* تعريفه:
لغة: الشَّاملُ.
واصطلاحًا: اللَّفظُ المستغرقُ لجميعِ ما يصلُحُ له بوضعٍ واحدٍ دُفعةً واحدةً من غير حصرٍ.
معنى التَّعريف:
لفظُ (العامِّ) مثلُ لفظ (النَّاسِ) مُستعملٌ في لسانِ العربِ ليشملَ كلَّ من يندرجُ تحتَ هذا اللَّفظ من بني الإنسانِ، فلا يخرُجُ عنه إنسانٌ، وهوَ لفظٌ واحدٌ دلَّ بمجرَّدِهِ على الاستيعابِ والإحاطةِ.
* صيغته:
يُعرفُ (العُمومُ) بألفاظٍ مخصوصةٍ، أهمُّهَا:
١ـ لفظُ (كلّ) و(جميع) و(كافة) و(عامّة) وما في معناها.
كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائقة الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله ِ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله - ﷺ -: «وكَانَ النَّبيُّ يُبعثُ إلى قومِهِ خاصَّةً وبُعثتُ إلى النَّاسِ عامَّةً» [أخرجه
[ ٢٦٢ ]
البخاريُّ من حديثِ جابرِ بن عبد الله] .
٢ـ الجمعُ المعرَّفُ بـ (أل) الاستِغراقيَّةِ.
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
ومثلُهُ لفظُ الجنسِ الجمعيِّ الَّذي لا واحدَ لهُ من لفظِهِ، مثلُ (النَّاس، الإبل) .
٣ـ الجمعُ المعرَّفُ بالإضافة.
كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ ِ [التوبة: ١٠٣] .
٤ـ المُفردُ المعرَّفُ بـ (أل) الاستغراقيَّة.
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، وقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] .
أما المفردُ المعرَّفُ بـ (أل) العهْديَّة، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ـ ١٦]، فالرَّسول هنا معهودٌ حيثُ تقدَّم قبلهُ بقولهِ: ﴿رَسُولًا﴾ والمقصودُ به موسى ﵇، فليسَ هذا للعُمُومِ.
[ ٢٦٣ ]
وكذلكَ المفردُ المعرَّف بـ (أل) الجنسيَّةِ، كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، فالمقصودُ جنسُ الذَّكر وجنسُ الأنثَى، لكلِّ ذكرٍ وكلُّ أنثَى.
٥ـ المفردُ المعرَّف بالإضافة.
كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقوله - ﷺ - في البحرِ: «هو الطَّهورُ ماؤُهُ الحلُّ ميِّتتُه» [حديثٌ صحيحٌ أخرجه أصحابُ السُّنن من حديث أبي هريرة] .
٦ـ الأسماء الموصولةُ.
كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]، وقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نسائكم إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] .
٧ـ أسماءُ الشَّرطِ مثلُ (مَنْ، مَا، أينَ، أيّ) .
كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقولهِ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]، وقوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] .
[ ٢٦٤ ]
٨ـ أسماءُ الاستِفهامِ (مَنْ، ما، أينَ، متَى، أيّ) .
كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقوله: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] .
٩ـ النَّكرة في سياقِ النَّفي أو النَّهي أو الشَّرطِ أو الامتنانِ.
ككلمَة التَّوحيد: (لا إله إلاَّ الله)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقوله: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]، وقوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، وقوله - ﷺ -: «لا صلاَةَ لمن لم يقرأ بفاتحَة الكتابِ» [متفقٌ عليه]، وقوله: «لا ضررَ ولا ضرار» [حديثٌ صحيحٌ بطرقه أخرجه أحمدُ وغيرُهُ]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] .
١٠ـ ضميرُ الجمعِ، كالواوِ في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] .
* دلالته:
(العامُّ) من حيثُ
دلالتُه ينقسمُ إلى أنواعٍ ثلاثةٍ، هي:
١ـ عامٌّ دلالتُه على العُمومِ قطعيَّةٌ.
وذلك بمجرَّد صيغةِ العُمومِ، وإنَّما بقيامِ الدَّليل على انتِفاءِ احتمالِ التَّخصيصِ، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا
[ ٢٦٥ ]
عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] .
٢ـ عامٌ يرادُ به الخصُوصُ قطعًا.
وذلك بقيامِ الدليل على أنَّ المراد بهذا العامِّ بعضُ أفرادِهِ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وكخرُوج غيرِ المكلَّفين كالصِّبيانِ والمجانين من عُمومِ صيغةِ الخطابِ الشَّاملة لهم في الأصل كلفظِ (النّاسِ) .
٣ـ عامٌّ مخصوصٌ.
