قال: (والاستثنائى ضربان: ضرب بالشرط ويسمى المتصل والشرط مقدمًا والجزاء تاليًا والمقدمة الثانية استثنائية وشرط إنتاجه أن يكون الاستثناء لعين المقدم فلازمه عين التالى أو لنقيض التالى فلازمه نقيض المقدم وهذا حكم كل لازم مع ملزومه وإلا لم يكن لازمًا مثل إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان وأكثر الأول بإن والثانى بلو ويسمى ما بلو قياس الخلف وهو إثبات المطلوب بإبطال نقيضه. وضرب بغير الشرط ويسمى المنفصل ويلزمه تعدد اللازم مع التنافى فإن تنافيا إثباتًا ونفيًا لزم من إثبات كل نقيضه ومن نقيضه عينه فيجئ أربعة مثاله العدد إما زوج أو فرد لكنه. . . إلخ. وإن تنافيا إثباتًا لا نفيًا لزم الأولان مثاله الجسم إما جماد أو حيوان وإن تنافيا نفيًا لا إثباتًا لزم الأخيران مثاله الخنثى إما لا رجل أو لا امرأة).
أقول: القياس الاستثنائى ضربان:
الضرب الأول: ما يكون بالشرط ويسمى الاستثنائى المتصل وتسمى المقدمة المشتملة على الشرط شرطية ويسمى الشرط مقدمًا والجزاء تاليًا والمقدمة الأخرى استثنائية وشرطه بعد كون النسبة بين المقدم والتالى كلية دائمة أن يكون فى الاستثنائية الاستثناء إما لعين المقدم فلازمه عين التالى وإما لنقيض التالى فلازمه نقيض المقدم إذ لو انتفى أحدهيا لجاز وجود اللزوم مع عدم اللازم وأنه يبطل كونه لازمًا مثاله إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان لكنه إنسان فهو حيوان لكنه ليس بحيوان فليس بإنسان ولا يلزم من استثناء نقيض المقدم نقيض التالى ولا من استثناء عين التالى عين المقدم لجواز أن يكون اللازم أعم كما فى المثال المذكور وكأنه قصد بذكر المثال التنبيه على هذا نعم لو قدر التساوى لزم ذلك لكن لخصوص المادة لا لنفس صورة الدليل وهو بالحقيقة بملاحظة لزوم المقدم للتالى وهو متصل آخر ثم إن أكثر استعمال الأول أى ما يستثنى فيه عين المقدم أن يذكر الشرط بلفظة "إن" فإنها وضعت لتعليق الوجود بالوجود وأكثر استعمال الثانى وهو ما يستثنى فيه نقيض التالى أن يذكر الشرط بلفظة لو فإنها وضعت لتعليق العدم بالعدم وهذا الثانى وهو المذكور بلو يسمى قياس الخلف وهو إثبات المطلوب بإبطال نقيضه كما إذا قلنا لو ثبت نقيض النتيجة لثبت متضمنًا إلى مقدمة من القياس فلزم المحال واللازم منتف فلا يثبت.
الضرب الثانى: ما يكون بغير شرط ويسمى استثنائيًا منفصلًا، ويلزمه تعدد
[ ١ / ٤٠٤ ]
اللازم مع التنافى أى يلزمه التنافى بين أمرين وحينئذ يلزم من وجود هذا عدم ذاك ومن وجود ذاك عدم هذا إذ لولا ذلك والفرض أنه لا لزوم صريحًا لكان أحدهما لا يستلزم الآخر ولا عدمه فلا لزوم أصلًا فلا استدلال لأنه إنما يكون باللزوم على اللازم كما تقرر ثم التنافى إن كان إثباتًا ونفيًا كان هناك تنافيان وفى كل تناف لازمان وذلك أربع نتائج يلزم باعتبار التنافى إثباتًا أن يكون وجود كل واحد منهما مستلزمًا لعدم الآخر فيلزم من استثناء كل واحد نقيض الآخر وباعتبار التنافى نفيًا أن يكون عدم كل واحد منهما مستلزمًا لوجود الآخر فيلزم من استثناء نقيض كل واحد عين الآخر فيجئ اللوازم الأربعة.
مثاله: العدد إما زوج وإما فرد لكنه زوج فليس بفرد لكنه فرد فليس بزوج لكنه ليس بزوج فهو فرد لكنه ليس بفرد فهو زوج.
وإن كان التنافى إثباتًا لا نفيًا لزم الأولان أى من استثناء عين كل نقيض الآخر دون الأخيرين أى لا يلزم من استثناء نقيض كل عين الآخر وهو ظاهر.
مثاله: الجسم إما جماد أو حيوان لكنه جماد فليس بحيوان لكنه حيوان فليس بجماد ولو قلت لكنه ليس بجماد فهو حيوان أو ليس بحيوان فهو جماد لم يكن لازمًا لجواز انتفائهما كما فى الشجر.
وإن كان التنافى نفيًا لا إثباتًا لزم الأخيران أى من استثناء نقيض كل عين الآخر دون الأولين أى لا يلزم من استثناء عين كل نقيض الآخر وهو ظاهر.
مثاله: الجسم إما لا رجل أو لا امرأة إذ لا ينتنفيان وإلا كان رجلًا وامرأة لكن يجتمعان كالشجر لكنه ليس بلا رجل فهو لا امرأة أو ليس بلا امرأة فهو لا رجل ولو قلت لكنه لا امرأة فليس لا رجل أو لا رجل فليس لا امرأة لم يصدق لاجتماعهما فى الحجر.
قوله: (كلية دائمة) لا يجوز أن تكون الدائمة قيدًا زائدًا فى الكلية احترازًا عن المؤقتة إذ المؤقتة ليست بكلية، لأن معناها ثبوت اللزوم على جميع الأوضاع والتقادير الممكنة الاجتماع مع المقدم والأظهر أنه تفسير للكلية لأن معنى الدوام الثبوت فى جميع الأزمان وهو معنى الكلية لأنه يستلزم الثبوت على جميع الأوضاع.
[ ١ / ٤٠٥ ]
قوله: (إذ لو انتفى أحدهما) أى أحد اللزومين لزوم عين التالى لعين المقدم، ولزوم نقيض المقدم لنقيض التالى لجاز وجود الملزوم بدون اللازم وهذا محال.
