الثَّانِي: الْآحَادُ، وَهُوَ مَا عَدِمَ شُرُوطَ التَّوَاتُرِ أَوْ بَعْضَهَا. وَعَنْ أَحْمَدَ - ﵀ - فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ، قَوْلَانِ:
الْأَظْهَرُ: لَا. وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ. وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ. وَقِيلَ: مَحْمُولٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ آحَادُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَثِقَتِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ مِنْ طُرُقٍ مُتَسَاوِيَةٍ، وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، كَأَخْبَارِ الشَّيْخَيْنِ: الصِّدِّيقِ، وَالْفَارُوقِ، ﵄، وَنَحْوِهِمَا.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «الثَّانِي»، أَيِ: الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيِ الْخَبَرِ: «الْآحَادُ» . قَوْلُهُ: «وَهُوَ: مَا عَدِمَ شُرُوطَ التَّوَاتُرِ أَوْ بَعْضَهَا»، هَذَا تَعْرِيفٌ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ، أَيْ: هُوَ مَا فُقِدَتْ فِيهِ شُرُوطُ التَّوَاتُرِ، بِأَنْ كَانَ إِخْبَارًا عَنْ غَيْرِ مَحْسُوسٍ، أَوْ رِوَايَةً مِمَّنْ يَجُوزُ الْكَذِبُ عَلَيْهِ عَادَةً ; لِكَوْنِهِ وَاحِدًا فِي الْحَقِيقَةِ، أَوْ جَمَاعَةً لَا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً، أَوْ كَانُوا مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ مِنْهُمُ الْكَذِبُ عَادَةً، لَكِنَّ فِي بَعْضِ طَبَقَاتِهِ دُونَ الْبَعْضِ. وَالْآحَادُ فِي الْحَقِيقَةِ جَمْعٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْخَبَرِ: آحَادٌ ; لِأَنَّهُ رِوَايَةُ الْآحَادِ ; فَهُوَ إِمَّا مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ، أَوْ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْأَثَرِ بِاسْمِ الْمُؤَثِّرِ مَجَازًا ; لِأَنَّ الرِّوَايَةَ أَثَرُ الرَّاوِي. قَوْلُهُ: «وَعَنْ أَحْمَدَ فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ»، أَيْ: بِخَبَرِ الْآحَادِ «قَوْلَانِ: الْأَظْهَرُ»، أَيْ: مِنَ الْقَوْلَيْنِ، «لَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ»، «وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ»، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَ«الثَّانِي» يَعْنِي: مِنَ الْقَوْلَيْنِ: «يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ»، «وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ»، قَالَ الْآمِدِيُّ: وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
[ ٢ / ١٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: مَحْمُولٌ»، أَيْ: وَقِيلَ: الْقَوْلُ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ «مَحْمُولٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ آحَادُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى عَدَالَتِهِمْ وَثِقَتِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ، مِنْ طُرُقٍ مُتَسَاوِيَةٍ، وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، كَأَخْبَارِ الشَّيْخَيْنِ» يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ فِي عَصْرِهِمَا، وَبَعْدِهِمَا. قُلْتُ: هَذَا تَأْوِيلٌ مِنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِ أَحْمَدَ: إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَالَّذِي رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا، أَنَّهُ قَالَ فِي أَخْبَارِ الرُّؤْيَةِ: يُقْطَعُ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا ; فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَخْبَارٍ مَخْصُوصَةٍ، كَثُرَتْ رُوَاتُهَا، وَتَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَدَلَّتِ الْقَرَائِنُ عَلَى صِدْقِ نَاقِلِهَا ; فَيَكُونُ إِذًا مِنَ التَّوَاتُرِ. فَحَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ نَفَى حُصُولَ الْعِلْمِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ، ثُمَّ الْمُثْبِتُونَ: مِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِوَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، كَبَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِأَخْبَارِ بَعْضِ الْآحَادِ، كَالشَّيْخَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ بِبَعْضِ أَخْبَارِ الْآحَادِ، كَأَخْبَارِ الرُّؤْيَةِ، وَالْقَدَرِ، وَالْجِهَةِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَنَحْوِهَا. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ إِنَّمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ مَعَ الْقَرَائِنِ، لَا بِدُونِهَا، كَمَا سَبَقَ.
