فِي بَيَانِ أَن الأَصْلَ عَدَمُ الاشْتِرَاكِ؛ وَيَدُلُّ عَلَيهِ وَجْهَانِ:
[ ١ / ١٧٠ ]
الأَوَّلُ: أَنَّ احْتِمَال الاشْتِرَاكِ، لَوْ كَانَ مُسَاويًا لاحْتِمَالِ الانْفِرَادِ - لَمَا حَصَلَ الْفَهْمُ فِي شَيءٍ مِنَ الأَلْفَاظِ حَالةَ التَّخَاطُبِ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَوْنُ اللَّفْظِ مُفِيدًا لمَعْنى، وَمُفِيدًا لِغَيرِهِ - حَاصِلًا بِالتَّسَاوي -: لَكَانَ حُصُولُ فَهْمِ أَحدِهِمَا دُونَ الآخَرِ تَرْجِيحًا مِنْ غَيرِ مُرَجِّحٍ؛ وَهُوَ مُحَالٌ.
[ ١ / ١٧١ ]
لَا يُقَالُ: "لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَيَّنَ بِسَبَبِ التَّصْرِيحِ بِالتَّعْيِينِ؟ ! ":
===
وقال الأصَمُّ: المُحْكَمُ نَعْتُهُ - ﵇ - فِي الكُتُبِ السَّابِقَةِ.
وقال واصل بن عطاءٍ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيدٍ المُعْتَزِليَّان: المُحْكَمُ: الوعيدُ الواردُ على
[ ١ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الكبائر، والمتشابه ما ورد على الصغائر، وهذان أول من قال بدَرَجَةٍ بَينَ الإِيمان والكُفْر، وسَمَّوْهَا فِسْقًا، وقَضَوْا بتخليدِ الفَاسِقِ في النار، إنْ مَاتَ قَبلَ التوبةِ؛ فاعتزلهما الحَسَنُ البَصْرِيُّ -
[ ١ / ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
﵀ - لِهَذِهِ المَقَالةِ وَاعْتَزَلَا مَجْلِسَهُ؛ فَسُمُّوا مُعْتَزِلَةً.
قوله: "الأَصْل" يحتمل ثلاثة معان:
أحدهما: أن يراد أنَّه علَى خِلَافِ الدَّليل؛ كما يقال: إِذا كان اتْصَالُ النَّجِسِ بالطَّاهِرِ بِشَرْطِ الرُّطُوبة، وقبولِ المَحَلِّ -سببًا لنجاسَةِ الطَّاهر-: فتطهيرُ الماءِ للنجاسَةِ علَى خلافِ الأَصْل؛ لأن
[ ١ / ١٧٤ ]
لأَنَّا نُجِيبُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَينِ:
أَحَدُهُمَا: لَوْ كَانَ الأمرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ - لَوَجَبَ أَلَّا يَحْصُلَ الْفَهْمُ إلا بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ المُتكَلِّمُ: إِنَّ مُرَادِي مِن كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ كَذَا وَكَذَا؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُتَوَقَّفُ عَلَيهِ.
===
المَحَلَّ لا يخْلُو عن نَجِسٍ أو متنجِّسٍ.
الثاني: أَنْ يُرَادَ بـ "الأَصْل": القاعدَةُ المستمرَّةُ؛ فما خَرَجَ عَنْها يَكُونُ على خلافِ الأَصْلِ؛ كقولهم: إِبَاحَةُ المَيتَةِ للمضطَرِّ علَى خلافِ الأَصْلِ.
الثالث: أن يراد بـ "الأَصْل": الأغلبُ الأكثرُ: فمَا خَرَجَ عنه يكُونُ عَلى خلافِ الأَصْلِ؛ كما يقال: العقلُ فِي النِّسَاءِ عَلى خلافِ الأَصْلِ، أي: للأَكْثَرِ. وما ذكره مِنْ أَنَّ الاشتراك على خلافِ الأَصْلِ، يحتملُ المعانِيَ الثلاثةَ؛
أما الأوَّل والثَّاني؛ فلأنَّ الألفاظ وُضعت للإفهام، ولازمُ الاشتراكِ الإجْمَالُ، وهو محلٌّ بمقصودِ الوضع، فكان عَلى خلافِ الدَّلِيلِ والقاعدةِ. وأما الثالث: وهو أنَّه خلافُ الغالِب فظاهرٌ بدلالةِ الاستقراءِ.
قوله: "إن احتمال الاشتراكِ لو كانَ مساويًا لاحتمالِ الانفرادِ - لما حصل الفهْمُ فِي شيء من هذه الألفاظِ حالةَ التخاطُب"، هذا الدليلُ لا يفيده المطلوبُ؛ فإِنا اجْمعْنا على أنَّ لنا ألفاظًا نعلم نصَّها، وَألفاظًا نعلم ظهورها، وألفاظًا نعلمُ اشتراكها، وألفاظًا نتردَّد فِي اشتراكِهَا وظهورِهَا؛ فلا نزاع أَنَّا نحمِلُ القسمين الأَوَّلَينِ عند الإطلاقِ على معانِيهِمَا من غير تَوَقُّفٍ، وأنَّا نقف فِي الْمُشْتَرَكِ عند مَنْ لا يَرَى التعميم.