قوله: (وهو بالحقيقة) يعنى إذا كان بين المقدم والتالى تساو وتلازم فإنما يلزم من استثناء نقيض المقدم نقيض التالى، ومن استثناء عين التالى عين المقدم بواسطة قياس متصل آخر مقدمه تالى الأول وتاليه مقدم الأول، وقد استثنى فيه عين مقدمه أو نقيض تاليه.
قوله: (لتعليق الوجود بالوجود) يعنى أن كلمة إن لتعليق ثبوت الجزاء بثبوت الشرط ولو لتعليق انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط سواء كان الشرط والجزاء مثبتين أو منفيين أو مختلفين وهذا ما قال صاحب المفتاح إن "لو" لتعليق ما امتنع بامتناع غيره ولا يخفى ما فيه ولنا فى تحقيق كونها لانتفاء الشئ لانتفاء غيره كلام يطلب من شرح التلخيص.
قوله: (ويسمى ما بـ "لو" قياس الخلف) قد يفهم من ظاهر العبارة أن كل قياس استثنائى متصل استثنى فيه نقيض التالى فهو قياس الخلف وليس كذلك، بل بشرط أن يقصد فيه إثبات المطلوب بإبطال نقيضه وحينئذ يكون عبارة عن قياسين أحدهما اقترانى شرطى والآخر استثنائى متصل يستثنى فيه نقيض التالى هكذا: لو لم يثبت المطلوب لثبت نقيضه وكلما ثبت نقيضه ثبت محال ينتج لو لم يثبت المطلوب لثبت محال لكن المحال ليس بثابت فيلزم ثبوت المطلوب لكونه نقيض المقدم، نعم فقد يفتقر بيان الشرطية إلى دليل فتتكثر القياسات فظاهر تمثيل الشارح مشعر بأن الاقتران المتصل هو أنه لو ثبت النقيض لثبت منضمًا إلى مقدمة، ولو ثبت منضمًا إلى مقدمة لزم محال وليس كذلك؛ لأنه بمجرده لا يثبت المطلوب وقد يقال إن الاقتران مركب من متصلة مقدمها نقيض المطلوب وتاليها أمر لازم له ومن حملية صادقة فى نفس الأمر مثلًا إذا كان المطلوب لا شئ من ج ب، فنقول: لو لم يصدق هذا لصدق بعض ج ب ومعنا حملية صادقة وهى كل ب أينتج لو لم يصدق هذا صدق بعض ج أوهو محال بدليله فصدق هذا حق وهذا قريب مما ذكرنا وهو معنى كلام الشارح، وبالجملة لا ينبغى أن يتوهم أن قياس الخلف على رأى المصنف قياس استثنائى بسيط وكذا على رأى من قال إنه قياس استثنائى من متصلة مقدمها نقيض المطلوب لأن مراده ما ذكرنا.
[ ١ / ٤٠٦ ]
قوله: (ويلزمه تعدد اللازم مع التنافى) مثل هذا الكلام ينبغى أن يكون بيانًا لشرط الإنتاج أو لضبط النتائج لكن تعدد اللازم يأبى الأول، والتنافى يأبى الثانى لأن ظاهره التنافى بين اللوازم التى هى النتائج وهو ليس بلازم كما فى قولنا العدد إما زوج أو فرد لكنه زوج فليس بفرد لكنه ليس بفرد فهو زوج إذ بين النتيجتين تلازم لا تناف؛ فذهب بعض الشارحين إلى أن معناه أنه يلزمه تعدد أجزاء المنفصلة مع تنافيها فتسمى أجزاء المنفصلة لوازم لا أنها قد تكون نتائج القياس والنتائج لوازم، ولا يخفى ضعف هذا الكلام وأنه ليس بلازم أن يراد التنافى بين اللوازم بل المراد أنه لا بد فيه من تناف بين أمرين، هما جزء المنفصلة المستعملة فى القياس الاستثنائى المنفصل على ما صرح به الشارح العلامة وحققه الشارح المحقق بما لا مزيد عليه، وحاصله أن تعدد اللوازم إشارة إلى النتيجة والتنافى إلى شرط الإنتاج ليتفرع عليه تعدد النتائج.
قوله: (كما تقرر) من أن حقيقة البرهان وسط يستلزم المطلوب.
قوله: (الجسم إما لا رجل) المذكور فى نسخ المتن الخنثى إلا أن البيان فى الجسم أصح وأفصح.
قوله: (كلية دائمة) صرح فى المنتهى بالقيدين؛ فالكلية إشارة إلى أن النسبة الاتصالية الإيجابية بين المقدم والتالى شاملة لجميع الأوضاع الممكنة الاجتماع مع المقدم والدوام إلى استغراقها الأزمنة وكأن ذكره زيادة تأكيد وتوضيح وإلا فهو لازم لذلك الشمول، وقيل: أريد بالدوام أن تكون النسبة بين طرفى التالى دائمة بدوام النسبة بين طرفى المقدم أى: يكون الارتباط بينهما بحسب تحققهما فيطابق ما وضعت له أن من تعليق الوجود بالوجود فيخرج ما يكون صدق التالى فيه دائمًا بدوام صدق المقدم كقولنا: كلما كانت الشمس طالعة كانت بالغة نصف النهار أى: يكون ارتباطهما باعتبار صدقهما فقط، وإنما اعتبر الأول لأن المطلوب العلم بثبوت نسبة الأحكام إلى أفعال المكلفين إيجابًا وسلبًا لا العلم صدق القضية مطلقًا وفيه أن شمول النسبة بين المقدم والتالى جميع الأوضاع المذكورة إن كان فى التحقق فى الوجود كما هو المتبادر العتبر فى الفن فقد أغنى عن الدوام، وإن كان فى الصدق أو محتملًا لهما كان الدوام أيضًا كذلك؛ لأنهما معًا صفتان لتلك النسبة ولا بد من
[ ١ / ٤٠٧ ]
كون الشرطية لزومية، ويعلم ذلك من قوله: وهذا حكم كل لازم مع ملزومه وقيل: مما ذكره فى النحو من أن كلمة المجازاة تدل على سببية الأول ومسببية الثانى والسبب والمسبب متلازمان.
قوله: (إذ لو انتفى أحدهما) أى أحد اللزومين لزوم عين التالى للمقدم المستثنى ولزوم نقيض المقدم لنقيض التالى المستثنى.
