يجوز حمل المشترك (١) على معنييه إذا أمكن الجمع، وهو قول القاضى والجبائى وعبد الجبار وأوجبه الشافعى وغيره (٢) عند عدم القرينة كالعام، ومنعه أبو هاشم وأبو عبد اللَّه البصرى (٣)، واختاره الرازى.
_________________
(١) هو اللفظ الموضوع لكل واحد من معنيين فأكثر، كالعين. شرح التنقيح للقرافى ص ٢٩، التعريفات للجرجانى ص ٢١٥، المحصول ١/ ١/ ٣٥٩، التبصرة ص ١٨٤، الإبهاج ١/ ٢٤٨، روضة الناظر ص ٩٣، نشر البنود ١/ ١٢٨، البحر المحيط للمؤلف ١/ ٣٥٤، والمنهاج بشرحى الأسنوى والبدخشى ١/ ٢٢١.
(٢) وإليه ذهب الشيرازى، والبيضاوى، وابن الحاجب، والآمدى. وانظر التبصرة ص ١٨٤، اللمع ص ٥، المنهاج بشرحى الأسنوى والبدخشى ١/ ٢٢٣، الإبهاج ١/ ٢٥١، منتهى السول ١/ ٣٠، الإحكام ٢/ ٣٥٢، المنتهى لابن الحاجب ص ٨٠، المستصفى ٢/ ٢٤، والمنخول ص ١٤٧.
(٣) هو الحسين بن على الحنفى المعتزلى، ويعرف بالجعل، شيخ المتكلمين. من شيوخه: ابن خلاد، وأبو هاشم الجبائى، وأبو الحسن الكرخى. من تلاميذه: القاضى عبد الجبار. من تآليفه: الإيمان، شرح الأصول الخمسة، وجواز الصلاة بالفارسية. توفى عام ٣٦٩ هـ، على الصحيح. الفوائد البهية ص ٦٧، الجواهر المضيئة ١/ ٢١٦، وتاريخ بغداد ٨/ ٧٣. وانظر المعتمد ١/ ٣٢٥، فقد نقله عنهما، واختاره، وإليه ذهب الأحناف، وإمام الحرمين، ونقل عن القاضى المنع من الحمل على الحقيقة والمجاز. وانظر البرهان ١/ ٣٤٤، أصول السرخسى ١/ ١٢٦ - ١٦٣، تيسير التحرير ١/ ٢٣٥، المحصول ١/ ١/ ٣٧١ فما بعدها، المستصفى ٢/ ٢٤، والمنخول ص ١٤٧. وهناك مذهب ثالث وهو أنه يجوز فى النفى دون الإثبات. انظر المراجع السابقة. والصحيح عندى أنه يحمل على جميع معانيه إن أمكن ولم توجد قرينة ترجح أحد المعانى.
[ ١٧٥ ]
وقال الغزالى: يجوز بالإرادة لا باللغة، ثم بعض من منع فى المفرد سلم فى الجمع، لأن الأقراء بمثابة قرء، وإذا حمل كل واحد على معنى حصل الجمع، وهذا الخلاف مبنى على جواز جمع المشترك وتثنيته باعتبار معانيه أو معنييه، وفيه خلاف بين النحويين.
فقيل: يجوز مطلقًا.
وقيل.: يمنع مطلقًا.
وقيل: إن اتحد المعنى الموجب للتسمية جاز وإلا فلا، والأكثرون على المنع وشرطوا الاتفاق فى المعنى كاللفظ. ولحّنوا الحريرى فى قوله:
جاد بالعين حين أعمى هواه عينّه فانثنى بلا عينين (١)
أراد بالأول المال، وبالثانى العضو الباصر (٢).
وجوزه ابن الأنبارى (٣).