[ ٢ / ١٠٤ ]
الْأَوَّلُونَ: لَوْ أَفَادَ الْعِلْمَ لَصَدَّقْنَا كُلَّ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ، وَلَمَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ، وَلَجَازَ نَسْخُ الْقُرْآنِ وَتَوَاتُرُ السُّنَّةِ بِهِ، وَلَجَازَ الْحُكْمُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَلَاسْتَوَى الْعَدْلُ وَالْفَاسِقُ، كَالتَّوَاتُرِ. وَاللَّوَازِمُ بَاطِلَةٌ، وَالِاحْتِجَاجُ بِنَحْوِ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ غَيْرُ مُجْدٍ، لِجَوَازِ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «الْأَوَّلُونَ»، أَيْ: احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ، وَهُمُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: لَوْ أَفَادَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ، لَصَدَّقْنَا كُلَّ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ، لَكِنَّا لَا نُصَدِّقُ كُلَّ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ ; فَهُوَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. وَالْمُلَازِمَةُ وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ - وَهُوَ تَصْدِيقُنَا كُلَّ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ - ظَاهِرَانِ، غَنِيَّانِ عَنِ الْبَيَانِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: لَوْ أَفَادَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ، لَمَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ ; لِأَنَّ الْعِلْمَيْنِ لَا يَتَعَارَضَانِ، كَمَا لَا تَتَعَارَضُ أَخْبَارُ التَّوَاتُرِ، لَكِنَّا رَأَيْنَا التَّعَارُضَ كَثِيرًا فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْعِلْمَ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: لَوْ أَفَادَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ، لَجَازَ نَسْخُ الْقُرْآنِ وَتَوَاتُرُ السُّنَّةِ بِهِ ; لِأَنَّهُ عِلْمِيٌّ مِثْلُهُمَا، لَكِنَّ نَسْخَ الْقُرْآنِ وَتَوَاتُرَ السُّنَّةِ بِهِ لَا يَجُوزُ، لِضَعْفِهِ عَنْهُمَا ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. فَأَمَّا اخْتِيَارُنَا لِنَسْخِ الْقُرْآنِ، وَتَوَاتُرِ السُّنَّةِ بِهِ فِي كِتَابِ النَّسْخِ ; فَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَهُمَا مِنَ الظَّنِّ، الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْعَمَلِ. أَمَّا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُسَاوِيهِمَا فِي الْقُوَّةِ أَوْ كَوْنُ ذَلِكَ جَائِزًا فِي الْمُنَاسَبَةِ الْحُكْمِيَّةِ ; فَلَا. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: لَوْ أَفَادَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ، لَجَازَ الْحُكْمُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَحْتَجْ
[ ٢ / ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) مَعَهُ إِلَى شَاهِدٍ ثَانٍ، وَلَا يَمِينٍ عِنْدِ عَدَمِهِ، وَلَا إِلَى زِيَادَةٍ عَلَى الْوَاحِدِ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَى وَاللِّوَاطِ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ حَاصِلٌ، وَلَيْسَ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ مَطْلُوبٌ، لَكِنَّ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: لَوْ أَفَادَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ لَاسْتَوَى الْعَدْلُ وَالْفَاسِقُ فِي الْإِخْبَارِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمَا، كَمَا اسْتَوَى خَبَرُ التَّوَاتُرِ فِي كَوْنِ عَدَدِ الْمُخْبِرِينَ بِهِ عُدُولًا أَوْ فُسَّاقًا، مُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارًا، إِذْ لَا مَطْلُوبَ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ، وَإِذَا حَصَلَ بِخَبَرِ الْفَاسِقِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدْلِ فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، لَكِنَّ الْفَاسِقَ وَالْعَدْلَ لَا يَسْتَوِيَانِ بِالْإِجْمَاعِ وَالضَّرُورَةِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ إِنَّمَا هُوَ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ دُونَ الْفَاسِقِ. وَهَذِهِ الْوُجُوهُ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْمُلَازَمَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِنَا: «لَوْ أَفَادَ الْعِلْمَ لَصَدَّقْنَا كُلَّ خَبَرٍ نَسْمَعُهُ، وَلَمَا تَعَارَضَ خَبَرَانِ، وَلَجَازَ نَسْخُ الْقُرْآنِ وَتَوَاتُرُ السُّنَّةِ بِهِ، وَلَجَازَ الْحُكْمُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَلَاسْتَوَى الْعَدْلُ وَالْفَاسِقُ» . وَقَوْلُنَا: «وَاللَّوَازِمُ بَاطِلَةٌ»، مَعْنَاهُ: أَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» تَضَمَّنَتْ خَمْسَ مُلَازَمَاتٍ، قَدْ ظَهَرَتْ فِي الْوُجُوهِ الْخَمْسَةِ هَاهُنَا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ وَشَرْحُهَا فِي مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ. وَاللَّوَازِمُ: جَمْعُ لَازِمٍ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي جَوَابِ «لَوْ» فِي قَوْلِنَا: لَوْ كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا، وَبُطْلَانِ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ الْمَلْزُومِ ; فَاللَّوَازِمُ هَاهُنَا هِيَ تَصْدِيقُنَا كُلَّ