قوله: (ولا يلزم. . . إلخ) استثناء نقيض المقدم لا يستلزم نقيض التالى؛ لجواز كونه أعم ولا عينه لجواز انتفائه أيضًا إن كان أعم ووجوبه إن كان مساويًا واستثناء عين التالى لا يستلزم عين المقدم ولا نقيضه لجواز ثبوت الأخص وانتفائه مع ثبوت الأعم، نعم لو قدر التساوى بين المقدم والتالى لزم من استثناء نقيض المقدم نقيض التالى ومن استثناء عين التالى عين المقدم لكن ذلك بسبب لزوم المقدم للتالى فى المادة الخصوصة (وهو متصل آخر) قد استثنى فيه عين مقدمه أو نقيض تاليه فهناك اتصالان وبحسب كل نتيجتان.
قوله: (فإنها وضعت لتعليق الوجود بالموجود) وههنا فد علق وجود التالى بوجود المقدم ليتوصل من الوجود المعلق به إلى الآخر فناسب استعمالها، وقد تستعمل أن فيما يستثنى فيه نقيض التالى؛ إذ هناك أيضًا يرتبط وجود التالى بوجود المقدم لكن لا ليتوصل بأحدهما إلى الآخر، بل لينتقل من انتفاء وجود التالى إلى انتفاء وجود المقدم فيجوز استعمالها فيه.
قوله: (فإنها وضعت لتعلق العدم بالعدم) فيه مسألة؛ لأنها وضعت لتعليق وجود مقدر لثان بوجود مقدر لأول فى الزمان الماضى فيفهم منه انتفاؤهما معًا على معنى أن سبب انتفاء الثانى هو انتفاء الأول فى نفس الأمر بناء على أن وجود الأول سبب لوجود الثانى فانتفى بانتفائه من غير أن يلاحظ هناك أن سبب العلم بانتفاء الأول، والثانى ماذا هو بل مبنى الكلام على أنهما معلومان للمخاطب بلا استدلال من أحدهما على الآخر؛ ينكشف لك ذلك إذا تأملت فى معنى قولك: لو جئتنى لأكرمتك هذا هو المشهور فى اللغة، وقد تستعمل فى مقام الاستدلال فيفهم منها ارتباط وجود الثانى بوجود الأول مع انتفاء الثانى فيعلم منه انتفاء الأول وهذا المعنى يناسب الأول فى الربط بين الوجودين لكنهما يؤخذان هناك معًا مقدرين تقديرًا محضًا لا يجامع الوجود المحقق فيفهم انتفاؤهما تحقيقًا مع السببية
[ ١ / ٤٠٨ ]
المذكورة وأما ههنا فقد اعتبر الربط بينهما وأن الثانى لازم للأول ومنتف فى الواقع فيتوصل به إلى العلم بانتنهاء الأول فمآل المعنيين إلى انتنهائهيا معًا فى الواقع، لكنهما أخذا فى الأول معلومين فلا يمكن الاستدلال بأحدهما على الآخر، وفى الثانى على وجه يمكن فيه ذلك وهو على قلته مستعمل فى اللغة، يقال: لو كان زيد فى البلد لجاءنا فيعلم منه أنه ليس فيه ومنه قوله: تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
وقوله: (وأكثر استعمال الثانى وهو ما يستثنى فيه نقيض التالى أن يذكر الشرط بلفظة لو) إشارة إلى استعمالها بالمعنى الثانى وقوله: فإنها وضعت، لتعليق العدم بالعدم إشارة إلى مناسبته للمعنى الأصلى المتعارف فى استعمالاتهم وقد عبر عنه بلازمه كما حققناه، وذكر بعضهم أن اللام ههنا ليست صلة للوضع إذ لو كانت موضوعة لتعليق عدم التالى بعدم المقدم لكان الاستثناء بالحقيقة لعين التالى لا لنقيضه بل هى للتعليل فإنها موضوعة لتعليق وجود التالى بوجود المقدم إذا كانا مقدرين، والغرض من هذا الوضع أن يستثنى فيه نقيض التالى لينتج نقيض المقدم فيلزم تعليق عدم المقدم بعدم التالى كما هو مقتضى الملازمة فإنه المقصود من سياق قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] هذا هو المختار عند المصنف، ودل كلام النحاة على أن الغرض من وضعها أن تستعمل لانتفاء اللازم لأجل انتفاء ملزومه؛ فإن من قال: لو أكرمتنى لأكرمتك، أراد أن انتفاء إكرامه لانتفاء إكرام المخاطب لا عكسه، والمراد بالآية انتفاء الفساد الناشئ عن تعدد الآلهة لأجل انتفائه وقال: وقد تستعمل لو لمجرد الملازمة من غير أن يقصد عدم الملزوم بعدم اللازم أو عكسه كما فى قوله ﵇: "لو لم يخف اللَّه لم يعصه".
قوله: (وهذا الثانى وهو المذكور بلو يسمى قياس الخلف) ظاهر كلام المصنف أن الاستثنائى الذي يستثنى فيه نقيض التالى إذا كان مذكورًا بلو يسمى قياس الخلف وتعريفه إياه بإثبات الشئ بإبطال نقيضه يتناول ما يكون قياسًا بسيطًا كذلك، والجمهور على أن الخلف قياس مركب بأن يوضع المطلوب غير حق فيلزمه وضع نقيضه على أنه حق ويكون ملزومًا لمحال؛ فهنا قياسان: أحدهما اقترانى شرطى هكذا لو لم يكن المطلوب حقًّا لكان نقيضه حقًّا ولو كان نقيضه حقًّا كان المحال ثابتًا؛ فينتج لو لم يكن المطلوب حقًّا لكان المحال ثابتًا والملازمة الأولى بديهية،
[ ١ / ٤٠٩ ]
وأما الثانية فربما تحتاج إلى بيان بقياس واحد أو متعدد، وثانيهما استثنائى وهو أن توضع تلك النتيجة ويستثنى نقيض تاليها فينتج أن المطلوب حق ومثل قولنا: لو كان هذا إنسانًا لكان حيوانًا لكنه ليس بحيوان فليس بإنسان قياس مذكور بلو ولا يسمى خلفًا عندهم، وكذلك قولنا: لو صدق نقيض المطلوب لصدق كذا والتالى باطل لا يكون قياس خلف لبساطته، والجواب عن الأول: أنه أراد أن الثانى وهو المذكور أكثره بلو يسمى قياس خلف لا مطلقًا بل إذا كان إثبات شئ بإبطال نقيضه واعتمد فى ذلك على ما عقبه به من حده وما أوردتموه من المثال لا يندرج فيه إذ لم يؤخذ الموضوع هناك مقدمًا على أنه نقيض للشئ المطلوب، بل على أنه ملزوم لتاليه المرفوع فيلزم ارتفاعه الَّذي هو بعينه إبطاله فيكون هو المطلوب لا وسيلة إليه، وعن الثانى أن بعض الفضلاء المتأخرين اختار أن الخلف قياس استثنائى من متصلة مقدمها نقيض المطلوب وتاليها أمر محال يحتاج فى بيان لزومه إياه إلى قضية مسلمة فيكون قياسًا بسيطًا استثنائيًا يستثنى فيه نقيض التالى فلعل المصنف واففه فى ذلك، وعلى هذا فقول الشارح: لو ثبت نقيض النتيجة. . . إلخ بيان لاستلزام نقيضها للمحال أعنى المتصلة وقوله: اللازم محال بيان لبطلان تاليها وإن أمكن أن يقال: هو إشارة إلى تركيبه من اقترانى واستثنائى على وجه آخر.
