أما نظام ترتيب أبواب الكتاب وموضوعاته، فلا تسأل عن حُسنه وجودته، قد انتظم عِقْده في تسلسل منطقي ملائم، بحيث تبدو العلاقة واضحةً بين الموضوع في سياقه وسباقه ولحاقه.
فإذا نظرنا إلى الأقسام الثلاثة السالفة الذكر وجدناها متَّسقةً ومنسجمة، فالبدء كان بالحدود والتعريفات والأحكام الشرعية، ثم بمباحث دلالات الألفاظ، ثم بأدلة الشريعة المتفق عليها، فالمختلف فيها.
لكن لو جال البصر في نطاق دائرة القسم الأول لبدا لنا من الوهلة الأولى وجود بعثرةٍ في بعض فصول الباب الأول الذي أدرج القرافي تحته عشرين فصلًا. ففي الفصل الأول يتحدث عن حدِّ الحدّ، ثم ينتقل في الفصل الثاني إلى تفسير أصول الفقه، وفي الفصل الثالث: يبحث في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل. وهكذا يجيء في الفصل الحادي عشر إلى الكلام عن خمس حقائق لا تتعلق بالمستقبل من الزمان وبالمعدوم، ثم عن الحكم الشرعي، ثم عن الحسن والقبح، ثم عن الحقوق، ثم عن المعلومات وهكذا، وفي الباب الثالث يعقد مبحثًا في تعارض الألفاظ، وربما كان الأليق به أن يتأخر حتى يُدمج مع الباب الثامن عشر الذي في التعارض والترجيح.
وإذا كانت البعثرة والشَّتات سِمةً للقسم الأول من الكتاب، فإنك لا تلمس ذلك في بقية الكتاب، بل لقد جاءت مباحثه فصولًا وأبوابًا منتظمة ومتسلسلة في حلقات يأخذ خِطَامُ بعضِها ببعض.
وتبيانًا لهذا التسلسل المنطقي والترتيب الموضوعي أقول:
؟ الأدلة التشريعية إما أن تكون نصِّية أو مستنبطة. والنصيّة إما قولية أو فعلية ممن لا يجوز عليهم الخطأ، وهم: الله تعالى، والنبي - ﷺ -، وإجماع الأمة. والصادر عن رسول الله ﵊ وعن الأئمة إما قولٌ أو فعلٌ، والفعل لا يدل إلاّ مع القول فتكون الدلالة القولية مقدمة على الدلالة الفعلية، والدلالة القولية تتناول البحث عن دلالات الألفاظ.
؟ ثم يجيء ذكر أفعال النبي - ﷺ - بعدها، وتقدمها على النسخ إنما كان؛ لأن الأفعال موجِبة ومثبتة ويدخل عليها النسخ.
؟
[ ١ / ٨٨ ]
ثم يأتي النسخ بعد الأفعال وقبل الإجماع؛ لأنه يدخل على الخطاب والأفعال، ويغيّر الأحكام، وهو لا يدخل على الإجماع.
؟ ويُذكر الإجماع ويقدّم على الخبر والقياس؛ لأن الإجماع دليل مقطوع به والخبر أكثره مظنون، وبالإجماع يُستدل على حجيّة القياس فكان أصلًا للقياس، والأصل مقدّم على الفرع.
؟ ثم يجيء ذكر الخبر بعد الأدلة المنصوصة القولية والفعلية والإجماع؛ لأن من لم يشاهد الرسول - ﷺ - ولا أهل الإجماع، لا تصل إليه هذه الأدلة إلاّ بالنقل، فلابد من البحث عن النقل، وأحوال النقلة، وهو باب الأخبار.
؟ ويقدّم باب القياس على باب التعارض والترجيح، وباب الاجتهاد، وباب الأدلة المختلف فيها؛ لأنه دليل من أدلة الشرع مثبت، والمجتهد إنما يفتي إذا عرف القياس، وأدلة التشريع، والترجيح بين الأدلة البادية التعارض.
