الأدلة نوعان:
١ـ نقليَّة:
وهي: الكِتابُ، والسُّنَّة، والإجماعُ، وشرعُ من قبلَنَا.
وسمِّيتْ (نقليَّةً) لأنَّها راجعةٌ إلى النَّقلِ ليسَ للعقلِ شيءٌ في إثباتهَا.
٢ـ عقليَّة:
وهي: القِياسُ، والمصلحَةُ المُرسلَة، والعُرفُ، والاستصحابُ.
وسمِّيتْ (عقليَّةً) لأنَّ مردَّها إلى النَّظرِ والرَّأيِ وإنْ لم تستقلَّ بها العُقُولُ.
والأدلَّةُ هي البيَانُ لشريعَةِ الإسلامِ.
* مرجع جميع الأدلة إلى القرآن:
تقدَّمَ أنَّ العقلَ لا يستقلُّ بإثباتِ الأحكامِ وأنَّ مرجعَ ذلكَ إلى الوَحي، والوحيُ ما أوحى الله تعالى به إلى نبيِّه - ﷺ -، وهوَ: الكتابُ والسُّنَّةُ، وإنَّما علمنَا أنَّ السُّنَّةَ وحيٌ بدلالةِ القرآنِ، وأُمرنَا باتِّباعهَا بأمرِ القرآنِ، فعادَ أمرُهَا إلى القُرآنِ، وسائرُ الأدلَّةِ دُونها ما اتَّفق عليه النَّاسُ وما اختلفُوا فيه عائدٌ اعتبارُهُ إلى الكتَابِ والسُّنَّةِ، فالإجماعُ لا يُتصوَّرُ
[ ١٠٧ ]
كما سيأتي من غيرِ الاستدلالِ له من الكتاب ِوالسُّنَّة، والقياسُ لا يتمُّ إلاَّ بدليلٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ، وسائرُ الأدلَّةِ ليسَ فيها مَا يُمكنُ تصحيحُ الاستدلالِ بهِ إلاَّ بالكتابِ والسُّنَّة، وحيثُ كانَ مرجعُ أمرِ السُّنَّةِ إلى القرآنِ، فقد صحَّ أنَّ مرجعَ جميعَ أدلَّةِ الأحكامِ إلى القُرآنِ.
* ترتيبُ الأدلة:
إذا كانَ مرجعُ جميعِ الأدلَّةِ إلى (القرآنِ) فوجبَ ضرورَةً أن يكونَ أوَّلها في الرُّجوعِ إليهِ لاستفادَةِ الأحكامِ، ولمَّا كانتِ (السُّنَّةُ) مبيِّنةً لهُ وهي الدَّليلُ الثَّاني المتَّفقُ على الاستدلالِ به لعودِهَا إلى مسمَّى (الوحي) فهي التَّاليةُ للقرآنِ في ترتيبِ الاستدلالِ، وجديرٌ أن تكُونَ سائرُ الأدلَّةِ في التَّرتيبِ تعودُ إلى قوَّةِ اتِّصالهَا بالوحييْنِ، فـ (الإجماعُ) لا يعودُ تقريرُهُ إلى نظرٍ، وعُمدتُهُ على النَّصِّ فهوَ ألصقُ من سائرِ الأدلَّةِ بالوحيِ، ثمَّ يأتي ترتيبُ الأدلَّةِ النَّظريَّة وعلى رأسهاَ (القياسُ) فهوَ أظهرُهَا من جهَّةِ اتِّصالهِ بالوحيِ.
وقَدْ رُويَ في ترتيبِ الأدلَّةِ حديثٌ مشهورٌ لا يكادُ يخلو منهُ كتابٌ من كُتُبِ الأصولِ، وهو حديثُ معاذِ بنِ جبلٍ ﵁: أنَّ رسول الله - ﷺ - حينَ بعثَهُ إلى اليمَنِ فقال: «كيفَ تصنعُ إنْ عرضَ لكَ قضاءٌ؟» قالَ: أقضي بمَا في كِتابِ الله، قالَ: «فإنْ لم يَكُنْ في كتابِ
[ ١٠٨ ]
الله؟» قالَ: فبسُنَّةِ رسول اللهِ، قالَ: «فإنْ لم يكُنْ في سنَّةِ رسول الله - ﷺ -؟» قال: أجتهدُ رأيي لا آلُوا، قالَ: فضربَ رسولُ الله - ﷺ - صدرِي ثمَّ قالَ: «الحمدُلله الَّذي وفَّق رسُولُ الله - ﷺ - لما يُرضي رسولَ الله - ﷺ -» [أخرجهُ أحمدُ وأبوداودَ والتِّرمذيُّ وغيرُهم] .
وهذا الحديثُ لا يُثبتُهُ أئمَّةُ الحديثِ من السَّلفِ، ووافقهمْ على قولهِمْ في ردِّه مُحقِّقُو المُحدِّثينَ ممَّنْ جاءَ بعدَهُم، فمِمَّن ضعَّفهُ وردَّهُ: البُخارِيُّ، والتِّرمذِيُّ، والدَّارقُطنيُّ، وابن حزْمٍ، وابن طاهرٍ المقدسِيُّ، وابنُ الجوزِيُّ، والذَّهبيُّ، وأبوالفضلِ العِراقِيُّ، وابنُ حجرٍ العسقلانِيُّ، وغيرُهُم من أئمَّةِ المحدِّثينَ ونُقَّادِهم، وعلَّةُ الحديثِ تعودُ إلى الاختلافِ فيه وصلًا وإرسالًا، وجهالةِ بعضِ رُوَّاتهِ في موضعينِ، وواحدةٌ من تلك العِللِ تسقُطُ بحديثٍ في الفضائلِ، فكيفَ بحديثٍ في الأصولِ؟!
ولكنَّ ضعْفَ هذا الحديثِ لا يُؤثِّرُ في ترتيبِ الأدلَّةِ المذكورَةِ، فإنَّ أصولَ الشَّريعةِ اقتضتْهُ ودلَّتْ عليهِ، وهوَ المنقولُ عن أصحابِ النَّبيِّ - ﷺ -، وذلكَ بتقديمِ الوحي أوَّلًا على الرَّأيِ، والوحيُ كتابٌ وسُنَّةٌ، والسُّنَّةُ تابعةٌ للقُرآنِ من حيثُ أنَّهَا مُبيِّنَةٌ له، ودرجَةُ التَّابعِ لا تصلُحُ أن تكونَ مُساوِيةً للمتبوعِ فضلًا عن أن تسبِقَهُ، كيفَ والقرآنُ كلامُ ربِّ العالمين ﵎؟ ويزيدُ هذا تأكيدًا ما سيأتي في التَّفريقِ بينَ طريقَي نقْلِ القُرآنِ ونقلِ السُّنَّة، مِمَّا فيه بلا ريب دلالَةٌ بيِّنَةٌ على تأكيدِ
[ ١٠٩ ]
هذا التَّقديمِ، أمَّا مرتبةُ النَّظرِ والاستنباطِ فحيثُ لا يكونُ الوحيُ، فهيَ جديرةٌ بالتَّأخُّرِ بعدَهُ بهذا الاعتبارِ.
وهذا التَّرتيبُ من جهَةِ البدْءِ في الاستدلالِ ومنزلَةِ الدَّليلِ، أمَّا مِنْ جهةِ كونِ الدَّليلِ حُجَّةً في إفادَةِ الأحكامِ فالوحيُ: كتابٌ وسُنَّةٌ درجَةٌ واحدَةٌ كما سيأتي بيانُهُ.
* * *
[ ١١٠ ]