قوله: (ويلزمه تعدد اللازم مع التنافى) أى يلزم الضرب الثانى التنافى بين أمرين هما جزء المنفصلة وأراد المنافاة العنادية على ما هو المتبادر منه لا الاتفاقية ويلزمه لأجل التنافى تعدد اللازم أى يكون هناك بسببه لزومات ولوازم متعددة ومثل للزومات المتفرعة على التنافى وجودًا وقوله: إذ لولا ذلك، معناه: لولا التنافى المستلزم لتعدد اللزوم واللازم والنهوض أنه لا لزوم صريحًا وإلا فهو الضرب الأول لكان أحد الأمرين لا يستلزم الآخر لعدم اللزوم بينهما صريحًا ولا عدمه لعدم التنافى المقتضى لذلك وكذلك لا يستلزم عدم أحدهما عدم الآخر لعدم اللزوم بينهما صريحًا ولا وجوده لعدم التنافى المقتضى إياه فلا لزوم أصلًا فلا استدلال هناك لأنه إنما يكون بالملزوم على اللازم كما تقرر سابقًا، وقد أشار بذلك إما إلى أن الاستدلال بالانفصال راجع إلى الاتصال واقتصر على أحد قسميه لأن الآخر بالآخرة يؤول إليه، وإما إلى ما تقدم من أنه لا بد فى الدليل من مستلزم للمطلوب وإلى ما تقرر فيه من وجوب المقدمتين لتنبئ إحداهما عن اللزوم والأخرى عن
[ ١ / ٤١٠ ]
ثبوت الملزوم فظهر أن لزوم التنافى باعتبار أنه شرط للإنتاج وإن ذكر لزوم تعدد اللازم لأجل التنافى بيان لحكمة اشتراطه فيه، وأن صلاحيته لذلك إنما هى لاستلزامه اللزوم ولولاه لم يكن وسيلة إلى الاستدلال فهو من تتمة الشرط المذكور وبطل ما توهم من أن حاصل تحقيق الشارح أن تعدد اللازم إشارة إلى تعدد النتيجة والتنافى إلى شرط الإنتاج كيف وتعدد النتائج قد فصله فيما بعد بما لا حاجة معه إلى هذا الإجمال؟
التفتازانى: (ولا يخفى ما فيه) لأنه جعل المعلق نفس الجزاء والمعلق عليه نفس الشرط مع وضوح فساده وقد قال صاحب المفتاح تمثيلًا لذلك كقولك لو جئتنى لأكرمتك معلقًا لامتناع إكرامك بما امتنع من مجئ مخاطبك وفيه أيضًا أنه جعل المعلق نفس امتناع الجزاء والمعلق عليه نفس الشرط مع وضوح فساده أيضًا، وقد وجه بعضهم كلامه بأنه على حذف مضاف فى الممثل له والمثال فقوله لتعليق ما امتنع تقديره لتعليق امتناع ما امتنع، وقوله معلقًا لامتناع إكرامك بما امتنع من مجئ مخاطبك على تقدير بامتناع ما امتنع من المجئ وقال السعد فى مطوله لا حاجة لذلك لأن تعلق الحكم بالوصف مشعر بالحيثية فكأنه قال إنها لتعليق ما امتنع من حيث إنه امتنع وهذا معنى تعليق امتناعه وكذا قوله بما امتنع.
التفتازانى: (ولنا فى تحقيق كونها لانتفاء الشئ لانتفاء غيره كلام يطلب من شرح التلخيص) حاصله أن المعنى الكثير فى استعمال اللغة أنها لتعليق الوجود المقدر بالوجود المقدر فيلزم انتفاؤهما معًا وأن ذلك الانتفاء معلوم والغرض إفادة أن انتفاء الشرط سبب فى الخارج لانتفاء الجزاء من غير بيان أن سبب العلم ماذا هو واعتراض ابن الحاجب على ذلك العنى الذى قال به الجمهور من أن انتفاء السبب لا يدل على انتفاء السبب وإنما الأمر بالعكس فهى لانتفاء الأول لانتفاء الثانى لأن انتفاء المسبب يدل على انتفاء السبب بخلاف العكس، مردود بأن الذى قاله الجمهور ليس المراد به أن انتفاء الأول يدل على انتفاء الثانى بل إن انتفاء الأول سبب فى الخارج لانتفاء الثانى كما تقول: لو جئتنى لأكرمتك فإن معناه أن انتفاء الإكرام سببه انتفاء المجئ يدل على ذلك استثناء المقدم كما فى قوله: ولو طار ذو حافر قبلها لطارت ولكنه لم يطر وما قاله الجمهور استعمال لغوى كثير وأما
[ ١ / ٤١١ ]
أرباب المعقول فيستعملون لو وإن ونحوهما أداة للتلازم دالة على لزوم الجزاء للشرط من غير قصد إلى القطع بانتفائهما ولذلك صح عندهم استثناء عين المقدم فهم يستعملونها للدلالة على أن العلم بانتفاء الثانى علة للعلم بانتفاء الأول وقد تستعمل إن ولو للدلالة على أن الجزاء لازم الوجود فى جميع الأزمنة فى قصد المتكلم وذلك إذا كان الجزاء معلقًا على ما يستبعد استلزامه له ويكون نقيضه أولى بالاستلزام، وفى حاشية السيد أن الحق أن استعمال أرباب المعقول استعمال لغوى أيضًا فإن أهل اللغة قد يقصدون الاستدلال فى الأمور العرفية كما يقال لك هل زيد فى البلد فتقول لا إذ لو كان فيه لحضر إلينا فيستدل بعدم حضوره على عدم كونه فى البلد ويسمى علماء البيان مثله بالطريقة البرهانية لكنه أقل استعمالًا من الأول خلافًا لما توهمه عبارة المطول من أن المعنى الثانى اصطلاح لأرباب المعقول.
