* تعريفه:
لُغةً: المنعُ، و(المُحرَّمُ) الممنوعُ منه، وهوَ ضدُّ الحلالِ.
واصطلاحًا: ما طلَبَ الشَّارِعُ الكفَّ عنه على وجهِ الحَتْمِ والإلزامِ، ويثابُ تاركُهُ امتثالًا، ويُعاقبُ فاعلُهُ اختيارًا.
ومن أسمَائِهِ: المحظُورُ.
"صيغته:
يُستفادُ (التَّحريمِ) الصَّريحِ، كقولهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله - ﷺ -: «كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ دَمُهُ، ومالُهُ، وعرضُهُ» [حديث صحيحٌ رواهُ مسلمٌ] .
٢ـ نفيُ الحلِّ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله - ﷺ -: «لايحلُّ لمسلمٍ أن
[ ٣٥ ]
يهجُرَ أخَاهُ فوقَ ثلاثِ ليالٍ» [متفقٌ عليه] .
٣ـ صيغة النَّهي، وهي أنوعٌ تعودُ جملتُهَا إلى:
[١] لفظِ (النَّهي) الصَّريحِ، كقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] وقوله - ﷺ -: لعليٍّ ﵁ وقد وهبهُ خادمًا: «لا تضْرِبْهُ، فإنِّي نُهيتُ عن ضربِ أهلِ الصَّلاةِ، وإنِّي رأيتهُ يُصلِّي منذُ أقبلنَا» [رواه البخاريُّ في «الأدب المفرد» ١٦٣ بسندٍ حسنٍ] .
ويلحقُ بهذا قولُ الصَّحابيِّ: «نهى رسولُ الله - ﷺ - عن كذا» .
[٢] صيغة (زَجرَ)، كحديثِ أبي الزُّبيرِ قال: سألتُ جابرًا (يعني ابنَ عبد الله) عن ثَمَنِ الكلبِ والسِّنَّورِ؟ قالَ: زَجرَ النَّبيُّ - ﷺ - عن ذلكَ [أخرجه مسلمٌ] .
[٣] صيغةِ الأمر بالانتهاءِ، كقوله تعالى للنَّصارى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، وقوله - ﷺ -: «يأتي الشَّيطانُ أحدَكُم فيقولُ: من خلقَ كَذا، من خلقَ كذا، حتى يقولَ: من خلقَ ربُّكَ؟ فإذا بلغهُ فليستَعِذْ بالله ولْيَنْتَهِ» [متفق عليه عن أبي هريرة] .
[٤] صيغة الفِعلِ المضارعِ المقترنِ بـ (لا) النَّاهيّةِ، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقوله - ﷺ -: «لايَبِع بعضُكُم على بيعِ بعضٍ» [متَّفقٌ عليه عن ابن عمرَ] .
[ ٣٦ ]
[٥] صيغةِ (لا ينبغي)، كقوله - ﷺ - في الحريرِ: «لا ينبغي هذا للمتَّقينَ» [متفق عليه من حديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ] .
[٦] صيغةِ الأمرِ بالتَّركِ بغيرِ صيغةِ النَّهيِ الصَّريحةِ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله - ﷺ -: «اجتنبُوا السَّبع المُوبقَاتِ» قالوا: يا رسول الله، وماهنَّ؟ قال: «الشِّركُ بالله، والسِّحرُ، والتَّولِّي يوم الزَّحفِ، وقذْفُ المُحصناتِ المُؤمناتِ الغافلاتِ» [متفق عليه عن أبي هريرة]، وحديث عبد الله بنِ عمرَ ﵄ قال: طلَّقتُ امرأتي على عهد رسول الله - ﷺ - وهي حائضٌ، فذكر ذلك عُمرُ لرسول الله - ﷺ -، فقال: «مُرهُ فليُراجِعْهَا، ثمَّ ليَدَعْهَا حتَّى تطْهُرَ، ثم تحيضُ حيضةً أُخرى، فإذا طهُرتْ فليُطلِّقها قبلَ أن يُجامِعَهَا، أو يُمسِكْهَا، فإنَّها العدَّةُ الَّتي أمرَ اللهُ أن يُطلِّقَ لها النِّساءُ» [رواه مسلمٌ] .
