انتهج الإمام الشافعي في كتابه الرسالة نهجًا معينًا، وهو أنه يلج مباشرة إلى المسائل الأصولية متعلقة بثمرتها من المسائل الفقهية كما سبق بيانه.
ومَن جاء بعد الإمام الشافعي مِنْ القرن الثاني إلى القرن الرابع حافظ على هذا المنهج وهو إيراد المسائل الأصولية كقواعد تعين على الاستنباط، فلم تكن بمعزل عن الثمرة المرجوة منها وهي الفقه.
ثم في القرن الخامس دخلت مسائل علم الكلام إلى صلب علم الأصول، ومباحث الاعتقاد، كصفة الكلام وما يتعلق بها، وتعريف الإيمان، وعلاقة العمل به، والتحسين والتقبيح.
وكان من أبرز من أدخل تلك المباحث في علم الأصول القاضي عبد الجبار المعتزلي.
[ ١ / ١٢٩ ]
ثم صارت واستمرت صفة لازمة لم تنفك عنها كتب الأصول فيما بعد، خاصة مع وجود بعض التشابه في مباحث علم الأصول مع مباحث علم العقيدة في بعض النواحي، مما أغرى مَنْ كتب في العقيدة أن يكتب في الأصول وإن لم تكن له عناية بالفقه.
ثم اشتد الأمر بعد إدخال الغزالي المقدمة المنطقية على علم الأصول.
ولم يستطع الأصوليون أن يعودوا بكتب الأصول إلى منهج الإمام الشافعي في الرسالة، وإن كان الله قد مَنَّ على الأمة بوجود بعض الأصوليين الذين لم يغلب عليهم علم الكلام، وكانوا على طريقة السلف، فلم تمتزج تصانيفهم بعلم الكلام.
بل اشتدوا وأنكروا على من انتهج هذا النهج كأبي اسحاق الشيرازي في اللمع، وأبي المظفر السمعاني في القواطع.