التفتازانى: (أن كل قياس استثنائى. . . إلخ) أيما سواء قصد به إثبات الشئ بإبطال نقيضه أو كان مجرد إبطال الشئ ورفعه.
التفتازانى: (وحينئذ يكون عبارة عن قياسين) لأن إبطال النقيض بقياس اقترانى وإثبات المطلوب بقياس استثنائى يجعل نتيجة الأول شرطية متصلة ويستثنى نقيض التالى.
التفتازانى: (لو لم يثبت المطلوب. . . إلخ) مثلًا إذا قلنا: كلما صدق كل إنسان حيوان صدق عكسه وهو بعض الحيوان إنسان فنقول فى إثبات ذلك العكس بإبطال نقيضه لو لم يصدق بعض الحيوان إنسان عند صدق كل إنسان حيوان لصدق نقيضه معه وهو لا شئ من الحيوان بإنسان وكما صدق لا شئ من الحيوان بإنسان لزم المحال فالنتيجة لو لم يصدق بعض الحيوان إنسان عند صدق الأصل الذى هو كل إنسان حيوان لزم المحال لكن الشرطية الكبرى وهى كلما صدق لا شئ من الحيوان بإنسان لزم المحال تحتاج إلى بيان بأن يقال لأنها تضم إلى الأصل المفروض الصدق وهو كل إنسان حيوان لينتج سلب الشئ عن نفسه هكذا كل إنسان حيوان ولا شئ من الحيوان بإنسان ينتج لا شئ من الإنسان بإنسان ويحتمل أن المراد بالشرطية التى تحتاج إلى البيان الشرطية فى القياس الاستثنائى التى هى نتيجة القياس الاقترانى ويؤيد ذلك عبارته آخرًا والمآل واحد.
التفتازانى: (وظاهر تمثيل الشارح مشعر بأن الاقترانى. . . إلخ) وذلك ليس فيه
[ ١ / ٤١٢ ]
تعرض للمطلوب بل التعرض لمجرد إبطال النقيض فى ذاته مع أن الاقترانى المتصل فى قياس الخلف لا بد فيه من اعتبار أن بطلان النقيض وسيلة إلى المطلوب فلا بد أن يعتبر المطلوب على أنه لو لم يصدق لصدق نقيضه وكلما صدق نقيضه لزم المحال فلو لم يصدق لزم المحال لكن الحال باطل فبطل عدم صدق المطلوب فثبت صدقه، وقوله: لأنه بمجرده لا يثبت المطلوب أى بل يثبت مجرد إبطال النقيض مع أنه ليس مقصودًا لذاته بل هو وسيلة إلى إثبات المطلوب.
التفتازانى: (وقد يقال. . . إلخ) أى فليس بلازم أن تكون كبرى القياس الاقترانى الشرطى شرطية بل يجوز أن تكون حملية فيكون القياس الاقترانى مركبًا من شرطية وحملية.
التفتازانى: (وهذا قريب مما ذكرنا) الخلاف بينهما أن الكبرى فيما ذكره شرطية وفى هذا حملية كما مر.
التفتازانى: (وهو معنى كلام الشارح) فقوله لو ثبت نقيض النتيجة لثبت منضمًا إلى مقدمة من القياس، معناه: لو لم يثبت المطلوب لثبت نقيضه وهذه القضية الشرطية تضم إلى مقدمة صادقة من مقدمات القياس لينتج لو لم يثبت المطلوب للزم الحال لكن المحال باطل فرجع إلى قياسين.
التفتازانى: (وكذ على رأى من قال. . . إلخ) أى كذا لا يتوهم أنه قياس استثنائى بسيط.
التفتازانى: (لأن مراده ما ذكرنا) هو أنه لو لم يثبت المطلوب لثبت نقيضه وكلما ثبت نقيضه لزم المحال ينتج لو لم يثبت المطلوب لزم المحال فيعتبر مقدمة القياس الثانى ويضم إليه الاستثنائية أو يقال: لو لم يثبت المطلوب لثبت نقيضه ومعنا قضية حملية صادقة تضم إلى ذلك لينتج المحال والنتيجة تجعل مقدمة القياس الثانى.
التفتازانى: (وحاصله أن تعدد اللازم. . . إلخ) رده السيد بأن ذكر تعدد اللازم إنما هو لبيان حكمة اشتراط التنافى فهو من تتمته وليس إشارة إلى النتيجة.
التفتازانى: (إلا أن البيان فى الجسم أصح وأفصح) أى البيان بقوله: إذ لا ينتفيان وإلا كان رجلًا وامرأة لكن يجتمعان أصح وأفصح فى الجسم من البيان فى الخنثى لأنه يقال: ينتفيان فيكون رجلًا وامرأة أى بحسب الظاهر لوجود آلة الذكر
[ ١ / ٤١٣ ]
وآلة الأنثى وإن كان لا ينتفيان حقيقة وإلا كان رجلًا حقيقة وامرأة حقيقة ولعل المراد بالأفصحية الأوضحية لا يقال: إنهما ينتنفيان أيضًا فى الجسم إذ هو عام يشمل الخنثى لأنا نقول لا يجعل الجسم عامًا.
قوله: (باعتبار صدقهما فقط) أى فكما صدق أن الشمس طالعة صدق أنها بالغة نصف النهار لأنها إذا طلعت لا تزال متحركة من المشرق إلى المغرب وذلك يستلزم صدق أنها بالغة نصف النهار ولا يلزم أنه كلما طلعت الشمس وتحقق طلوعها يتحقق بلوغها نصف النهار فإن الطلوع يتحقق قبل البلوغ فقد تحقق ولم يتحقق فالتلازم بينهما صدقًا فقط.