_________________
(١) هو الرئيس أبو محمد القاسم بن على بن محمد بن عثمان الحريرى، عالم، أديب، لغوى، متمرس، صاحب جاه. من شيوخه: ابن فضال المجاشعى، وأبو إسحاق الشيرازى. من تلاميذه: عيسى بن جهور، ويوصف القضاعى، وأبو الطاهر الخشوعى. من تآليفه: المقامات، وله ديوان، وملحة الإعراب. ولد عام ٤٤٦ هـ، وتوفى عام ٥١٦ هـ. وفيات الأعيان ٣/ ٢٢٧؛ وانظر المقامات ١/ ٤٣٧، والبيت من ضمن أبيات ذكرها الحريرى فى المقامة (١٠). ومطلع الأبيات: قل لوال غادرته بعد بينى سادمًا نادمًا يعض اليدين سلب الشيخ ماله وفتاه لبه فاصطى لظى حسرتين وبعده: البيت: جاد. . إلخ.
(٢) فى الأصل (الباطن).
(٣) هو أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنبارى. إمام فى اللغة والقراءات. من شيوخه: والده، وثعلب. من تآليفه: غريب الحديث، والأضداد، والكافى فى النحو. ولد عام ٢٧١ هـ، وتوفى عام ٣٢٨ هـ. وفيات الأعيان ٣/ ٤٦٣، المدارس النحوية ص ٢٣٨، وانظر شرح الكافية لابن مالك ٤/ ١٧٩٣.
[ ١٧٦ ]
وابن (١) مالك، مستدلين بقوله -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-: "الأيدى ثلاث" (٢). وبقول الشاعر (٣):
يداك كفت إحداهما كل بائس وأخراهما كفت أذى كل معتد
أراد يد النعمة والجارحة.
قال ابن مالك: ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (٤). فإن الواو إما عائدة على المعطوف والمعطوف عليه، أو على المعطوف وحده مستغنى بخبره عن خبر المعطوف عليه، وهذا ممتنع لأنه من الاستدلال بالثانى على الأول كقول الشاعر: (٥)
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض. . . . . .
_________________
(١) هو جمال الدين محمد بن عبد اللَّه بن مالك الأندلسى، أستاذ القراءات واللغة والنحو. من شيوخه: ثابت الجيانى، والسخاوى، والشلوبين. من تلاميذه: ابن الخباز، وابن أبى الفتح، وابن جماعة. من تآليفه: التسهيل، والكافية، والخلاصة. ولد عام ٦٠٠ هـ، وتوفى عام ٦٧٢ هـ. طبقات القراء ٢/ ١٨٠، طبقات السبكى ٨/ ٦٧، وابن كثير ١٣/ ٢٦٧.
(٢) أخرجه الإمام أحمد فى المسند ٣/ ٤٧٣ ولفظه: (الأيدى ثلاثة فيد اللَّه العليا، ويد المعطى التى تليها، ويد السائل السفل فأعط الفضل ولا تعجز عن نفسك) عن مالك بن نضلة.
(٣) لم أجد قائل البيت، ولم أجد من ذكر البيت غير المؤلف، وقد راجعت كتب ابن مالك مثل شرح الكافية الشافية، والتسهيل، وعمدة الحافظ، وشروح الألفية فلم أجد هذا البيت.
(٤) جزء من الآية رقم ٥٦ من سورة الأحزاب.
(٥) قيل إن البيت لقيس بن الخطيم، وهو فى ديوانه ص ٨١ طبعة بغداد. وقيل لدرهم بن يزيد الأنصارى. والصحيح أنه من قصيدة طويلة لعمرو بن امرىء القيس الخزرجى جد عبد اللَّه بن رواحة -﵁- وهو شاعر جاهلى يخاطب فيها مالك بن العجلان ومطلعها: يا مال والسيد المعمم قد يطرأ فى بعض رأيه السرف =
[ ١٧٧ ]
وهو ضعيف. وأما الجيد: الاستدلال بالأول كقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ (١).
وصون القرآن العزيز عن الأوجه الضعيفة واجب، ولو سلم أستعماله لهذا الوجه مع ضعفه منع من استعماله هنا خلاف المستدل به والمستدل عليه فى المعنى، وذلك لا يجوز بالإجماع فتعين عود الواو على المعطوف والمعطوف عليه وكون الصلاة معبرًا بها عن حقيقتين مختلفتين وهو المطلوب (٢). انتهى كلام ابن مالك.
