هل الحكم (١) الشرعى خطاب اللَّه تعالى أو كلامه القديم؛ طريقتان والجمهور على الأولى، وصحح القرافى (٢) الثانية (٣) وهما مبنيان على أن الكلام فى الأزل هل يسمى خطابًا؟ وفيه قولان:
حكاهما ابن (٤) الحاجب من غير. . . . .
_________________
(١) الحكم فى اللغة المنع، ومنه قيل للقضاء حكم؛ لأنه يمنع الخصمين من الشحناء. القاموس ٤/ ٩٨، المصباح المنير ١/ ١٧٦. والحكم الشرعى هو خطاب اللَّه تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. مختصر المنتهى مع شرحه ١/ ٢٢٠. وانظر بقية التعاريف فى المراجع التالية: جمع الجوامع مع البنانى ١/ ٤٦، المنهاج مع الإبهاج ١/ ٤٣، نشر البنود ١/ ٢٢، المحصول ١/ ١٠٧، مذكرة الشيخ -﵀- ص ٨، منتهى السول للآمدى ١/ ٢٢، شرح التنقيح ص ٦٧، وإرشاد الفحول ص ٦.
(٢) هو أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إلى العلاء الصنهاجى. انتهت إليه رئاسة المالكية فى عهده، بارع فى الأصول والفقه والتفسر والحديث وعلم الكلام والنحو. من شيوخه: العز بن عبد السلام، وابن الحاجب، والفاكهانى ولم أر من سمى أحدًا من تلاميذه. من تآليفه: التنقيح وشرحه، ونفاش (شرح المحصول) فى الأصول، والذخيرة موصوعة فى الفقه. توفى عام ٦٨٤ هـ. شجرة النور ص ١٨٨، والديباج ١/ ٢٣٦.
(٣) انظر شرح التنقيح ص ٦٧ فما بعدها.
(٤) هو عثمان بن عمر بن أبى بكر بن يونس. أصولى فقيه نحوى، متبحر فى كل الفنون. من شيوخه: الأبيارى والشاطبى فى القراءات، والغزنوى. من تلاميذه: القرافى، وابن المنير، والزواوى. =
[ ٩٢ ]
ترجيح (١).
فإن قلنا أنه يسمى خطابًا صح جعل الخطاب جنسًا للحكم، وإن قلنا بالمنع -وهو الصحيح- (٢) كما قاله الآمدى (٣). وجزم به القاضى أبو بكر (٤) وغيره، لأن المخاطبة مفاعلة فتستدعى وجود اثنين ولا أحد فى الأزل مع اللَّه تعالى -
_________________
(١) = من تآليفه: مختصراه الأصلى والفرعى، والكافية فى النحو. ولد عام ٥٧٠ هـ، وتوفى عام ٦٤٦ هـ. وفيات الأعيان ٢/ ٤١٣، شجرة النور ص ١٦٧، البداية والنهاية ١٣/ ١٧٦، الديباج ٢/ ٨٦.
(٢) انظر مختصر المنتهى بشرح العضد ١/ ٢٢٥.
(٣) والذى رأيته فى الإحكام للآمدى أنه يجعل الخطاب جنسًا للحكم حيث قال: والواجب أن نعرف معنى الخطاب أولًا ضرورة توقف معرفة الحكم الشرعى عليه. وكون الخطاب جنسًا للحكم الشرعى واضح من تعريف الحكم الشرعى. انظره ١/ ١٣٦. ولعل هذا القول ذكره فى بعض كتبه فى العقائد.
(٤) هو على بن أبى على الثعلبى الأصولى المتكلم، بارع فى علم الحلاف، نشأ حنبليًا ثم تمذهب بمذهب الشافعى. من شيوخه: ابن المنى، وابن شاتيل، وابن فضلان. ولم أر من سمى أحدًا من تلاميذه. من تآليفه: الإحكام واختصاره (منتهى السول) فى الأصول، وأبكار الأفكار فى الكلام. ولد عام ٥٥١ هـ، وتوفى عام ٦٣١ هـ. وفيات الأعيان ٢/ ٤٥٥، طبقات ابن السبكى ٨/ ٣٠٦، ميزان الاعتدال ٢/ ٢٥٩، ولسان الميزان ٣/ ١٣٤، ابن كثير ١٣/ ١٤٠.