قوله: (وإنما اعتبر الأول) وهو كون الارتباط بين نسبة التالى ونسبة المقدم بحسب تحققهما لأن المقصود من إيراد تلك المسائل المنطقية فى الكتب الأصولية التى هى وسائل الأحكام الشرعية الفرعية هو تحصيل تلك الأحكام والعلم بها إيجابًا أو سلبًا فيعلم بالدليل أن هذا الفعل واجب أو ليس بواجب وليس المقصود من إيرادها فى كتب الأصول صدق التالى دائمًا بدوام صدق المقدم وحيث كان المقصود من إيرادها ما تقدم فلا بد أن يعتبر الارتباط بينهما فى التحقق دون الصدق.
قوله: (فقد أغنى عن الدوام) إذ هو لازم له.
قوله: (بيان الدوام أيضًا كذلك) أى فى الصدق أو محتملًا لهما لأنهما معًا صفتان لتلك النسبة فلا يتغايران ويتقابلان؛ لأن النسبة الواحدة لا تتصف بالأمرين المتغايرين المتقابلين وحيث كان كذلك فأحدهما يغنى عن الآخر بأى معنى أردته منه.
قوله: (ولا بد من كون الشرطية لزومية) أى من شرط إنتاج القياس أن تكون الشرطية لزومية.
قوله: (ووجوبه إن كان مساويًا) أى وجوب الانتفاء.
قوله: (لكان الاستثناء بالحقيقة لعين التالى) أى لأن عدم التالى هو اللازم فيكون هو التالى والاستثناء لعينه لا لنقيضه.
قوله: (والغرض من هذا الوضع. . . إلخ) هو غير ظاهر لأنه إذا كان كل من الموجودين مقدرًا فقد علم انتفاؤهما معًا فلا يكون الغرض ما ذكر.
[ ١ / ٤١٤ ]
قوله: (فيلزم تعليق عدم المقدم بعدم التالى) أى فقوله لتعليق العدم بالعدم بيان للازم الموضوع له والمراد تعليق عدم الشرط بعدم الجواب لا العكس.
قوله: (والمراد بالآية انتفاء الفساد. . . إلخ) جواب عما يقال: إن الغرض المذكور كيف يصح فى الآية مع أن انتفاء التعدد لا يستلزم انتفاء الفساد لجواز أن يكون عند عدم التعدد يحدث اللَّه الفساد بإرادته.
قوله: (يتناول ما يكون قياسًا بسيطًا كذلك) أى يكون به إثبات الشئ بإبطال نقيضه.
قوله: (تحتاج إلى بيان بقياس واحد) قد مر فيما كتب على السعد بيانه.
قوله: (وعن الثانى) هو أن تعريفه يتناول ما يكون قياسًا بسيطًا كذلك وقوله من متصلة مقدمها نقيض المطلوب أى لا فرض غير المطلوب حقًّا كما هو رأى الجمهور فيقال فى إثبات عدم وجوب الزكاة على المديون: لو كانت واجبة على المديون للزم وجوبها على الفقير واللازم باطل فبطل ما أدى إليه من وجوبها على المديون وثبت نقيضه وهو عدم الوجوب عليه وقوله وعلى هذا فقول الشارح: لو ثبت. . . إلخ أى أن أصل القياس لو ثبت نقيض المطلوب للزم المحال لكن اللازم باطل فبطل ثبوت النقيض فثبتط المطلوب وأما قوله: لو ثبت نقيض المطلوب لثبت منضمًا إلى مقدمة من القياس فلزم الحال فهو لبيان استلزام النقيض للمحال وقوله واللازم منتف بيان لبطلان التالى فالقياس الخلفى بسيط على هذا الرأى.
قوله: (على وجه آخر) هو أن يقال: لو لم يثبت المطلوب لثبت نقيضه وكما ثبت نقيضه لزم الحال ثم تجعل النتيجة شرطية القياس الاستثنائى كما مر.
[ ١ / ٤١٥ ]
قال: (ويردّ الاستثنائى إلى الاقترانى بأن يجعل اللزوم وسطًا).
أقول: القياسات الاقترانية غير الشكل الأول علمت أنها ترد إليه فلنبين كيفط يردّ الاستثنائى إلى الاقترانى وطريقه أن يجعل الملزوم وسطًا وثبوته وهو الاستثنائى صغرى واستلزامه وهو المتصل كبرى.
مثاله من المنفصل الاثنان إما زوج أو فرد لكنه زوج فهو ليس بفرد فإنه يتضمن أنه كلما كان زوجًا لم يكن فردًا فتقول: الاثنان زوج وكل زوج فهو ليس بفرد فالاثنان ليس بفرد وعليه فقس.
قوله: (بأن يجعل الملزوم وسطًا) إشارة إلى ما سبق من أنه لا بد فى البرهان اقترانيًا كان أو استثنائيًا متصلًا أو منفصلًا من وسط مستلزم للمطلوب؛ فيلزمه مقدمة لثبوت الملزوم وأخرى لبيان اللزوم فالمقدمة الاستثنائية القائلة بثبوت الملزوم تجعل صغرى والمقدمة القائلة ببيان اللزوم تجعل كبرى وهذا ما قال فى المنتهى، ويرد الاستثنائى إلى الاقترانى بأن تجعل الثانية صغرى والأولى كبرى مثلًا نقول فى: إن كان هذا إنسانًا كان حيوانًا لكنه إنسان هذا إنسان وكل إنسان حيوان، وفى: لكنه ليس بحيوان هذا ليس بحيوان وكل ما ليس بحيوان ليس بإنسان وفى قولنا العدد إما زوج أو فرد لكنه زوج هذا زوج ليس بفرد، وفى لكنه ليس بفرد هذا ليس بفرد وكل ما ليس بفرد فهو زوج فالمراد بالملزوم ما يستلزم المطلوب لا ما هو المقدم فى المتصلة؛ فالشارح المحقق أورد البيان فى المنفصلة على وجه يشعر بأن البيان فى المتصلة أظهر، لكن ذكر فى بعض الشروح أن هذا فيما إذا أمكن جعل الملزوم محمولًا على موضوع المقدم واللازم محمولًا على الموضوع وأما فى مثل: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا فلا بد من تعسف مثل أن يقال: النهار يلزم طلوع الشمس وكل لازم لشئ فهو موجود عند وجوده فالنهار موجود عند طلوع الشمس، وقد عرفت من تحقيق الشارح أن المراد بالمطلوب والوسط النفى والإثبات ففي لكن الشمس طالعة طلوع الشمس حاصل ومستلزم وجود النهار، وفى لكن النهار ليس بموجود عدم وجود النهار حاصل ومستلزم عدم طلوع الشمس فقد جعل ثبوت الملزوم صغرى والملزوم وسطًا وهو حقيقة الشكل الأول والاقترانى وإن لم يتمكن من تلخيص العبارة فيه.