٤ـ ما رُتِّب على فعلهِ عُقُوبةٌ أو وعيدٌ دُنيويٌّ أو أخْرَوِيٌّ فهوَ دليلٌ على تحريمهِ، فمِنْ صُورِهِ:
[١] عُقُوبةُ الحدُودِ، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
[ ٣٧ ]
أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]
[٢] التَّهديد بالعقابِ، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ـ ٢٧٩]، وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ـ ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وقوله - ﷺ -: «ليتهينَّ أقوامٌ عن وَدْعِهِم الجُمُعاتِ أو ليختِمَنَّ الله على قُلوبِهِمْ ثمَّ ليكونَنَّ من الغافلينَ» [رواه مسلمٌ وغيرهُ عن ابن عُمر وأبي هريرة]، وقوله - ﷺ -: «لكلِّ غادرٍ لواءٌ يُعرفُ بهِ يومَ القيامَةِ» [متفقٌ عليه]، فهذه فضيحةٌ يومَ العرضِ.
[٣] ترتيبُ اللَّعنةِ على الفعلِ، وهي نوعٌ من العُقوبَةِ، وفيه نصوصٌ كثيرةٌ في الكتابِ والسُّنَّةِ.
٥ـ وصف الفِعلِ بأنهُ من الذُّنوبِ، ومنه وصفُه بأنَّه كبيرةٌ، كقوله - ﷺ -: «ما منْ ذنبٍ أجدرُ أن يُعجِّل الله تعالى لصاحبِهِ العقُوبةَ في الدُّنيا
[ ٣٨ ]
مع ما يُدخرُ لهُ في الآخرةِ مثلُ البغي، وقطيعةِ الرَّحمِ» [حديثٌ صحيحٌ رواهُ أبوداودَ وغيرُهُ عن أبي بكرة]، وعن أنسٍ ﵁ قال: سُئل النَّبيُّ - ﷺ - عن الكبائرِ؟ قال: «الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدينِ، وقتلُ النَّفسِ، وشهادَةُ الزُّورِ» [متَّفقٌ عليهِ] .
٦ـ وصفُ الفعلِ بالعُدوانِ، أو الظُّلم، أو الإساءَةِ، أو الفسقِ، أو نحوَ ذلكَ، كحديثِ عبد الله بن عمرِو ﵄ قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبي - ﷺ - يسألهُ عن الوضُوءِ، فأرَاهُ الوضُوء ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «هكذَا الوُضوءُ، فمن زادَ على هذا فقدْ أساءَ وتعدَّى وظلمَ» [حديث حسنٌ، أخرجهُ النَّسائيُّ وغيرُهُ]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
٧ـ تشبيهُ الفاعلِ بالبهائمِ أو الشَّياطين أو الكفرةَ أو الخاسرين أو نحوِهم، كقوله - ﷺ -: «ليسَ لنَا مثلُ السَّوءِ، الَّذي يعودُ في هِبتِهِ كالكلبِ يرجعُ في قيئِهِ» [متفق عليه من حديث ابن عباس]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقوله - ﷺ -: «إنما يلبسُ الحريرَ في الدُّنيا من لا خلاقَ لهُ في الآخرةِ» [متفقٌ عليه من حديث عُمر بن الخطَّابِ] .
٨ـ تسميةُ الفعلِ باسمِ شيءٍ آخر محرَّمٍ معلومِ الحُرمة، كوصفِ
[ ٣٩ ]
الفعلِ بأنَّه زِنا أو سرِقة أو شركٌ، أو غير ذلك، ومن ذلك قوله - ﷺ -: «إنَّ الله كتب على ابنِ آدمَ حظَّهُ من الزِّنا، أدركَ ذلكَ لا محالَةَ، فزِنا العينِ النَّظرُ، وزِنَا اللِّسانِ المنطقُ» الحديث [متفقٌ عليه عن أبي هريرةَ]، وقوله - ﷺ -: «أسوَأُ النَّاسِ سرِقةً الَّذي يسرقُ صلاتَهُ» قالُوا: يا رسول الله، وكيف يسرقُ صلاتَهُ؟ قالَ: «لا يُتمُّ رُكُوعهَا ولا سُجُودَهَا» [حديث صحيحٌ، رواه الدَّارمِيُّ وأحمدُ وغيرهما]، وقوله - ﷺ -: «منْ حلفَ بغيرِالله فقَدْ أشركَ» [حديثٌ صحيحٌ رواه أبوداود والتِّرمذِيُّ وغيرُهما] .