وقد ذكر ابن الحاجب: أن الأكثر على أن جمع المختلف المعنى مبنى على صحة إطلاق ذلك اللفظ على حقائقه المختلفة دفعة (٣)، ولكن ذلك الإطلاق مجاز لا حقيقة فليكن ما انبنى عليه مجازًا (٤) أيضًا، فخرج منه أن تثنية المختلف وجمعه إن ورد منه شىء قبل. وأما تجويزه قياسًا فعلى المجاز، لأن الصناعة النحوية تقتضيه.
وقال الشريشى (٥) فى شرح المقامات: هذا النوع يكثر فى كلام المولدين،
_________________
(١) =. . . . إلى أن يقول: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف وانظر القصيدة وقصتها مفصلة فى الأغانى ٣/ ١٩ - ٢٠، وخزانة الأدب ٢/ ١٨٩، وديوان قيس بن الخطيم ص ٦٣ بتحقيق د. الأسد.
(٢) جزء من الآية رقم ٣٥ من سورة الأحزاب.
(٣) انظر شرح الكافية الشافية لابن مالك ٤/ ١٧٩٣ بتحقيق الدكتور هريدى، وفيه اختلاف بينه وبين ما نقله المؤلف هنا عنه، فلعل بعض النقل نقله من غيره، ولم نجده لا فى التسهيل، ولا فى شرح عمدة الحافظ.
(٤) انظر الإيضاح شرح المفصل ١/ ٥٢٩، والمنتهى ص ٨٠.
(٥) فى الأصل (مجاز).
(٦) هو أبو العباس أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسى. لغوى، أديب نقادة. من شيوخه: أبو الحسن بن لبال، وابن زرقون، وابن جبير. من تلاميذه: ابن الأبار. من تآليفه: شرح مقامات الحريرى، مختصر نوادر أبى على القالى، وشرح الجمل للزجاجى. =
[ ١٧٨ ]
ويقل فى كلام العرب، ولا أحفظ منه غير قول النابغة الجعدى (١):
وقد أبقى صروف الدهر منى كمن أبقى من السيف اليمانى
يصمم وهو مأثور جراز إذا جمعت بقائمة اليدان
فسره أبو عبيد البكرى (٢) وغيره أنه أراد بذلك الجارحة، والأيدى الذى هو القوة فجمع على الأخف.
_________________
(١) = ولد عام ٥٧٧ هـ، وتوفى عام ٦١٩ هـ. نفح الطيب للمقرى ٢/ ٣١٦ - ٣١٧، وانظر شرح المقامات ٣/ ١٢٤ - ١٤٤، ولم يذكر البيتين، وإنما ذكر مطلع القصيدة.
(٢) هو الصحابى الشاعر المشهور من المعمرين اختلف فى اسمه فقيل اسمه: قيس بن عبد اللَّه بن عدس بن ربيعة، وقيل اسمه: عبد اللَّه، وقيل: حبان بن قيس. قيل: إنه أقام مدة لا يقول الشعر ثم قاله فقيل: نبغ. . أنشد النبى -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-: ولا خير فى حلم إذا لم يكن له بوادر تحمى صفوه أن يكدرا ولا خير فى جهل إذا لم يكن له حلم إذا ما أورد الأمر أصدرا فقال له -صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم-: "لا يفضض اللَّه فاك". قيل: أنه عمر ١٢٠ سنة، وقيل: ٢٠٠ سنة، ولم تسقط أسنانه، وقد صحب عليًّا -﵄-، وشهد معه صفين، توفى فى زمن معاوية، وقيل عمره ٢٣٠ سنة. الإصابة ٣/ ٥٠٨، الاستيعاب ٣/ ٥٥٣، طبقات الشعراء للجمحى ص ٥٣، ورواية البيت فى ديوانه هكذا: فقد أبقت صروف الدهر منى كما أبقت من السيف اليمانى تفلل وهو مأثور جراز إذا جمعت بقائمة اليدان الديوان ص ١٦١، الإصابة ٣/ ٥٠٨، وخزانة الأدب ١/ ٥١٣ وفيه: فأبقى الدهر والأيام منى كما أبقى. . . . . . . إلخ وطبقات الشعراء ص ٥٣.