[ ١ / ٤١٦ ]
قوله: (القياسات الاقترانية غير الشكل الأول. . . إلخ) قد تقدم أن حقيقة البرهان ووجه الدلالة لا يوجد إلا فى الشكل الأول فهو المنتج فى الحقيقة وهو السبب للعلم بالإنتاج، فمن ذلك وجب أن تكون الدلائل كلها مشتملة على هيئة الشكل الأول، وإلا لم تنتج أصلًا، وقد بين اشتمال ما عداه من الاقترانيات على هيئته وكيفية ردها إليه فأراد أن يبين اشتمال الاستثنائيات على الاقترانى بل على الشكل الأول وكيفية ردها إليه (وطريقه أن يجعل الملزوم وسطًا) ولا بد فيه لما عرفت من أن الإستدلال إنما يكون بالملزوم على اللازم (وثبوته) لموضوع المطلوب (صغرى واستلزامه) لمحموله (كبرى) مثاله من الاستثنائى المتصل الذى استثنى فيه عين المقدم أن يقال فى كلما: كان هذا إنسانًا كان حيوانًا لكنه إنسان فهو حيوان هذا إنسان وكل إنسان حيوان فهذا حيوان ولو استثنى ههنا نقيض التالى يقال فى رده: هذا ليس بحيوان وكل ما ليس بحيوان ليس بإنسان فهذا ليس بإنسان، ولما كان رد القسم الأول ظاهرًا ومثال القسم الثانى مذكورًا فى صدر الكتاب اقتصر على ذكر المثال من المنفصل وهو راجع إلى المتصل لما عرفت من استلزام التنافى تعدد اللوازم ولذلك قال فإنه يتضمن أنه كلما كان زوجًا لم يكن فردًا فالزوج هو الملزوم الذى يجعل وسطًا فإن قلت: رد الاستثنائى متصلًا كان أو منفصلًا إنما يتم بما ذكره إذا كان المقدم والتالى فى المتصلة والمنفصلة مشاركين فى الموضوع كما فى الأمثلة المذكورة وإلا يشكل بقولنا: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس طالعة فالنهار موجود وبقولنا: إما أن تكون الشمس طالعة، وإما أن يكون الليل موجودًا لكن الشمس طالعة فليس الليل بموجود قلت: أما الأول فيقال فى رده: هكذا النهار لازم لطلوع الشمس الوجود وكل ما هو لازم لطلوع الشمس الموجود موجود ينتج النهار موجود وأما فى الثانى فيقال: هكذا الليل مناف لطلوع الشمس الموجود وكل ما هو مناف لطلوع الشمس الموجود ليس بموجود، ينتج الليل ليس بموجود، والمراد بالملزوم أعم من أن يكون مذكورًا صريحًا أو ضمنًا صرح بكونه ملزومًا أو لا ولا بد فى الدليل من الملزوم للمطلوب الحاصل للمحكوم عليه كما تقدم إلا أن ثبوت هذا الملزوم لموضوع المطلوب ليس مأخوذًا من المقدمة الاستثنائية فقط لأن استلزامه لمحموله مأخوذ من المتصلة كبرى، وإنما ذلك من الأمثلة السابقة
[ ١ / ٤١٧ ]
فإن قيل: فليحمل قول المصنف ويرد على القضية المهملة فلا يحتاج إلى هذا التكلف بل الرد إنما هو فيما ذكرناه كما اختاره بعض الشارحين أجيب بأن ما سبق من المصنف يقتضى انحصار الدليل فى الشكل الأول فلا بد من الرد وقد أومأ إليه الشارح بأن الاقترانيات قد ردت إليه فلنبين كيف يرد الاستثنائى إذ فيه إشارة إلى أن الرد فى الاستثنائى على قياس الرد فى الاقترانى وقد علمت أنه لا بد من اشتماله على الشكل الأول فكذا ههنا فإن قلت: لو كان إنتاج الاستثنائى للاشتمال على هيئة الأول وجب أن لا يعلم إنتاجه بدون الرد إليه قلت: لا يجب ذلك إذ ربما كان ملاحظة العقل لهيئة الأول فيه بسهولة بحيث كلما يشعر به لاحظها وربما لاحظها العقل بتصرف آخر غير الرد كما فى بيان الأشكال بالخلف بوسط ملاحظة العقل هيئة الأول، وقد عرفت أنه لا يجب فيما لاحظه العقل التمكن من التعبير هذا ما يقال فى توجيهه مع مراعاة ما سبق من الكلام وإن كان فيه ما فيه كله أومأ إليه.
التفتازانى: (العدد إما زوج أو فرد) المراد عدد مخصوص كالاثنين كأنه قال: هذا العدد إما زوج أو فرد يدل عليه قوله: لكنه زوج وقوله: هذا زوج ليس بفرد فيه سقط والأصل وكل زوج ليس بفرد.
التفتازانى: (على وجه يشعر بأن البيان فى التصلة أظهر) حيث قال: واستلزامه وهو المتصل كبرى ثم قال فإنه يتضمن أنه كلما كان زوجًا لم يكن فردًا.
التفتازانى: (فيما إذا أمكن. . . إلخ) كما فى المثالين المتقدمين.
التفتازانى: (وأما فى مثل لو كانت الشمس طالعة. . . إلخ) أى لأن موضوع المقدم هو الشمس وموضوع التالى هو النهار.
التفتازانى: (وقد عرفت من تحقيق الشارح. . . إلخ) فإنه قال فى شرح قوله: ولا بد من مستلزم للمطلوب حاصل للمحكوم عليه فإن قلت: هذا يختص فيما أرى ببعض الدلائل وإلا فما تقريره فى نحو لا شئ من الملح بمقتات وكل ربوى مقتات وفى نحو لو كان الملح ربويًا لكان مقتاتًا وليس فليس قلت مهما جعلنا الوسط والمطلوب هما النفى والإثبات يزول هذا الوهم. . . إلخ. ما قال وحاصله أن الوسط هو نفى الاقتيات وهو حاصل للملح ومستلزم للمطلوب الذى هو نفى
[ ١ / ٤١٨ ]
الربوية فكأنه قال الملح سلب عنه الاقتيات وكل ما سلب عنه الاقتيات سلب عنه الربوية ينتج الملح ليس بربوى، فالمراد من النفى والإثبات هو الوجود والعدم مضافين إلى المفرد مركبًا تركيبًا تقييديًا واقعًا محمولًا أو موضوعًا كما تقدم عن السيد.
