إذا نسخ الوجوب بقى الجواز (١).
وقيل: بل يرجع إلى ما كان قبل الوجوب من التحريم أو الإباحة (٢).
واختاره الغزالى (٣)، وحكى الخلاف فيه فى الوسط فى باب الحوالة.
_________________
(١) بمعنى عدم الحرج فى الفعل والترك، وبهذا يجوز أن كون الفعل بعد نسخه مندوبًا أو مباحًا أو مكروهًا بالمعنى الشامل لخلاف الأولى، إذ لا دليل على تعيين أحدها. وهذا القول لجمهور الأصوليين. ونقل المؤلف فى البحر أنه اختيار الباجى من المالكية وصاحب المحصول والمتأخرين ١/ ١٢٨.
(٢) نقل المؤلف -﵀- هذا القول فى البحر ونسبه الأكثر الشافعية ثم قال: " وصححه القاضى أبو الطيب، والشرازى، والغزالى، وابن السمعانى، وابن برهان، والكيا الطبرى. وهو قول جمهور الحنفية". وهذا القول هو الراجح فى نظرى، لأن نسخ الوجوب يجعله كأن لم يكن، وإذا انتفى الوجوب رجع الأمر إلى ما كان عليه. وانظر المسألة فى هذه الكتب: المستصفى ١/ ٤٧، المحصول ١/ ٢/ ٣٤٢، المنهاج مع الإسنوى والبدخشى ١/ ١٠٩، أصول السرخسى ١/ ٦٤، شرح التنقيح للقرافى ص ١٤١، البحر المحيط ١/ ١٢٨، الإبهاج ١/ ١٢٦، فواتح الرحموت ١/ ١٠٣، نشر البنود ١/ ١٦٦، والمنخول ص ١١٨.
(٣) هو محمد بن محمد بن محمد، حجة الإسلام، أصولى فقيه فيلسوف متصوف، نبغ من صغره ورحل فى طلب العلم. من شيوخه: إمام الحرمين، وأبو نصر الإسماعيلى، وأحمد الراذكانى. من تلاميذه: ابن برهان، وابن العربى، والمهدى بن تومرت. من تآليفه: المستصفى، وإحياء علوم الدين، وتهافت الفلاسفة. ولد عام ٤٥٠، وتوفى عام ٥٠٥. طبقات السبكى ٦/ ١٩١، وفيات الأعيان ٣/ ٣٥٣، وتبيين كذب المفترى ص ٢٩١.
[ ١٣٠ ]
وقيل: لا يجوز فعله: واختاره ابن برهان فى الأوسط فى باب الأوامر وهو غريب (١).
- والخلاف يلتفت على أمرين:
أحدهما: أن الجنس هل يتقوم بالفصل؟ وفيه خلاف للحكماء، ومنه أصل الأصوليون هذه المسألة، ومنهم أخذ الفقهاء قولهم: إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم؟ .
والثانى: أن المباح هل هو جنس للواجب أم لا؟ بل هما نوعان داخلان تحت الحكم كالإنسان والفرس تحت الحيوان، وفيه خلاف.
فإن قلنا: إنه جنس (٢) له يتضمنه، فإذا نسخ الوجوب بقى الجواز إذ لا يلزم من ارتفاع النوع (٣) ارتفاع جنسه.
وإن قلنا: إنه ليس بجنس له فلا يلزم من نسخ الوجوب بقاء الجواز إذ لا ارتباط بينهما. هذا إذا فسرنا الجواز برفع الحرج عن الفعل وعن الترك كما هو ظاهر كلام الغزالى (٤)، وغيره.
_________________
(١) ذكر المؤلف هذا القول فى البحر ونسبه للعبدرى وقال إنه غريب ١/ ١٢٨.
(٢) الجنس: كلى مقول على كثيرين مختلفين بالحقيقة فى جواب ما هو من حيث هو كذلك مثاله أن يقال: ما هو الإنسان وما هو الفرس وما هو البعير وما هو الأسد؟ فالجواب بالقدر المشترك بينها وهو الحيوان. التعريفات للجرجانى ص ٧٨، وآداب البحث والمناظرة للشيخ -﵀- ١/ ٢٩، وتهذيب المنطق ص ١٩.
(٣) النوع: كلى مقول على واحد أو على كثيرين متفقين بالحقائق قى جواب ما هو مثاله: أن يقال ما هو عمرو وما هى هند وما هو زيد، فالجواب: بالقدر المشترك بينهم وهو الإنسان. التعريفات للجرجانى ص ٢٤٧، آداب البحث والمناظرة للشيخ -﵀- ص ٣٠ وتهذيب المنطق ص ٢٠.
(٤) المستصفى ١/ ٤٧، المنخول ص ١١٨، والإبهاج ١/ ١٢٦، فما بعدها، البحر المحيط ١/ ١٢٩، والسرخسى ١/ ٦٤.
[ ١٣١ ]
وقال الصفى الهندى (١): لا يتصور فى هذه المسألة خلاف بعد تحقيق معنى الجواز، فإنه إن عنى به رفع الحرج عن الفعل فهو جزؤه قطعًا، وإن عنى به رفع الحرج عنه أو الترك فهو غير داخل فيه، بل مناف له قطعًا، وحيئنذ فيبعد بناؤه على الخلاف المذكور إلا أن ابن الحاجب اقتصر على ذكر مسألة كونه جنسًا للواجب أم (٢)؟ ولم يتعرض لنسخ الوجوب فكأنه تعرض للأصل. وصاحب (٣) المنهاج عكس، على أن فى تحقيق هذا الخلاف إشكالًا أوضحته فى "مطلع النيرين" (٨).
واعلم أن هذه المسألة كمسألة الخلاف فى أن الأمر هل يتناول المكروه، والأصح عندنا أنه لا يتناوله على خلاف المرجح ههنا.
_________________
(١) هو محمد بن عبد الرحيم بن محمد صفى الدين الهندى، أصولى متكلم مناظر، رحل فى طلب العلم. من شيوخه: جده لأمه، وابن سبعين، والسراج الأرموى. من تلاميذه: الحافظ الذهبى. من تآليفه: نهاية الوصول فى علم الأصول، والفائق فى التوحيد، والزيدة فى علم الكلام. ولد عام ٦٤٤ هـ، وتوفى عام ٧١٥ هـ. طبقات السبكى ٩/ ١٦٢، ابن كثير ١٤/ ٧٤، والبدر الطالع ٢/ ١٨٧.
(٢) منتهى الوصول ص ٢٩، ومختصر المنتهى مع شروحه ١/ ٦.
(٣) نهاية السول على المنهاج، شرح البدخشى ١/ ١٠٩ - ١١١، والإبهاج ١/ ١٢٦، وصاحب المنهاج هو: أبو الخير عبد اللَّه بن عمر. قاضى القضاة، البيضاوى إمام مبرز فى المنقول والمعقول. من تآليفه: المنهاج، وتفسير القرآن، وطوالع الأنوار فى علم الكلام. توفى عام ٦٨٥ هـ. طبقات السبكى ٨/ ١٥٧، الفكر السامى ٢/ ٣٤١، اين كثير ١٣/ ٣٠٩، ومقدمة الإبهاج.
(٤) لم أعثر على هذا الكتاب، ولم أر من نسبه للمؤلف. وانظر البحر المحيط ١/ ١٣٠ فإنه بسط الكلام فى المسألة فيه.
[ ١٣٢ ]