصرٍ من العصُورِ على حكمٍ شرعيٍّ.
هكذا يُعرِّفُ الأصوليُّونَ (الإجماعَ)، وهي صُورةٌ خياليَّةٌ لا وُجودَ لهاَ، فليسَ هُناكَ أمرٌ واحدٌ يصحُّ أن يُدَّعى أنَّهُ اجتمعَتْ في مثلهِ قيودُ هذا التَّعريفِ.
فاتِّفاقُ المجتهدينَ؛ يحتاجُ إلى ضابطٍ صحيحٍ للمجتهدِ، وقدِ اختلفُوا فيه، والاتِّفاقُ يحتاجُ إلى ضابطٍ صحيحٍ للمتجتهدِ، وقدِ اختلفُوا فيه، والاتِّفاقُ يحتاجُ إلى الإحاطَةِ بأنَّ ذلكَ الحُكمَ قد نطَقَ به أو أقرَّهُ كلٌّ منهم بأمارةٍ صريحةٍ علىالموافقةِ مع انتفاءِ الموانعِ فلا يكونُ مُكرهًا مثلًا، وهذا أمرٌ يستحيلُ أن يُدركَ في المتجتهدين، كما تستحيلُ الإحاطَةُ بآراءِ جميعهِم على هذا الوصفِ مع اتِّساعِ بلادِ الإسلامِ وتفرُّقِهِم فيها.
[ ١٦٠ ]
فالواقعُ يُحيلُ وقوع ذلكَ، وتاريخُ هذه الأمَّةِ معلومٌ، فإنَّها بعدَ رسول الله - ﷺ - والصَّدرِ الأوَّلِ قدْ تفرَّقتْ حتَّى بلغتْ حدَّ استحالَةِ جمعهَا على ما اختلفتْ فيهِ من الكتابِ وهو نصٌّ قطعيٌّ، فكيفَ يُتصوَّرُ إمكانُ جمعها على أمرٍ لا نصَّ فيه ليكونَ حكمًا شرعيًّا للأمَّةِ؟
قال الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ ﵀: «ما يدَّعي الرَّجلُ فيه الإجماعَ هذا الكذِبُ، منِ ادَّعَى الإجماعَ فهو كذبٌ، لعلَّ النَّاسَ قدِ اختلفُوا» [أخرجهُ عنه ابنُهُ عبدُالله في «مسائله» رقم: ١٨٢٦] .
وأطال الأصوليُّونَ في تقريرِ تعريفِهم هذا واجتَهَدُوا فيه غايةَ الاجتهادِ بكلامٍ كثيرٍ يُغني في العلمِ شيئًا، واستدلُّوا له بأدلَّةٍ لا ينهضُ منها شيءٌ ليكونَ له صلةٌ بما من أجلهِ أوردُهُ.
ولو سألتَ: أينَ هي الأحكامُ الشَّرعيَّةُ الَّتي لم تُستفَدْ إلاَّ بطريقِ الإجماعِ على هذا التَّعريفِ، لم تَجِدْ جوابًا بذِكرِ مسألةٍ واحدَةٍ، فعجبًا أن يُدَّعى بأنَّ ذلك من أدلَّةِ شريعةِ الإسلامِ المعتبَرَة ولايُمكنُ أن يوجدَ له مثالٌ واحدٌ صحيحٌ في الواقعِ على مدَى تاريخِ الإسلامِ الطَّويلِ!
ولكنْ ليس يعني هذا إبطالَ وجودِ مسمَّى (الإجماع)، فالمسمَّى صحيحٌ، والإجماعُ دليلٌ مع الكتابِ والسُّنَّةِ يُقاسُ بِه الهُدَى والضَّلالُ، لكنَّهُ ليسَ دليلًا مستقلًاّ للأحكامِ، إنَّما هو دليلٌ تبعيٌّ للكتابِ والسُّنَّةِ، وبعبارةٍ أخرَى:
[ ١٦١ ]
الإجماعُ هوَ: ما اتَّفق عليه المسلمونَ من نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ.
وهذا المعنى للإجماعِ لم يقعْ إلاَّ في شيءٍ مقطوعٍ به في دين الإسلامِ معلومٍ من الدِّينِ بالضَّرورةِ، كالصَّلواتِ الخمسِ، وصومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ، وحُرمَةِ الزِّنا، وشُربِ الخمرِ، وغير ذلكَ، وهذا الَّذي يُقالُ في مثلهِ: ثبتَ حُكمهُ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ.
