وَفِي تَكْلِيفِ الْمُمَيِّزِ، قَوْلَانِ: الْإِثْبَاتُ، لِفَهْمِهِ الْخِطَابَ. وَالْأَظْهَرُ النَّفْيُ، إِذْ أَوَّلُ وَقْتٍ يَفْهَمُ فِيهِ الْخِطَابَ، غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَنُصِبَ لَهُ عَلَمٌ ظَاهِرٌ يُكَلَّفُ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْبُلُوغُ.
وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَيْهِ، وَصِحَّةِ وَصِيَّتِهِ وَعِتْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَطَلَاقِهِ وَظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ وَنَحْوِهَا، مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ.
_________________
(١) قَوْلُهُ: «وَفِي تَكْلِيفِ الْمُمَيِّزِ، قَوْلَانِ» عَنْ أَحْمَدَ: «الْإِثْبَاتُ» أَيْ: أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، إِثْبَاتُ تَكْلِيفِهِ، لِأَنَّهُ يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ مُمَيِّزًا، لِأَنَّهُ يُمَيِّزُ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ، خَيْرًا وَشَرًّا، وَجَيِّدًا وَرَدِيئًا. وَالتَّمْيِيزُ: التَّخْلِيصُ وَالتَّفْصِيلُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ جِنِّيٍّ فِي «اللُّمَعِ»: التَّمْيِيزُ: تَخْلِيصُ الْأَجْنَاسِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَيُقَالُ: مَيَّزْتُ هَذَا مِنْ هَذَا، أَيْ: أَفْرَزْتُهُ عَنْهُ، وَفَصَلْتُهُ مِنْهُ، فَإِذَا فَهِمَ الْمُمَيِّزُ الْخِطَابَ، كَانَ مُكَلَّفًا، كَالْبَالِغِ. «وَالْأَظْهَرُ» يَعْنِي مِنَ الْقَوْلَيْنِ، «النَّفْيُ» يَعْنِي: نَفْيَ تَكْلِيفِ الْمُمَيِّزِ، «إِذْ أَوَّلُ وَقْتٍ يَفْهَمُ فِيهِ الْخِطَابَ، غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَنُصِبَ لَهُ عَلَمٌ ظَاهِرٌ يُكَلَّفُ عِنْدَهُ، وَهُوَ الْبُلُوغُ» . قُلْتُ: هَذَا تَوْجِيهٌ ظَاهِرٌ، وَأَزِيدُهُ كَشْفًا بِأَنْ نَقُولَ: الْعَقْلُ قُوَّةٌ غَرِيزِيَّةٌ، يُدْرَكُ بِهَا الْكُلِّيَّاتُ وَغَيْرُهَا، وَهُوَ يُوجَدُ بِوُجُودِ الْإِنْسَانِ، ثُمَّ يَتَزَايَدُ بِتَزَايُدِ الْبَدَنِ تَزَايُدًا تَدْرِيجِيًّا خَفِيًّا عَنِ الْحِسِّ، كَتَزَايُدِ الْأَجْسَامِ النَّبَاتِيَّةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ فِي النَّمَاءِ، وَضَوْءُ الصُّبْحِ، وَظِلُّ الشَّمْسِ، وَنَحْوُهَا مِنَ الْمُتَزَايِدَاتِ الْخَفِيَّةِ، فَلَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى أَوَّلِ
[ ١ / ١٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وَقْتٍ يُفْهَمُ فِيهِ الْخِطَابُ، فَجَعَلَ الشَّرْعُ بُلُوغَهُ عَلَمًا ظَاهِرًا عَلَى أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّكْلِيفِ، وَضَابِطًا لَهُ. وَعَلَامَاتُ الْبُلُوغِ: الِاحْتِلَامُ، أَوِ الْإِنْبَاتُ، أَوِ اسْتِكْمَالُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، كَمَا ذُكِرَ فِي الْفِقْهِ، يَعْنِي مِنْ أَحْكَامِهِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. قَوْلُهُ: «وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَيْهِ، وَصِحَّةِ وَصِيَّتِهِ وَعِتْقِهِ، وَتَدْبِيرِهِ وَطَلَاقِهِ، وَظِهَارِهِ وَإِيلَائِهِ، وَنَحْوِهَا» يَعْنِي: مِنْ أَحْكَامِهِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا «مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ»، أَيْ: عَلَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ، أَوْ لَا. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ عَلَى تَفَاصِيلَ ذُكِرَتْ فِي الْفِقْهِ، فَإِنْ ثَبَتَ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ، أَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، فَقَدْ تَبِعَتِ الْفُرُوعُ أَصْلَهَا وَلَا كَلَامَ، وَإِنْ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ شَيْءٌ مِنْهَا، مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ، كَمَا سَبَقَ فِي الزَّكَاةِ وَالْغَرَامَةِ فِي مَالِهِ.
[ ١ / ١٨٧ ]