"أقسامه:
التَّحريمُ لم يأتِ في شريعةِ الإسلامِ إلاَّ لشيءٍ كانتْ مفسدَتُهُ خالصَةً أو غالبةً، وجميعُ المحرَّماتِ لا تخلو من أن تكونَ على واحدٍ من الوَصْفينِ، وهذه قاعدَةٌ عظيمةٌ في الفقهِ لإدراكِ ما يمكنُ أن يلحقَ بالحرَامِ بحسبِ رُجْحانِ جانبِ المفسدةِ، أو فُقدانِ المصلحَةِ.
والمفسدَةُ في المحرَّمِ تكونُ في ذاتِ الشَّيءِ المحرَّمِ، أو يكونُ المحرَّمُ سببًا فيها، وعليه فالمحرَّماتُ قسمانِ:
١ـ محرَّمٌ لذاتِهِ:
مثلُ: الشِّركِ، والزِّنا، والسَّرقَةِ، وأكلِ الخِنزيرِ، فهذه حُرِّمت لِذواتِها، ومفاسدُها خالصَةٌ أو راجحَةٌ، ويترتَّبُ على فعلِهَا: الإثمُ
[ ٤٠ ]
والعِقابُ، وبُطلانُ كونِهَا أسبابًا شرعيَّةً لثبوتِ شيءٍ من الأحكامِ، فالزِّنَا مثلًا لا يثبتُ بهِ النَّسبُ ولا يأخذُ أحكامَ الزَّواجِ الصَّحيحِ، والسَّرقةُ لا تثبتُ المكليَّة للمالِ المسروقِ، وهكذا.
٢ـ محرَّمٌ لغيرهِ:
هو مباحٌ في الأصلِ أو مشروعٌ لخُلوِّهِ من المفسدَةِ أو رُجحانِ مصلحتهِ، لكنَّه في ظرفِ معيَّنٍ كان سببًا لمفسدةٍ راجحَةٍ، فتعتريهِ الحُرمَةُ في تلكَ الحالِ.
مثلُ: البيعِ والشِّراءِ، فإنَّهُ مباحٌ مشروعٌ، إلاَّ أنهُ يحرُمُ عند سماعِ النِّداءِ الأوَّلِ للجُمُعةِ، لما يقعُ بمزوالتِهِ حينئذٍ من تفويتِ الجُمُعةِ، والرَّجلُ يخطبُ امرأةً أجنبيَّةً ليتزوَّجها حلالٌ مباحٌ، لكنَّهُ يحرُم إذا علمَ أنَّ مسلمًا غيره قد تقدَّمَ لِخِطبتها حتَّى ينصرِفَ عنها أو تنصرِف عنه، وإنَّما كانتْ الحرمَةُ العارضَة لما يُسبِّبُ ذلك من العدَاوةِ بين المسلمينَ بسببِ ما يقعُ من الإيذاءِ، ومثلهُ أن يبيع على بيعِ أخيهِ، والصَّلاةُ مشروعةٌ في كلِّ وقتٍ إلاَّ في ساعاتٍ منعت الشَّريعَةُ من الصَّلاةِ فيها دفعًا لمشابهةِ الكُفَّار حيثُ يسجدونَ للشَّمسِ عندَ طُلوعهَا وغُروبهَا.
ولوْ أوقعَ المسلمُ الفعلَ من هذه الأفعالِ في وقتِ تحريمِهَا، فهلْ يصحُّ منه الفعلُ مع الإثمِ، أو يفسدُ الفعلُ مع الإثمِ؟ بينَ الفُقهاءِ خلافٌ، وسيأتي في (مبحث النَّهي) .
[ ٤١ ]
"تنبيه:
فرَّق الحنفيَّةُ في المطلوبِ الكفُّ عنه على وجه الإلزامِ بين ما ثبتَ بدليلٍ قطعيِّ الورود كالقرلآن والسُّنةِ المتواترَةِ، فسمَّوا ما ثبت به (الحرام)، وما ثبتَ بدليلٍ ظنِّيِّ الورودِ كحديثِ الآحادِ الصَّحيحِ، فسمَّوه: (المكروهُ تحريمًا)، وهذا شبيهُ ما تقدَّم لهُم في التَّفريقِ بينَ (الفرضِ) و(الواجبِ)، وجمهُورُ العلماءِ على عدمِ التَّفريقِ، وهو الصَّوابُ.