(٣) هو عبد اللَّه بن عبد العزيز بن محمد البكرى الأندلسى. مؤرخ جغرافى ثقة، علامة فى الأدب، يرجع نسبه إلى بكر بن وائل، كان لآبائه إمارة غرب جزيرة الأندلس. من تآليفه: فصل المقال فى شرح الأمثال لأبى عبيد، واشتقاق الأسماء وكتاب فى أعلام نبوة نبينا محمد - صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم. توفى عام ٤٨٧ هـ. بغية الوعاة ٢/ ٤٩، والأعلام للزركلى ٤/ ٢٣٢.
[ ١٧٩ ]
قلت: أنشد ثعلب: (١)
ثلاثة أحباب فحب علاقة وحب تملاق وحب هو القتل
وأنشد غيره للفرزدق (٢):
ان الأحامرة الثلاثة أهلكت ما لى وكنت بهن قدمًا مولعًا
الراح واللحم السمين وأطلى بالزعفران فلا أزال مودعًا
وفى أهلكهم الأحمران يعنى الذهب والزعفران، ويقال: الأحمران: اللحم والشراب (٣). والأصفران: الذهب والزعفران. وقالوا: ما عندنا إلا الأسودان
_________________
(١) هو أحمد بن يحيى بن زيد أبو العباس الشيبانى، مولى معن بن زائدة، إمام الكوفيين فى النحو واللغة. من شيوخه: ابن الأعرابى، والزبير بن بكار. من تلاميذه: الأخفش الأصغر، ابن الأنبارى، وأبو عمر الزاهد. من تآليفه: الفصيح، مجالس ثعلب، واختلاف النحويين. ولد عام ٢٠٠ هـ، وتوفى عام ٢٩١ هـ. وفيات الأعيان ١/ ٨٤، تاريخ بغداد ٥/ ٢٠٤، طبقات القراء لابن الجزرى ١/ ١٤٨، تذكرة الحفاظ ٢/ ٢١٤، وطبقات الحنابلة ١/ ٨٣.
(٢) هو أبو فراس همام بن غالب التميمى الشاعر المشهور. له أثر كبير فى اللغة، وهو والأخطل أخوان. قيل: إنه أشعر عصره فى الفخر. له ديوان، توفى عام ١١٠ هـ. وعمره ٩١ عامًا. خزانة الأدب ١/ ١٠٥ - ١٠٨، طبقات الشعراء ص ١١١، معجم الشعراء للمرزبانى ص ٤٦٥، والأغانى ٩/ ٣٢٤. والبيتان ذكرهما فى اللسان ونسبهما إلى الأعشى. انظره ٥/ ٢٨٦، مادة (حمر). ونسبهما فى الصحاح للأصمعى. انظره ٢/ ٦٣٦. وفى اللسان: الخمر بدل: الراح، فلن أزال بدل: فلا أزال، مولعًا بدل: مودعًا. وهناك اختلاف يسير فى الروايات بين اللسان والصحاح، وأساس البلاغة. انظره ص ٩٤، وقد نسبهما للأعشى مع أنى لم أجدهما فى أى واحد من ديوانى الفرزدق والأعشى.
(٣) لسان العرب ٥/ ٢٨٦، القاموس ٢/ ١٣، والصحاح للجوهرى ٢/ ٦٣٦.
[ ١٨٠ ]
يعنى: التمر والماء، وهو كثير، وقد جمع فيه أبو الطيب عبد الواحد اللغوى (١) مصنفًا حافلًا.
* * *
_________________
(١) هو عبد الواحد بن على الحلبى. من أعلام اللغة والأدب، أصله من (عسكر مكرم) وسكن حلب حتى قتل فيها. من تآليفه: مرات النحويين، ولطيف الأتباع والأضداد. توفى عام ٣٥١ هـ. الأعلام للزركلى ٤/ ٣٢٥، وبغية الوعاة ص ٢/ ١٢٠.
[ ١٨١ ]