وأما لزوم التمذهب بمذهب بعينه؛ بحيث لا يخرج عنه وإن خالف نص الكتاب أو السنة، فهذا مذموم غير ممدوح، وقد ذَمَّه صاحب «الإفصاح» كما تقدم ذكره، بل قد ذمَّه الأئمة ﵃.
قال الشافعي ﵀: (طالب العلم بلا حجة كحاطب ليلٍ، يَحمِل حِزمةَ حطبٍ، وفيها أفعى تلدغه، وهو لا يدري) (^٢).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: (لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه) (^٣).
وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف بمن ترك قول رسول الله ﷺ لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟!
_________________
(١) ص
(٢) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ١٥٧).
(٣) ينظر: إعلام الموقعين ٣/ ٤٨٨.
[ ١٠٢ ]
فقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم ابن جميل قال: (قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، إن عندنا قومًا وضعوا كتابًا يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان عن عمر بن الخطاب ﵁ بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال: هؤلاء يستتابون) (^١).
وقال أبو عمر بن عبد البر: (يقال لمن قال بالتقليد: لِمَ قلت به وخالفت السلف في ذلك، فإنهم لم يقلدوا؟
فإن قال: قَلَّدتُ؛ لأنَّ كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسول الله ﷺ لم أحصها، والذي قلَّدتُه قد علم ذلك، فقلَّدت من هو أعلَم مني.
قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على شيءٍ من الكتاب، أو حكايةٍ عن سنة رسول الله ﷺ، أو اجتمع رأيهم على شيء؛ فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلَّدتَ فيه بعضَهم دون بعض، فما حُجَّتُك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم، ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه؟
_________________
(١) رواه ابن حزم في الإحكام (٦/ ١٢٠)، بإسناده إلى جعفر الفريابي، ونقله ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ٤٧٠).
[ ١٠٣ ]
فإن قال: قَلَّدته؛ لأني أعلم أنه على صواب.
قيل له: علمت ذلك من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ، أو إجماع؟
فإن قال: نعم. أبطل التقليد، وطُولِب بما ادعاه من الدليل.
وإن قال: قلدته؛ لأنه أعلم مني.
قيل له: فقلِّد كلَّ من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقًا كثيرًا، ولا تخص من قَلَّدتَه، إذ عِلَّتُك فيه أنه أعلم منك.
فإن قال: قلَّدتَه؛ لأنه أعلم الناس.
قيل له: فهو إذًا أعلم من الصحابة، فكفى بقولٍ مثل هذا قُبحًا.
فإن قال: أنا أُقلِّد بعض الصحابة.
قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلِّد منهم؟ ولعل من تركت منهم أفضل ممن أخذت بقوله، على أن القول لا يصح بفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه.
وقد ذكر ابن مدين، عن عيسى بن دينار، عن القاسم عن مالك قال: ليس كُلَّما قال الرجل قولًا - وإن كان له فضل -؛ يُتَّبع عليه؛ لقوله ﷿-: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.
[ ١٠٤ ]
فإن قال: قِصَرِي وقلة علمي تَحْمِلُني على التقليد.
قيل له: أما مَن قلَّد فيما يَنزِل به أحكام شريعة عالمًا يُتَّفَق له على علمه، فيَصدُرُ ذلك عما يخبر به فمعذورٌ؛ لأنه قد أتى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله؛ لإجماع المسلمين أن المكفوف يُقلِّد من يَثِق بخبره في القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك.
ولكن من كانت هذه حاله، هل يجوز له الفتوى في شرائع دين الله، فيَحمِل غيره على إباحة الفروج، وإراقة الدماء، واسترقاق الرقاب، وإزالة الأملاك يُصَيِّرها إلى غير من كانت في يده بقولٍ لا يُعرَفُ صحته، ولا قام له الدليل عليه، وهو مُقِرٌّ أن قائله يُخطِئ ويُصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما يخالفه فيه؟
فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى؛ لحفظه الفروع؛ لزمه أن يجيزه للعامة، وكفى بذلك جهلًا وردًّا للقرآن، قال الله ﷿: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
وقد أجمع العلماء على أن ما لم يُتبيَّن ولم يُستَيقَن فليس بعلم، وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا).
[ ١٠٥ ]
ثم ذكر حديث ابن عباس ﵄: «من أفتى بفتيا وهو يَعْمَى عنها؛ كان إثمها عليه»، موقوفًا ومرفوعًا (^١)، قال: وثبت (^٢) عن النبي ﷺ: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» (^٣)، قال: (ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد (^٤) التقليد) انتهى كلام أبي عمر رحمه الله تعالى (^٥).
فتأمل ما في هذا الكلام من الردِّ على من يقول بلزوم التذهب بمذهبِ المذاهب الأربعة لا يخرج عن ذلك المذهب، ولو وجد دليلًا يخالفه؛ لأن الإمام صاحب المذهب أعلم بمعناه، ويجعل هذا عذرًا له في رد الحديث، أو ترك العمل به.
وتأمَّل قوله: (لا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد (^٦) التقليد)،
_________________
(١) أخرجه ابن عبد البر (١٦٢٦)، بهذا اللفظ موقوفًا. وأخرجه أحمد (٨٢٦٦)، وأبو داود (٣٦٥٧)، وابن ماجه (٥٣)، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وحسنه الألباني.
(٢) في النسخة الخطية: وهب. والمثبت هو المذكور في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٩٥).
(٣) أخرجه بلفظه البخاري (٥١٤٣)، ومسلم (٢٥٦٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) في النسخة الخطية: إفساد، والمثبت من جامع بيان العلم وفضله.
(٥) ينظر: جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٩٩٤.
(٦) في النسخة الخطية: إفساد.
[ ١٠٦ ]
ومراده: إذا كان المقلِّد قادرًا على الاستدلال، وأما العاجز عنه فهو كالأعمى يُقلِّد في جهة القبلة، فهو معذور إذا كان عاجزًا.
وقد حكى الإمام أبو محمد بن حزم الإجماع على أنه لا يجوز التزام مذهب بعينه لا يخرج عنه، فقال: (أجمعوا على أنه لا يجوز لحاكمٍ ولا لمفتٍ تقليدَ رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله) انتهى (^١).
فحكاية الإجماع من هذين الإمامين -أعني: أبا عمر بن عبد البر وأبا محمد بن حزم- كافٍ في إبطال قول المتعصبين للمذهب.
ونسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (^٢).
_________________
(١) ينظر: مراتب الإجماع لابن حزم ص ٥٠.
(٢) جاء في آخر النسخة (أ): وقع الفراغ من نسخها ١٣٠٤ هـ، في ٢٨ رجب، بقلم الحقير عبد الرحمن العبد الله الشبيلي، قد تملكها من فضل الله وكرمه: موسى بن صالح الرُّبَيِّع غفر الله له ووالديه ومشايخه وكافة إخوانه.
[ ١٠٧ ]