قوله: (والأصل الطهارة في كل شيء والأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على نجاسته أو تحريمه).
_________________
(١) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٥٥).
[ ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الشيخ ﵀ في منظومته:
والأصل في مياهنا الطهارة … والأرض والثياب والحجارة
قول المؤلف: «الأصل»: المراد به القاعدة المستمرة التي نحكم بها.
والمراد بقوله: «والأصل في مياهنا الطهارة»: أن الماء الذي لا نعلم دليلًا على طهارته، ولا على نجاسته، فإننا نحكم بقاعدة الأصل، وهو أن الأصل فيه أنه طاهر ما لم يأت دليل يغيره.
ودليل هذه القاعدة:
١ قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١].
٢ قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨].
٣ عن أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله غ: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (^١).
٤ وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» (^٢).
إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في طهارة المياه، فهذا هو الأصل،
_________________
(١) رواه أبو داود ٨٣، والنسائي ٥٩، والترمذي ٦٩، وابن ماجه ٣٨٦.
(٢) رواه أبو داود ٦٦، الترمذي ٦٦.
[ ١٨٧ ]
و(الأصل براءة الذمم من الواجبات ومن حقوق الخلق، حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك). و(الأصل بقاء ما اشتعلت به الذمم من حقوق الله وحقوق عباده، حتى يتيقن البراءة والأداء).
والقاعدة المستمرة في المياه.
وقول المؤلف: «الأرض»: أي أن الأصل في الأرض أنها طاهرة، والدليل على ذلك:
١ عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (^١).
٢ وعن أبي ذر ﵁ قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا ذر ابد فيها»، فبدوت إلى الربذة فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست، فأتيت النبي ﷺ فقال: «أبو ذر»، فسكت فقال: «ثكلتك أمك أبا ذر، لأمك الويل»، فدعا لي بجارية سوداء فجاءت بعس فيه ماء، فسترتني بثوب واستترت بالراحلة، واغتسلت، فكأني ألقيت عني جبلا، فقال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن ذلك خير» (^٢).
قال ﵀: (والأصل براءة الذمم من الواجبات، ومن حقوق الخلق حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك).
أي: أن الإنسان بريء الذمة من وجوب شيء أو لزومه،
_________________
(١) رواه البخاري ٤٣٨، ومسلم ٥٢١.
(٢) رواه أبو داود ٣٣٢.
[ ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكونه مشغول الذمة خلاف الأصل.
ويدل لهذه القاعدة: قوله ﷺ: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (^١).
وبراءة الذمة تكون من حقين:
أ حق الله تعالى: فلا يجب عليه شيء إلا بدليل؛ إذ الأصل في العبادات التوقيف، فلا تجب عبادة إلا بدليل، ويدخل فيه براءة جسده من الحدود والتعزيرات.
ب حقوق العباد: فلا يطالب بشيء إلا بقيام دليل على انشغال ذمته به؛ إذ الأصل عدم شغل الذمة، فتبرئ ذمته من حقوق العباد، سواء كانت مالية أو بدنية.
ومن الفروع المترتبة على ذلك: لو ادعى شخص على شخص حقًا من الحقوق فنقول: بأن المدَّعَى عليه الأصل براءة ذمته حتى يثبت هذا الحق بالبينة.
_________________
(١) سبق تخريجه.
[ ١٨٩ ]