؟ وإذا ما انتهت مباحث الأدلة المتفق عليها (الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس) كان ختام الكتاب بذكر أدلةٍ اختلف المجتهدون في كونها طُرقًا إلى الأحكام الشرعية (١) .
وبهذا جاءت أبواب الكتاب وفصوله متتابعة النَّسق، متراصِفَة النَّظم، متناسبة الفِقَر، مطَّردة الانسجام، حسنة المنحى، منطقية التسلسل.
وفي ختام هذا المبحث يجدر التنبيه على ثلاث ملاحظات طالما أن مقام الكلام هنا عن النظام والترتيب والتبويب (٢) .
الملاحظة الأولى: أن القرافي قال في مقدّمة كتابه " تنقيح الفصول ": «ولخَّصْتُ جميع ذلك في مائة فصل وفصلين في عشرين بابًا» (٣) .
فلو عَدَدْتَ فصول الكتاب لم تجد فيها زيادة على المائة إلاّ فصلًا واحدًا مع أن المؤلف قال هنا: مائة فصل وفصلين، فبم يُجاب؟
_________________
(١) سار على هذا المنحى بعض كتب الأصول على تفاوتٍ يسير بينها. منها: المعتمد لأبي الحسين البصري ١ / ٨ - ٩، التمهيد لأبي الخطاب ١ / ١٢١ - ١٢٣، المحصول للرازي ١ / ١٦٧ - ١٦٩، شرح مختصر الروضة للطوفي ١ / ١٠١ - ١٠٨.
(٢) انظر مزيدًا من الملاحظات على تسلسل وترتيب موضوعات الكتاب في: ص ١٦٧-١٦٨ من القسم الدراسي.
(٣) انظر: مقدمة الذخيرة ١ / ٥٥.
[ ١ / ٨٩ ]
أجيب (١): بأن الفصل المتمم لهذا العدد هو الفصل الأول في حقيقة الاجتهاد في الباب التاسع عشر (٢)؛ لأن المصنف أسقط لفظ الفصل هنالك مع أنه مرادٌ في المعنى، إذ عادة المصنف في سائر الأبواب أنه يقدّم فصل الحقيقة. فالصواب أن يقول المصنف: «الباب التاسع عشر: في الاجتهاد، وفيه عشرة فصول. الفصل الأول: في حقيقته. وهو استفراغ الوسع في المطلوب لغةً. . .» . وبهذا يتم استيفاء العدد المذكور.
الملاحظة الثانية: أن قول القرافي بأنه رتَّب كتابه في عشرين بابًا يوهم بأن كل بابٍ تحته فصول أو فصلان على أقل تقدير. وحقيقة الأمر أن هناك خمسة أبوابٍ ليس فيها فصلٌ أصلًا، وهي:
الباب الثاني: في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه (٣) .
الباب الثالث: في تعارض مقتضيات الألفاظ (٤) .
الباب السابع: في أقل الجمع (٥) .
الباب العاشر: في المطلق والمقيد (٦) .
الباب الحادي عشر: في دليل الخطاب (٧) .
كما أن من عادته عنونة الفصول بما يناسبها من العناوين، ما عدا الفصل الأول من الباب الثامن عشر، فإن القرافي لعلَّه ذهل عن تسجيل عوان له (٨) .
الملاحظة الثالثة: أن القرافي قسّم الباب العشرين إلى فصلين. الفصل الأول: في أدلة المجتهدين. والفصل الثاني: في تصرفات المكلفين.
أما الفصل الأول فهو من صميم مباحث أصول الفقه. وأما الفصل الثاني فليس من اختصاص الأصولي بل يتعلّق بنظر الفقيه، فلا علاقة له ألبتة بمباحث أصول الفقه (٩) .
_________________
(١) انظر: رفع النقاب عن تنقيح الشهاب للشوشاوي، القسم الأول ص ٧٧، القسم الثاني ص ١٠٥٨.
(٢) انظر: ص ٤٣٦ القسم التحقيقي.
(٣) انظر: شرح التنقيح (المطبوع) ص ٩٩.
(٤) انظر: المصدر السابق ص ١١٢.