قوله: (وقد أشار بذلك) أى أشار الشارح بقوله لأنه إنما يكون بالملزوم على اللازم كما تقرر سابقًا.
قوله: (أما إلى أن الاستدلال. . . إلخ) أى لا إلى الثانى فقط كما قاله السعد.
قوله: (واقتصر على أحد قسميه) أى قسمى المتصل وهو الاستدلال بالملزوم على اللازم الذى يحصل باستثناء المقدم لينتج عين التالى، وقوله: دون الآخر وهو الاستدلال بنفى اللازم على نفى اللزوم الذى يحصل باستثناء نقيض التالى لينتج نقيض المقدم، وقوله: يرجع إليه أى لأن نفى اللازم ملزوم ونفى الملزوم لازم فقد استدل بالملزوم على اللازم.
قوله: (وأما إلى ما تقدم. . . إلخ) هو الذى اقتصر عليه السعد.
قوله: (وإن صلاحيته لذلك) أى صلاحية لزوم التنافى للاشتراط.
قوله: (وبطل ما توهم. . . إلخ) رد على السعد.
قوله: (بل على الشكل الأول) أى كما أومأ إليه أى حيث قال علمت أنها ترد إليه فلنبين كيف يرد الاستثنائى إلى الاقترانى.
قوله: (مذكورًا فى صدر الكتاب) أى فى قوله لا شئ من الملح بمقتات وكل ربوى مقتات فإنه مؤول بالملح سلب عنه الاقتيات وكل ما سلب عنه الاقتيات سلب عنه الربوية.
قوله: (مذكورًا صريحًا) أى كما فى إن كان هذا إنسانًا كان حيوانًا لكنه إنسان فالملزوم الذى هو الوسط مذكور صريحًا وكذا فى قولك الاثنان إما زوج أو فرد لكنه زوج فالملزوم هو الزوج وهو مذكور صريحًا، وقوله: أو ضمنًا أى كما فى قولك إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود لكن الشمس طالعة فإن الملزوم هو لازم من قولك النهار لازم لطلوع الشمس الموجود وكل لازم. . . إلخ. وكذا فى قولك: إما أن تكون الشمس طالعة وإما أن يكون الليل موجودًا لكن الشمس طالعة فالملزوم هو قولك الليل مناف لطلوع الشمس الموجود وكل مناف. . . إلخ.
[ ١ / ٤١٩ ]
وقوله صرح بكونه ملزومًا أو لا أى يذكر الاستلزام صريحًا أو ضمنًا.
قوله: (ليس مأخوذًا من الاستثنائية فقط) أى: لأن الاستثنائية فيما تقدم لكن الشمس طالعة والصغرى هى النهار لازم لطلوع الشمس الموجود فتوقفت على الاستلزام.
قوله: (ولا أن استلزامه. . . إلخ) أى لأن الاستلزام الذى أول به كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا لكن الشمس طالعة النهار لازم لطلوع الشمس الموجود ولم يؤخذ الوجود إلا من الاستثنائية فالاستلزام على هذا مأخوذ من المتصلة والاستثنائية.
قوله: (وإنما ذلك) أى كون ثبوت الملزوم لموضوع المطلوب مأخوذًا من الاستثنائية وكون استلزامه لمحموله مأخوذًا من المتصلة فى الأمثلة السابقة.
قوله: (مع مراعاة ما سبق من الكلام) أى من التأويل فى بعض الأمثلة وقوله وإن كان فيه ما فيه أى من أنه تعسف.
قوله: (كله أومأ إليه) أى بقوله فى الاقترانيات غير الشكل الأول علمت أنها ترد إليه فلنبين كيف يرد الاستثنائى فأومأ بذلك إلى الرد إلى الشكل الأول وإن كان فى البعض تعسف وأنه قد يلاحظ بسهولة. . . إلخ. ما قال هنا.
[ ١ / ٤٢٠ ]
قال: (والاقترانى إلى المنفصل يذكر منافيه معه).
أقول: يردّ الاقترانى إلى الاستثنائى أيضًا فإلى المتصل ظاهر بأن يجعل الوسط ملزومًا للمطلوب وأما إلى المنفصل فبأن تأخذ منافى الوسط وتذكره مع الوسط مثله الاثنان زوج وكل زوج فهو ليس بفرد فمنافى الزوج الذى هو الوسط إنما هو الفرد فتقول الاثنان إما زوج أو فرد لكنه زوج فهو ليس بفرد.
قوله: (والاقترانى إلى المنفصل) إن أريد الحكم جزئيًا فظاهر، وإن أريد كليًا ففي مثل العالم متغير وكل متغير حادث ليس بظاهر؛ لأن منافى المتغير هو اللامتغير، وإذا قلنا العالم إما متغير أو لا متغير فاستثناء أحد الجزأين أو نقيضه لا ينتج المطلوب، اللهم إلا أن يجعل مقابل الوسط نقيض الأكبر بأن يقال: العالم إما متغير أو لا حادث لكنه متغير فليس بلا حادث، وأما ما وقع فى بعض الشروح من رد قولنا الطواف صلاة وكل صلاة لا تصح بدون الوضوء إلى قولنا الطواف إما فاسد بدون الوضوء وصحيح لكنه فاسد فلا يكون صحيحًا فليس بمستقيم؛ إذ لا تعرض فيه للوسط أصلًا.
قوله: (يرد الاقترانى إلى الاستثنائى) أما الرد إلى المتصل فبأن يجعل الوسط ملزومًا للمطلوب فيقال فى قولنا: الوضوء عبادة وكل عبادة بنية إن كان الوضوء عبادة فهو بنية لكن الوضوء عبادة ينتج أنه بنية وهو ظاهر والبرهان واضح.
التفتازانى: (لا ينتج المطلوب) هو حدوث العالم فى المثال المذكور وقوله: اللهم إلا أن يجعل. . . إلخ. وعليه فالمراد بمنافى الوسط ما يشمل المنافى صراحة أو لزومًا إذ يلزم من لا حادث أنه لا متغير وهو منافى الوسط الذى هو متغير.
[ ١ / ٤٢١ ]