[ ٢ / ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) خَبَرٍ نَسْمَعُهُ، وَعَدَمُ تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ، وَجَوَازُ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَجَوَازُ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَاسْتِوَاءُ الْعَدْلِ وَالْفَاسِقِ. وَانْتِفَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ اللَّوَازِمِ الْخَمْسَةِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ مَلْزُومِهِ، وَهُوَ إِفَادَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ ; فَهُوَ مَلْزُومٌ وَاحِدٌ لَهُ خَمْسَةُ لَوَازِمَ، وَكُلُّهَا بَاطِلَةٌ. قَوْلُهُ: «وَالِاحْتِجَاجُ بِنَحْوِ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٣]، غَيْرُ مُجْدٍ»، أَيْ: غَيْرُ نَافِعٍ «لِجَوَازِ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ»، هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى حُجَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَبَيَانِ ضَعْفِهَا. أَمَّا تَقْرِيرُ حُجَّتِهِمْ: فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣٣]، أَيْ: هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، فَلَوْ لَمْ يُفِدْ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ، لَكَانَ ذَلِكَ كَذِبًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ، وَهُوَ الْكَذِبُ وَذَلِكَ لِقَوْلِ الرُّوَاةِ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ ﷿، وَقَالُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَهُوَ حَرَامٌ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ أَنَّ اللَّازِمَ مِنْهَا ارْتِكَابُ الرُّوَاةِ الْمُحَرَّمَ، وَهُوَ الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ ﷿، وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَلَيْهِمْ، وَلَا هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْهُ، إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَكِبُوا الْكَذِبَ الْمُحَرَّمَ فِي الرِّوَايَةِ، أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ: أَنَّهُمْ لِإِسْلَامِهِمْ، وَظُهُورِ عَدَالَتِهِمْ، لَا نَظُنُّ بِهِمْ ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِصِدْقِهِمْ، بَلِ الظَّنَّ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَهَاهُنَا جَوَابٌ آخَرُ لَمْ يُذْكَرْ فِي «الْمُخْتَصَرِ»: وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ إِفَادَةِ
[ ٢ / ١٠٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) خَبَرِهِمُ الْعِلْمَ يَسْتَلْزِمُ كَذِبَهُمْ، بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَهْمًا وَخَطَأً فِي الرِّوَايَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ وَلَا تَحْلِيلٌ. تَنْبِيهٌ: الْخَبَرُ إِمَّا تَوَاتُرٌ ; فَهُوَ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ كَمَا سَبَقَ، أَوْ آحَادٌ مُجَرَّدٌ ; فَلَا يُفِيدُ الْعِلْمَ قَطْعًا كَمَا تَقَرَّرَ هَاهُنَا، أَوْ آحَادٌ احْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ أَفَادَ مَعَهَا الْعِلْمَ ; فَهُوَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ ; فَلَيْسَ تَوَاتُرًا ; لِأَنَّ الْمُخْبِرَ بِهِ وَاحِدٌ، وَلَا آحَادًا لِإِفَادَتِهِ الْعِلْمَ. قُلْتُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى خَبَرُ الْوَاحِدِ خَاصًّا، لِاخْتِصَاصِهِ بِالْقَرَائِنِ. وَأَيْضًا الْخَبَرُ إِمَّا تَوَاتُرٌ: وَقَدْ عُرِفَ، أَوْ آحَادٌ: وَهُوَ إِمَّا مُسْتَفِيضٌ، [أَوْ غَيْرُ مُسْتَفِيضٍ] وَهُوَ بَقِيَّةُ الْآحَادِ. قُلْتُ: الْمُسْتَفِيضُ مَأْخُوذٌ مِنْ: فَاضَ الْمَاءُ وَالْإِنَاءُ وَنَحْوُهُ: إِذَا امْتَلَأَ، حَتَّى تَبَدَّدَ الْمَاءُ مِنْ حَافَّاتِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ. وَالتَّحْقِيقُ فِي الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ بِمُوجِبِ هَذَا الِاشْتِقَاقِ، وَبِمُوجِبِ عُرْفِ النَّاسِ: أَنَّهُ الْخَبَرُ الشَّائِعُ الذَّائِعُ، الْمُنْتَشِرُ فِي النَّاسِ انْتِشَارًا يَبْعُدُ مَعَهُ الْكَذِبُ عَادَةً، وَهُوَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْمَوْتُ، وَالنَّسَبُ، وَالْمُلْكُ الْمُطْلَقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْوَقْفُ وَمَصْرِفُهُ، وَالْعِتْقُ، وَالْوَلَاءُ، وَالْوِلَايَةُ، وَالْعَزْلُ، وَالْخَلْعُ، وَالطَّلَاقُ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ. فَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ فِيهِ عَدَدًا يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ ; فَهُوَ اعْتِبَارُ التَّوَاتُرِ فِيهِ، وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي الِاسْتِفَاضَةِ. وَأَمَّا اكْتِفَاءُ الْقَاضِي فِيهِ بِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا ; فَلَيْسَ لِأَنَّ الْمُسْتَفِيضَ ذَلِكَ، بَلْ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا أَنَّهُ مُسْتَفِيضٌ
[ ٢ / ١٠٨ ]