ولا يقتصرون على حد الضرورة.
وقول القائل: إن هذا غير ملائم للشرع؛ فليس الأمر كذلك: فإن الشرع سلط على [أكل] لحم الخنزير، -وهواخبث المحرمات- عند الضرورة؛ ولكن: اختلف العلماء في أنه [هل] يقتصر على سد الرمق، أو يتناول قدر الاستقلال وتلافى القوة؟. والحاجة العامة -في حق كافة الخلق- تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق الشخص الواحد؛ والحاجة عامة إلى الزيادة على سد الرمق، إذ في الإقتصار عليه وجوه من الضرر: تنقاد إلى بتر النظام، وانصراف الخلق عن إقامة شعائر الشرع، ومصالح النفس. ومنتهى ذلك يقود إلى أن يثبت المرض والسقام، وتتوالى الآلام، ويتداعى ذلك إلى الهلاك. فهذه مصلحة ظاهرة بعمومها وملاءمتها لنظر الشرع، لا مرية فيه.
مثال آخر. فإن قال قائل: لو اجتمع جماعة في سفينة، وأشرفت
[ ٢٤٦ ]
على الغرق؛ علك أنه لو ألقى أحدهم في البحر: لنجا الكل؛ ولو امتنعوا من ذلك: لعمهم الهلاك، فلا شك [في اقتضاء] المصلحة أن يلقى واحد في البحر بالقرعة؛ لأن فيه استبقاء الباقين، وفي الإمتناع عن ذلك إهلاك الجميع؛ وإبقاء النفوس وتقليل الإهلاك واجب، وقد نقل عن مالك -﵁-: قتل ثلث الأمة لاستبقاء ثلثيها؛ من طريق المصالح، فما رأيكم فيه؟
قلنا: هذه بدعة لا يجوز القول بها؛ والوجه: التوكل على الله تعالى، وارتقاب نفوذ قضائه، فأما الإقراع، والتخصيص بالإهلاك [به]-فمحال؛ لأن فيه قتل من ليس جانيًا قصدًا؛ ولا عهد في الشرع بتجريد القصد إلى قتل من ليس جانيًا، لمصلحة غيره، فمصلحة القتل فاتت، ومصلحة غيره ليست أهم من مصلحته في حقه، ولا تغير مصلحة في حقه بالكثرة، ففي قتله تفويت كل أمره، [وكيف لا ولو] أكره ظالم
[ ٢٤٧ ]
شخصين على قتل شخص واحد، لم يبح لهما القتل: لتكثير الإبقاء؛ ولو أكره مسلم على قتل ذمى، أو عالم تقى على قتل فاسق غبي -لم يحل له قتله: لمصلحة إحياء النفس وإبقائها؛ لا بطريق التقديم بالفضل، ولا بطريق التقديم بالكثرة؛ لأن المكره على قتله لا جناية من جهته؛ وحقه مرعى من عصمته في نفسه، فلا يجوز تفويته بالمصلحة.
فهذه مصلحة غريبة غير ملائمة لتصرف الشرع؛ فليس في تصرفات الشرع قتل غير الجاني قصدًا لمصلحة غيره. فهذا مثال المصلحة الغريبة.
فإن قيل: موت هذا الذي يقتل بالقرعة لابد منه على الأحوال كلها، ولنا في الباقين طريقان؛ أحدهما: التخليص، والثاني: الإهلاك، والإهلاك محظور، والإبقاء مقصود؛ وهو ممكن، أما هذا الواحد، فموته- قتل، أو لم يقتل- لابد منه.
قلنا: ما يتفق -من الموت بالآفات السماوية، لا عن قصد- فجميع الخلق بصدده؛ والأمر في التقديم والتأخير قريب، وأما تجريد القصد إلى الإهلاك، جناية على الروح قصدًا لمصلحة الغير- ففيه تفويت مصلحة القتيل بالكلية.
[ ٢٤٨ ]