وإنما يلزم الوقْفُ فيما يتردَّد فيه، ونحنُ نقول به، فما ذكره مِنْ لزومِ الوقف عند الإطلاق فِي جميع الألفاظ - غيرُ لازمٍ.
قوله: "لا يُقال: لِمَ لا يجوز إذا يتعيَّن بَسَببِ التصْريحِ بالتعيينِ؛ لأنا نجيبُ عنه من وجهين:
[ ١ / ١٧٥ ]
الثانِي: أَنَّ ذَلِكَ التَّعْيِين وَالبَيَانَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِلَفْظٍ، أَوْ إِشَارَة، أَوْ كِتَابَةٍ؛ وَإِذَا كَانَ احْتِمَالُ الاشْتِرَاكِ وَالانْفِرَادِ وَاقِعًا عَلَى التَّسَاوي - كَانَ ذَلِكَ الاحْتِمَالُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الأَلْفَاظِ المَذكُورَةِ لِلْبَيَانِ: قَائِمًا؛ فَاحْتَاجَت إِلَى مَا يُعَيِّنُ مَدْلُولَاتِهَا؛ وَلَزِمَ: إِمَّا الدُّوْرُ، وَإِمَّا التَّسَلْسُلُ؛ وَهُمَا مُحَالانِ.
===
الأول لو كان الأمر كما ذكرتم - لوجب أَلَّا يَحْصُلَ الفهم إلَّا بعد أن يبيِّن المتكلِّم: إن مرادِي مِنْ كُلِّ واحدٍ من هذه الألفاظ كذا وكذا، ومعلوم أنَّه لا يتوقَّف عليه" يَرِدُ عليه ما تقدَّمَ مِنْ عدم لُزومِ الوقْفِ فِي جميع الألفاظِ.
قوله: "والثاني: أَنَّ ذلك التعيينَ، والبيان إنما يحصُلُ بلفظٍ أو إشارةٍ، أو كتابة
[ ١ / ١٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وغايةُ الإِشارةِ، والكتابةِ أَنْ تُنَزَّلَا منزلةَ اللفظِ الَّذي أقيمتا مُقَامَهُ، ولو صرَّح به، لكان علي هذا التقدير؛ فالقَائمُ مقامه؛ مِنْ إِشارة أو كتابةٍ -أولَى".
قوله: "واحتاجَت إِلى ما يُعَيِّنُ مدلولَها؛ ويلزم التَّسلْسُلُ".
يجابُ عنه من وجْهينِ:
أحدهما: مَنْعُ حَصْرِ المفسِّر فيما ذكره؛ فإِن من المفسِّرات القرائن الحالِيَّة، ثم لو
[ ١ / ١٧٧ ]
الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ لَمْ يَكُنْ الاشتِرَاكُ مَرْجُوحًا - لَمَا أَفَادَتِ الدَّلَائِلُ السَّمْعِيَّةُ الظَّنَّ، فَضلًا عَنِ اليَقِينِ؛ لاحْتِمَالِ أَنْ يُقَال: هذِهِ الأَلْفَاظُ مُشتَرِكَةٌ بَينَ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي لَا نَفْهَمُهَا وَبَينَ غَيرِهَا؛ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّارعِ غَيرَ مَا ظَهَرَ لَنَا؛ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالإِجْمَاعِ.
===
سُلِّمَ، فقد يكون المفسِّر ألفاظًا ناصَّةً، أو ظاهرةً؛ فلا يلزمُ التَّسَلْسُلُ.
قوله: "الوجه الثَّاني -يعني: على أصْلِ المطلُوبِ- أنَّ الاشتراك لولمْ يكُنْ مرجوحًا - لما أفادَتِ الدلائلُ السَّمْعِيَّةُ الظَّنَّ، فضْلًا عن اليقينِ؛ لاحتمالِ أن يقال: هذه الألفاظُ مُشْتَرَكةٌ بين هذه المعاني التي نَفْهَمُهَا وبَينَ غيرها؛ وعلى هذا التقدير: يحتملُ أن يكُونَ مُرَادُ الشارع غَيرَ ما ظَهَرَ لنا".
ظاهرُ كلامه: أنَّ الدليلَ الثانيَ فُرِضَ فِي صورةٍ مِنْ صُوَرِ الدَّليل الأَوَّل؛ فإنه إِذا امْتَنع الفهْم مطلقًا، امتنع فِي كلامِ الشَّارع؛ فلا فائِدَةَ فِي ذكرِ الدليلِ الثاني، ووجْهُ الفرْق بين المسْلَكَين: أن اللازِمَ مِنَ الأَوَّلِ: خلافُ العُرْف، واللازِمَ من الثاني: خِلَافُ الإِجماع؛ وهما مُحَالان.
ومما يَجِبُ تقديمه: أنَّ الاشتراك جائزٌ وواقعٌ لغةً وشرعًا: أما لغة: فقولُهُم للخطير: الحقير، وأَمَّا شرعًا: فالقُرْء.
[ ١ / ١٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومَنَعَهُ قومٌ؛ واحتجُّوا بأنه يُخِلُّ بالتفاهم، وبأَنَّ استعمالهُ شَرْعًا بدُونِ القرينةِ - تكليفٌ بما لا يُطاقُ، ومع القَرِينَةِ: إِن قارنته أغْنتْ عن المشْتَرَكِ، وصار لَغْوًا، وإن تَأَخَّرَت فتجهيلٌ.
[ ١ / ١٧٩ ]