قوله: (والفاء للترتيب وللتعقيب في كل شيء بحسبه) ذكر التاج السبكي أنها للترتيب المعنوي والذكرى (٢).
مثال المعنوي "قام زيد فعمرو" والذكرى: هو عطف مفصل على مجمل هو هو في المعنى، نحو ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (٣) ونحو "توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ورجليه".
وقال الفراء: لا تفيد الترتيب، واستُنْكِر هذا منه مع قوله بأن الواو تفيد الترتيب.
_________________
(١) العنوان من الهامش. انظر: معاني الفاء في: العدة لأبي يعلى (١/ ١٩٨)، التمهيد لأبي الخطاب (١/ ١١٠ - ١١١)، القواعد والفوائد الأصولية ص (١٣٧)، وتحرير المنقول للمرداوي (١/ ١٢٩)، شرح الكوكب المنير (١/ ٢٣٣ - ٢٣٦)، والمحصول (١/ ١/ ٥٢٢ - ٥٢٨)، والإبهاج بشرح المنهاج (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠) ومعاني الحروف للرماني ص (٩٧ - ٩٨) ورصف المباني للمالقي ص (٣٧٦ - ٣٨٧)، وتسهيل الفوائد لابن مالك ص (٤٧).
(٢) انظر: جمع الجوامع بشرح المحلى (١/ ٣٤٨).
(٣) سورة البقرة: (٣٦).
[ ١ / ٢٦٥ ]
واحتج بقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ (١)، وأجيب بأنها للترتيب الذكرى، أو على تقدير حذف، أي أردنا إهلاكها.
وذكر جماعة أن "الفاء" تشارك "ثم" في التريب الإخباري كما تشاركها في الترتيب الوجودي، نحو "مطرنا بمكان كذا فمكان كذا" وربما يذكر كيف نزل بها، وربما ذكر الذي كان أولًا آخرا (٢).
وأما ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ (٣) و﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤) فقيل: لترتيب الأخبار بعضها على بعض نحو "زيد عالم ثم كريم" وقيل: بمعنى الواو.
وأما التعقيب فمعناه المشهور كون الثانى بعد الأول من غير مهلة بخلاف "ثم" وصار المحققون إلى أن التعقيب في كل شيء بحسبه ولهذا يقال "تزوج فلان فولد له" إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل وإن كانت متطاولة، و"دخلت البصرة فالكوفة" إذا لم تقم في البصرة ولا بين البلدين.
وفي هذا انفصال عما أورده السيرافي على قول البصريين
_________________
(١) سورة الأعراف: (٤) وفيها ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ ووجه استدلال الفراء أن مجيء البأس متقدم على الإهلاك وعطف عليه بالفاء فدل هذا على أنها لا تفيد الترتيب. انظر: شرح الكوكب المنير (١/ ٢٣٤).
(٢) ما سبق اقتتبسه المصنف عن تشنيف المسامع للزركشي (ق ٤٥ ب).
(٣) سورة يونس: (٤٦).
(٤) سورة البلد: (١٧).
[ ١ / ٢٦٦ ]
أن الفاء للتعقيب في هذه الأمثلة وأنا نقول: هي للتعقيب على الوجه الذي يمكن.
قال ابن الحاجب: المراد بالتعقيب ما يعد في العادة تعقيبًا لا على سبيل المضايفة، فَربَّ فعلين يُعد الثاني عقب الأول عادة وإن كان بينهما أزمان كثيرة، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (١) (٢).
ونص الفارسي في الإيضاح "على أن" "ثم" أشد تراخيًا من الفاء (٣) فدل على أن في "الفاء" تراخيا، ووجهه بعضهم بأن الاتصال يكون حقيقة ومجازا، فالحقيقة من غير تراخي، والمجاز فيه تراخ نحو "دخلت البصرة فالكوفة".
وتوسع ابن مالك فذهب إلى أنها تكون للمهملة كـ "ثم" نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ (٤) والأحسن أنها للتعقيب كما سبق (٥).
تنبيه: خصص التاج السبكي التعقيب بـ "الفاء" "العاطفة" (٦).
_________________
(١) سورة المؤمنون: (١٤).
(٢) انظر: الإيضاح في شرح المفصل لابن الحاجب (٢/ ٢٠٦).
(٣) انظر: الإيضاح العضدي لأبي علي الفارس (١/ ٢٨٧).
(٤) سورة الحج: (٦٣).
(٥) ما سبق اقتتبسه المصنف عن تشنيف المسامع للزركشي (ق ٤٥ ب). بتصرف.
(٦) راجع جمع الجوامع بشرح المحلى (١/ ٣٤٨).
[ ١ / ٢٦٧ ]
قال بعض الشراح (١): فتخرج الرابطة للجواب، وبه صرح القاضي أبو بكر في "التقريب" وقال إنها لا تقتضي التعقيب في الأجوبة.
وكذا ذكر ابن عقيل في "الواضح" وقال: أنه قد يكون جواب جملة من الكلام نحو قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) و"إذا دخلت مكة فطف بالبيت"، وقد يكون جواب الأمر نحو قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٣) قال: وليس هو في هذه المواقع للتعقيب (٤).
وذكر التاج السبكي أنها تكون للسببية (٥)، نحو ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ (٦) وقوله ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ (٧).
* * *
_________________
(١) هو الزركشي. انظر: تشنيف المسامع (ق ٤٥ ب).
(٢) سورة المائدة: (٦).
(٣) سورة يس: (٨٢).
(٤) الواضح لابن عقيل (١/ ٢٦ أ).
(٥) جمع الجوامع بشرح المحلى (١/ ٣٤٨).
(٦) سورة البقرة: (٣٧).
(٧) سورة الواقعة: (٥٢ - ٥٣).
[ ١ / ٢٦٨ ]