(٥) انظر: المصدر السابق ص ٢٣٣.
(٦) انظر: المصدر السابق ص ٢٦٦.
(٧) انظر: المصدر السابق ص ٢٧٠.
(٨) انظر: ص ٤٠٢ من القسم التحقيقي.
(٩) ولهذا أضْرب صَفْحًا عن شرحه الشيخ حلولو في التوضيح ص (٤١٤) وقال: «جملة ذلك يختص بنظر الفقيه لا الأصولي» .
[ ١ / ٩٠ ]
ولقد حاول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور تسويغ عقد المصنف لهذا الفصل ضمن مباحث الأصول، فقال: «ذكر في هذا الفصل قواعد وضوابط تتفرّع عنها تصاريف أبواب الفقه، وتفيد العالم بها ملكةً يفهم بها خواص الأبواب وفروقها، فلا تكاد تشتبه عليه أحكام الأبواب المتشابهة، وذلك عون كبير على فقه القضاء والفتوى.
ويُعبّر عن هاته الضوابط والقواعد والكليات بـ" الأصول القريبة "؛ لأنها تتفرع عنها أحكام فقهية، ووصِفتْ بالقرب؛ لأن علاقتها بالفقه أقرب من علاقة مسائل الأصول المتعارفة به، حتى إنك تجد كثيرًا منها عبارةً عن مسائل فقهية مدونة بكيفيةٍ كليةٍ تنطبق على أبواب كثيرة، وهي نفسها متفرِّعة عن دلائل الفقه الإجمالية التي هي الأصول المتعارفة. فإذا نُظر إليها بالنسبة لعلم الأصول كانت فروعًا، وإذا نظر إليها بالنسبة لجمعها فروعًا كثيرةً في جهةٍ واحدة بحيث يمكن للفقيه أن يستحضر بسببها بعض الفروع كانت أصولًا، فسمَّوها " القريبة " للاحتراز عن أصول الفقه.
وقد ذكر المصنف هنا منها طائفةً نافعة بعد فراغه من أصول الفقه قصدًا لجعلها برزخًا بين الأصول وبين الفقه الذي ذكره في كتابه " الذخيرة " التي جعل لها هذا الكتاب توطئةً كما قدَّمه في الديباجة» (١) .
ثمَّ إن اختتام الكتاب بمثل هذا الفصل النافع الجامع لتصرفات المكلفين لعلَّه تمشّيًا مع عادة مالكية حميدة، امتازت بها طريقة التصنيف عندهم، ولهذا لا عجب أن ختم القرافي كتابه " الذخيرة " بكتاب الجامع، وعبّر عن سرِّ صنيعه هذا بقوله: «وهذا الكتاب (يقصد: الجامع) يختصُّ بمذهب مالك، ولا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب، وهو من محاسن التصنيف؛ لأنه تقع فيه مسائل لا يناسب وضعها في رُبْعٍ من أرباع الفقه، أعني: العبادات، والمعاملات، والأنكحة، والجنايات. فجمعها المالكية في أواخر تصانيفهم وسمَّوْها بـ" الجامع " أي: جامع الأشتات من المسائل التي
لا تناسب غيره من الكتب، وهي ثلاثة أجناس: ما يتعلق بالعقيدة، وما يتعلق
بالأقوال، وما يتعلق بالأفعال. . .» (٢) .
_________________
(١) حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح ٢ / ٢٣٣. .
(٢) انظر: الذخيرة ١٣ / ٢٣١ - ٢٣٢.
[ ١ / ٩١ ]
ومهما قيل من أسباب، فإننا يمكن أن نَسْتَلْهِم سبب إقحام هذا الفصل في كتابه المؤسس على أصول الفقه مما ذكره في عبارته الأخيرة من المتن " تنقيح الفصول " إذ يقول: «فهذه أبواب مختلفة الحقائق والأحكام، فينبغي للفقيه الإحاطة بها لتنشأ له الفروق، والمدارك في الفروع» (١) .
_________________
(١) انظر: ص (٥٣٨) القسم التحقيقي.
[ ١ / ٩٢ ]