(٥) هو محمد بن الطيب المعروف بالباقلانى البصرى المالكى الأصولى المتكلم، انتهت إليه رئاسة المالكية فى عصره. من شيوخه: الأبهرى، وابن أبى زيد، وأبو مجاهد. من تلاميذه: أبو ذر الهروى، وأبو عمران الفاسى، والقاضى ابن نصر. من تآليفه: التقريب والإرشاد، وقال عنه الزركشى أنه أجل كتاب فى أصول الفقه، والمقنع فى الأصول، وكشف الأسرار فى الرد على الباطنية. ولد عام ٣٣٨ هـ وتوفى عام ٤٠٣ هـ. [الديباج ٢/ ٢٢٨، وفيات الأعيان ٣/ ٤٠٠].
[ ٩٣ ]
لم يصح جعله جنسًا ووجب التجريد بالكلام ولها التفات أيضًا إلى أن الكلام النفسى (١) هل يسمع؟ وللأشعرى (٢) فيه قولان.
_________________
(١) اختلف الناس فى الكلام على ثلاثة أقوال: قول جعل الكلام حقيقة فى المعنى مجازًا فى العبارة. وقول عكس ذلك. وقول جعله مشتركًا بينهما. وهذه الأقوال الثلاثة منقولة عن أبى الحسن الأشعرى. والصحيح من هذه الأقوال أن الكلام حقيقة فى العبارة وليس مشتركًا بين العبارة والمعنى النفسى، والمعلوم من اللغة والقرآن أن الكلام اسم وفعل وحرف، وكلام اللَّه هو الذى نقرؤه بألفاظه ومعانيه، وقد صرح تعالى بذلك فى قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. وقوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. . الآية. واتفق الفقهاء على أن من حلف لا يتكلم لا يحنث بحديث النفس ويحنث إذا تكلم بلسانه، وإِذا أطلق الكلام فى بعض الأحيان على حديث النفس فلابد أن يقيد بما يدل على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فى أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾. . . الآية. فلو لم يقيد بقوله: ﴿فى أَنْفُسِهِمْ﴾ لانصرف إلى الكلام باللسان. ومثله قول عمر -﵁- يوم السقيفة: زورت فى نفسى كلامًا. وانظر هذه الأقوال وأدلتها فى الكتب الآتية: المستصفى ١/ ٦٤، مذكرة الشيخ -﵀- ص ١٨٨، روضة الناظر ص ٩٨، فواتح الرحموت ٢/ ٦، المحصول ١/ ٢٣٥، شرح التنقيح ص ١٢٦، التمهيد للأسنوى ص ١٣٥، شرح الكوكب ٢/ ٩ فما بعدها، غاية المرام للآمدى ص ٩٦ فما بعدها، وشرح الطحاوية ص ١٩٧ فما بعدها.
(٢) هو على بن إسماعيل الأشعرى. يرجع نسبه إلى أبى موسى الأشعرى صاحب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم- كان بارعًا فى علمى الكلام والجدل على طريقة أهل الاعتزال حتى صار من رؤسائهم، وكان قوى الحجة مما كان له الأثر فى رجوعه عن الاعتزال، وقد خطب فى ذلك خطبته المشهورة فى الجامع بالبصرة التى أعلن فيها رجوعه إلى الحق. وقيل إنه شافعى، كما قيل إنه مالكى، والظاهر أنه كان مستقلًا فى فهم النصوص واستنباط الأحكام منها، وهو زعيم المذهب الأشعرى وإن كان قد رجع عنه فى =
[ ٩٤ ]