الموتُ تَنعدِمُ فيهِ الأهليَّتانِ: أهليَّةُ الوجوبِ، وأهليَّةُ الأداءِ.
لكِنْ هلْ يبقى شيءٌ يُطالبُ بهِ المَيِّتُ يمكِنُ أداؤُهُ عنهُ؟
نَعَمْ، دلَّ الكتابُ والسُّنَّةُ على بقاءِ الدَّينِ حقًّا يُطالبُ به الميِّتُ لا يبْرأُ منهُ إلاَّ بأدَائِهِ عنهُ، ولِذا لا يُقسَمُ ميراثُهُ ويصيرُ إلى ورثتِهِ إلاَّ بعْدَ استيفاءِ ديونِهِ منهُ، كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وكذا يصحُّ تحمُّلُهُ عنهُ من قِبلِ غيرِهِ فتسقُطُ عنهُ بهِ المُؤاخَذَةُ، كما ثبتَ في السُّنَّةِ عن سلَمَةَ بنِ الأكوَعِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أُتيَ بجنَازَةٍ ليُصلِّيَ عليها، فقالَ: «هلْ عليهِ مِنْ دَينٍ؟» قالوا: لا، فصلَّى عليه، ثمَّ أُتي بِجنَازَةٍ أخرَى فقالَ: «هلْ عليهِ منْ دينٍ؟»
[ ٩٥ ]
قالوا: نعَمْ، قالَ: «صلُّوا على صاحبِكُمْ» قال أبوقتادَةَ: عليَّ دَينُهُ يا رسولَ الله، فصلَّى عليهِ [رواهُ البخاريُّ وغيرُهُ] .
واختَلَفَ الفُقهاءُ في زكاةِ مالِهِ لوْ وَجبَتْ عليهِ قبلَ موتِهِ ولم يُردِّهَا فهل يلزَمُ الوَرَثَةَ إخرَاجُها أمْ لاَ، فذهبَ الحنفيَّةُ إلى عَدَمِ إخراجِهَا حيثُ كانَ هُوَ المكلَّفُ بها، ومالُهُ من بعدِهِ بعدَ استيفاءِ حقوقِ الخَلقِ الَّتي كانتْ عليهِ يعودُ لوَرَثَتِهِ، وذهبَ الشَّافعيَّةُ إلى وُجوبِ إخرَاجهَا عنهُ من مالهِ، لأنَّ وجوبَهَا عندَهُم في نفسِ المالِ، ومذهبُ الحنفيَّةِ أصحُّ في هذَا، فإنَّهُ كان المُكلَّفَ بها، وهو إمَّا أن يكونَ قصَدَ عدَمَ الإخراجِ أو التَّأخيرَ فتلكَ خطيئَةٌ لا يحتملُ أثرَهَا عنهُ غيرُهُ، وإمَّا أن يكونَ عجَزَ عنهَا أو لمْ يزَلْ وقتُهَا حينَ ماتَ موسَّعًا فليسَ عليه فيها مُؤاخَذَةٌ، لكنْ لوْ أخرَجَهَا الورثَةُ كانتْ صَدَقَةً نافعَةً، فقد صحَّ عن عائشةَ ﵂: أنَّ رجلًا قالَ للنَّبيِّ - ﷺ -: «إنَّ أُمِّي افْتُتِلتْ نفسُهَا، وأظُنُّها لوْ تكلَّمتْ تصدَّقتْ، فهلْ لهَا أجرٌ إنْ تصدَّقتُ عنهَا؟ قال: «نَعَمْ» [متفقٌ عليه] .
* * *
[ ٩٦ ]