وهو العامُّ الَّذي يقبلُ التَّخصيص، وذلك حين لا تصحبُه قرينَةٌ تنفي احتمالَ تخصيصهِ، ولا قرينةٌ تنفي دلالته على العُمومِ، وهو أكثر العمُوماتِ في نصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ.
والأصلُ أنَّ كلَّ لفظٍ من ألفاظِ (العُمومِ) مستعملٌ في لسانِ العربِ للاستغراقِ والشُّمولِ، وهذه حقيقةٌ متبادرَةٌ بمجرَّدِ استِعمالِ اللَّفظِ، ولم يخرج الاستِعمالُ الشَّرعيّ عن هذه الحقيقةِ إلاَّ بدليلٍ يرِدُ بالتَّخصيصِ لتلكَ الألفاظِ يُبيِّنُ أنَّه لم يُرد بهَا الاستِغراقُ.
* أدلة حجية العموم:
وهذا المعنى جاءَ في براهينِ الشَّرعِ ما يدلُّ عليهِ، فمن ذلكَ:
[١] قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١]،
[ ٢٦٦ ]
ففهِمَ الخليلُ ﵇ من مجرَّدِ اللَّفظِ العُمومِ، ولذَا قال: ﴿إِن فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] .
[٢] وقولهُ تعالى عن نوح ﵇: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، ففهِمَ نوحٌ من عُمومِ قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، أنَّ عُموم الأهلِ يشملُ ولدَهُ، وحملَ الاستثناءَ في قوله: ﴿سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ على امرأته، ولذَا لم يَدَعُ لها كما دعَا لوَلَدِهِ، حتَّى أعلمَهُ الله تعالى دُخولَ ولَدِه فيمَنْ سبقَ عليه القولُ بسببِ عملِهِ غيرِ الصَّالحِ.
[٣] وحديثُ عبد الله بن عبَّاسٍ ﵄، قالَ: جاءَ عبد الله بن الزِّبعرَى إلى النَّبي - ﷺ - فقالَ: تزعُمُ أنَّ الله أنزلَ عليكَ هذِه الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، فقال ابنُ الزِّبعرَى: قد عُبِدَتِ الشَّمسُ والقمرُ والملائكةُ وعُزيرٌ وعيسى بنُ مريم؛ كلُّ هؤلاءِ في النَّارِ مع آلهتِنَا؟ فنزلتْ: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٧ـ ٥٨]، ثمَّ نزلتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] [حديثٌ حسنٌ، أخرجه ابنُ مردويهِ والضِّياء المقدسيُّ بسندٍ حسنٍ] .
[ ٢٦٧ ]
فابنُ الزِّبعريّ استعملَ العُموم ليُجادل بهِ، وذلكَ بأنَّه جارٍ على لُغته ولسانهِ، وهوا لعربيُّ الفصيحُ، حتَّى أنزل الله تعالى دليل التَّخصيصِ، فأبطل خُصومتهُ.
[٤] وقوله - ﷺ - حين سُئلَ عن الزَّكاةِ في الحُمرِ» ما أُنزل عليَّ في الحمُرِ إلاَّ هذه الآية الفاذّة الجامعةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ـ ٨] شقَّ ذلك على أصحابِ رسول الله - ﷺ -، وقالوا: أيُّنا لا يظلمُ نفسهُ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «ليسَ هوَ كما تظنُّونَ، إنَّما هو كما قال لُقمانُ لابنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِن الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، [متفقٌ عليه]، فأجرى الصَّحابةُ الآية الأولى على العُموم بمقتضى لُغتهم ولسانِهم، حتّى بيَّن لهُم النَّبي - ﷺ - أنَّ العمومَ هنَا مخصوصٌ.
وفي هذا الحديث من الفائدة كذلك: أنَّ دلالة العُمومِ ظنيَّةٌ بصريحِ قول النَّبيِّ - ﷺ -.
فهذه براهينُ ظاهرةٌ في صحَّةِ الاستِدلالِ بالعمُومِ، وأنَّهُ مُدركٌ بمقتضى لُغة العربِ.
[ ٢٦٨ ]
* قاعدة
كلُّ لفظٍ عامٍّ باقٍ على عمُومِه حتَّة يردَ التَّخصيصُ.
واختلف العلماءُ في دلالة هذا النَّوع من (العامِّ) هل هيَ قطعيَّةٌ في شمُولهِ لكلِّ فرْدٍ من أفرادِه أو ظنيَّةٌ؟ على مذهبينِ:
١ـ ظنيَّةٌ، وهو مذهبُ جمهورِ العلماءِ، لأنَّ النَّص العامَّ يحتملُ التَّخصيصَ غالبًا.
٢ـ قطعيَّة، وهو مذهبُ الحنفيَّة.
ومذهبُ الجُمهور أظْهرُ، وتقدَّم قريبًا في دلالةِ الحديثِ ما يردُّ قولَ الحنفيَّةِ.