وعلى هذا المنقولُ عن السَّلفِ في هذه المسألةِ، قال الشَّافعيُّ ﵀: «لستُ أقولُ ولا أحدٌ من أهل العلمِ: (هذا مُجتمعٌ عليه)، إلاَّ لما لا تلقَى عالمًا أبدًا إلاَّ قالهُ لك وحكاهُ عن منْ قبلهُ، كالظُّهرِ أربعٌ، وكتحريمِ الخمرِ، وما أشبهَ هذا» [الرِّسالة رقم: ١٥٥٩] .
والخطرُ بمخالفَةِ هذا الإجماعِ أنَّ صاحبَهُ يخرُجُ من الإسلامِ لمخالفتهِ المعلومَ من الدِّين بالضَّرورةِ والخُروجِ عن جماعةِ المسلمينَ بذلكَ، وهذا لا يكونُ في نصٍّ من نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ وقعَ الاختلافُ فيه، فإنَّه لا يحكمُ لصاحبِهِ بالخروجِ من الإسلامِ.
* حجيته:
الألَّةُ الَّتي يُستدلُّ بها لحُجِيَّةِ الإجماعِ في الكتابِ والسُّنَّةِ كثيرةٌ، جميعُهَا شاهدٌ على أنَّ الإجماعَ المُعتبرَ هو: ما اتَّفق عليه المسلمون من نُصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ، فمن أهمِّ تلكَ الأدلَّة:
١ـ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى
[ ١٦٢ ]
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] .
فتوعَّد الله تعالى بهذا الوعيد الشَّديدِ على مخالفةِ سبيل المؤمنينَ كما توعَّدَ على مُشاققةِ الرَّسولِ - ﷺ - بعد بلوغِ العلمِن دالًاّ على أنَّ سبيلَهُم هو الهُدَى، ولفظُ (المؤمنين) لم تُرَدْ بهِ طائفةٌ دونَ أُخرَى، وإنَّما هو لفظٌ شاملٌ لجميعهِم، ولا يُوجدُ شيءٌ اجتمعُوا عليه جميعًا أحياءً وأمواتًا إلاَّ شيءٌ معلومٌ من الدِّينِ بالضَّرورةِ لا يسعُ أحدًا جَحْدَهُ.
٢ـ وحديثُ: «لايجمعُ الله أمَّتي على ضلالةٍ أبدًا» [حديثٌ ضعيفٌ، يقوِّيه بعضُ العلماءِ بتعدُّد الطُّرقِ]، وهذا معنى صحيحٌ، فإنَّ هذه الأمَّةَ الوسطَ لم تكُن لتشهَدَ على النَّاسِ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وهي تجتمعُ على الخطإ.
٣ـ وقولهُ - ﷺ -: «عليكمْ بالجماعَةِ، وإيَّاكمْ والفُرقَةَ، فإنَّ الشَّيطان مع الواحدِ وهوَ من الإثنينِ أبعدُ، من أرادَ بحُبوحَةَ الجنَّةِ فلْيلْزمِ الجماعَةَ» [حديثٌ صحيحٌ أخرجه التِّرمذِيُّ وغيرُهُ]، وفي معناهُ أحاديثُ كثيرةٌ تبلُغُ التَّواترَ تأْمُرُ بالكونِ مع الجماعَةِ والالتزامِ بها، وهذا إنَّما يتحقَّقُ بالاجتماعِ لا بالافتراقِ، وبوحدَةِ الكلمةِ لا بتفرُّقها.
وهذا المعنى لا يوجدُ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ إلاَّ في قضيَّةٍ لا يسوغُ
[ ١٦٣ ]
فيها الخلافُ من قضايا الشَّريعَةِ المعلومَةِ من دينِ الإسلامِ بالضَّرورَةِ.
ويُقالُ: لو أمكنَ أن تتَّفقَ هذه الأمَّةُ على أمرٍ لم يرِدْ في الكتابِ والسُّنَّةِ فذلكَ الاتِّفاقُ حُجَّةٌ، على أنَّه يُقالُ: لا بُدَّ للإجماعِ من مُستَنَدٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ، وهذا يعني أنَّه ليسَ بدليلٍ استِقلالًا وإنَّما هو دليلٌ تبعيٌّ.