* الحِيلُ لا يصلحُ القولُ بإطلاقِ بُطلانهَا، بلْ هي واقعةٌ على ثلاثة أقسامٍ:
١ـ متَّفقٌ على بُطلانه، وهو: ما هدَمَ دليلًا شرعيًّا أو ناقضَ مصلحةً مُعتبرةً.
مثالهُ: ما وردَ في حديث جابرِ بن عبد الله ﵄: أنَّهُ سمعَ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ عامَ الفتحِ وهوَ بمكَّةَ: «إنَّ الله ورسولهُ حرَّم بيعَ الخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنامِ» فقيلَ: يا رسول الله، أرأيتَ شُحومَ الميتةِ، فإنَّها يُطلَى بها السُّفُنُ، ويُدهنُ بها الجُلودُ، ويستصبحُ بها النَّاسُ؟ فقالَ: «لا، هوَ حرامٌ»، ثمَّ قال رسول الله - ﷺ - عندَ ذلكَ: «قاتل الله اليهودَ، إنَّ الله لمَّا حرَّمَ شُحومَهَا جملُوهُ، ثمَّ باعُوهُ، فأكلُوا ثمنهُ» [متفقٌ عليه] .
وهذا النَّوعُ من الحِيلِ مشهورٌ عن اليهودِ، كما في قصَّةِ السَّبتِ كذلكَ وغيرهَا.
٢ـ متَّفقٌ على جوازِهِ، وهوَ ما جاءتِ الشَّريعةُ بالإذنِ فيهِ، وما كَانَ كذلكَ فليسَ فيه إلاَّ تحقيقُ المصلحةِ الرَّاجحةِ.
مثالُهُ: الاحْتِيالُ بقولِ كلمةِ الكُفرِ عندَ الإكراهِ عليهَا دفعًا للأذى عنِ النَّفسِ.
[ ٢٠٩ ]
٣ـ مختلفٌ فيهِ، بسببِ التَّردُّدِ في المصلحةِ والمفسَدَةِ.
وهذا ينبغي أن يُلاحظَ فيه إن كانَ الشَّرْعُ قدْ نصَّ على إبطالِ الحيلةِ، كتحليلِ المُطلَّقةِ ثلاثًا لزوجها الأوَّل، أو دلَّ على إبطالهَا كمنعِهِ إبطالَ حقِّ الغيرِ بغيرِ حقٍّ، كالاحتِيالِ على الزَّوجةِ لإسقاطِ المهرِ من غيرِ رِضاها، أو إسقاطِ حقٍّ لله تعالى في موضعٍ ليسَ فيه رُخصةٌ، فهذه صُورٌ فاسدَةٌ من الحِيلِ لا تحلُّ.
أمَّا إذا كانتِ الحيلةُ لإيجادِ المخرَجِ من الحرامِ لمنْ كانَ واقعًا فيهِ، أو ليدفعَ عن نفسِهِ الوُقوعَ فيهِ، أو ليكْتسبَ حقًّا فاتَهُ، أو حرصًا على إصابةِ الحلالِ، فتلكَ مخارجُ شرعيَّةٌ صحيحةٌ مقبولةٌ.
مثالهُ: ما وردَ من حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ وأبي هريرَةَ ﵄: أنَّ رسول الله - ﷺ - استَعملَ رجلًا على خيبرَ، فجاءَهُ بتمرٍ جنيبٍ، فقالَ رسول الله - ﷺ -: «أكلُّ تمرِ خيبرَ هكَذَا؟» قال: لا واللهِ يا رسول الله، إنَّا لنأخذُ الصَّاع من هذا بالصَّاعينِ، والصَّاعينِ بالثَّلاثة، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تفعلْ، بِعْ الجمعَ بالدَّراهم، ثمَّ ابتعْ بالدَّارهمِ جنيبًا» [متفقٌ عليه] .
فهذه حيلةٌ شرعيَّةٌ صحيحةٌ، لا يُقابلُ مفسَدَةً، فيهَا التَّخلُّصُ من الرِّبا.
* * *
[ ٢١٠ ]