كان واثقًا بفهم المعنى.
فإن تخيل أنه ربما يثق عند نفسه بفهم المعنى -وكل يعتقد في نفسه غاية الفطنة والذكاء -فهذا الخيار جار في حق الفقهاء؛ ولا سبيل إلى رد أقوالهم بالتهم. فهذا هو الوجه في دفع هذا الخيال.
النوع الثالث: أن يذكر الشارع في الحكم وصفًا، ولم يصرح بالتعليل به، ولكن لو قدر ذلك الوصف غير مؤثر في الحكم وغير موجب له: لكان خارجًا عن الإفادة، ولم تظهر لذكر ذلك الوصف فائدة. فيكون ذكر الوصف تنبيهًا على أنه العلة.
ولهذا القسم أنواع:
أحدها: أن يقع السؤال المذكور في معرض الأشكال بذكر وصف.
[ ٣٩ ]
كما روي: «أنه [ﷺ دعي إلى ضيافة فأجاب، ودعي إلى أخرى فأمتنع فروجع في ذلك فقال: إن في تلك الدار كلبًا، فقيل له: في تلك الدار هرة، فقال]: إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات». فلم لم يكن للطواف والمخالطة في البيوت تأثير في الحكم، لكن كقوله: إنها ليست صفراء، وما يجري هذا المجرى.
وقيل: «إنه قال ذلك لأبي قتادة لما تعجب من إصغائه الإناء لها» [فكان ذكر] هذا الوصف في دفع تعجبه، كذكره في دفع الإشكال.
[ ٤٠ ]
من هذا القسم: أن يذكر وصفًا في محل الحكم لا حاجة إلى ذكره، وإن جرى ابتداء.
كما روي: «أنه ﵇ توضأ بنبيذ التمر وقال: تمرةٌ طيبةٌ، وماء طهور». ولو لم يكن ذلك علة مؤثرة في جواز الوضوء الذي صدر منه، لم يكن له فائدة: إذ علم أن أصل النبيذ تمرة طيبة، وماء ظهور. فلم تكن الفائدة في ذكره تعريف عينه، بل هو تعريف كونه علة الجواز.
فإن قيل: عندكم أن الحديث صحيح، وإن التوضوء بنبيذ التمر غير جائز [فكيف يجوز التمسك به]؟.
قلنا: التوضوء بما توضأ به رسول الله ﷺ جائز، والحديث صحيح، ولكن المراد به: ما نبذ فيه تميرات لاجتذاب
[ ٤١ ]
ملوحته، على عادة العرب فيما يعدونه للشراب. فدلت هذه العلة على جواز التوضوء به سفرًا وحضرًا، وعلى جواز الغسل [به] وإن ورد في الوضوء: لاطراد العلة، إذ لو كان المبيح له هو السفر لما استقام هذا التعليل. ولا يحمل على النبيذ؛ إذ وصفه بهذه الصفة كوصف العصيدة بأنها تمرة طيبة وماء طهور. بل نحمله على ما يتميز فيه التمر بعينه عن الماء، ولم تجر بينهما إلا ملاقاة.
ومن هذا القسم: قوله ﵇: «لعن الله اليهود: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» نبه على أنه علة اللعن، وتنبهنا به على تحريم اتخاذ قبور الأنبياء مساجد. ولو لم يكن كذلك: لم يكن لذكر اتخاذهم [القبور] مساجد معنىً في هذا المقام.
ومن الخيال الباطل، أن يقول القائل: أخبر عن لعنهم وهم ملعونون، ولم يذكر سببه: لأن سببه الكفر؛ وأخبر عن اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. فهما خبران عن مخبرين، لا اتصال لأحدهما بالآخر.
[ ٤٢ ]
وفساد هذا الخيار غير خاف على ذي بصيرة، إذ فهم [منه] الإنكار عليهم باتخاذهم القبور مساجد، ومستند الفهم اللعن السابق ذكره، ففهم أنهم لعنوا بهذه العلة، وإن لعنوا أيضا بعلة الكفر.
ومن هذا القسم، الاستنطاق بوصف مع التقرير عليه.
كقوله ﵇: «أينقص الرطب إذا جف»؟ فلما قيل: نعم، قال: «فلا إذن».
وفيه تنبيه من ثلاثة أوجه، أحدها: بالفاء، إذ قال مرتبًا على ما ذكر: فلا [إذن] والآخر بقوله: [لا] إذن فإنه للتعليل. والآخر: بالاستنطاق والتقرير على الوصف المنطقوق به. فلو حذف الفاء وحذف قوله: إذًا، وقال بعد قولهم: «ينقص الرطب»: لا، مقتصرًا عليه -كان التنبيه باقيًا، إذ لو لم يكن النفي المذكور بقوله: لا، معللًا بالوصف المذكور، لم يكن الاستنطاق [به] فائدة. فقد تراكمت وجوه التنبيهات،
[ ٤٣ ]
فلأجله ظهر حتى لا يسع خلافه لمنصف عاقل، وترقى في الظهور إلى رتبة التصريح والتنصيص.
ومن هذا القسم، أنه يجيب على محل السؤال بذكر نظيره، فيعلم أن وجه التنبيه هو العلة في الحكم، إذ لولاه لم يكن ذكر النظير جوابًا.
وذلك كقوله ﵇ لعمر رضوان الله عليه -وقد سأل عن قبلة الصائم -: «أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته»، تنبيهًا على أن القبلة مقدمة قضاء [شهوة الفرج]، وليس فيها قضاء شهوة الفرج، كما أن المضمضة مقدمة قضاء شهوة المعدة [وليس فيها قضاء شهوة المعدة]. فعدم قضاء الشهوة سبب عدم الإفطار، لأن سبب الإفطار قضاء الشهوة، فانتفى الحكم بانتفاء سببه. ففهم على الجملة تأثير الوجه الجامع بين محل السؤال والنظير المذكور في الحكم الواقع على الاشتراك.
[ ٤٤ ]
[وهذا تنبيه من الشارع -﵇]-على أصل القياس في الشرع.
وكذلك قال ﷺ لامرأة سألته عن الحج عن أبيها: أتجزيه لو أدته. فقال ﵇: «أرأيت لو كان على أبيك دينٌ فقضيتيه [أيجزيه ذلك] فقالت: نعم، فقال: «فدين الله أحق بالقضاء».
فإن قيل: ألاقيس عليه الصوم والصلاة؛ وكل ذلك دين من جهة الله ﷿ ثابت في الذمة، وقد ظهر علة جواز القضاء بزعمكم، وهو: كونه دينًا؟
قلنا: لأنه شبهه بدين عرف من جهة الشرع تطرق النيابة إلى أدائه، وعرف أن الحج أيضًا تتطرق النيابة إلى أدائه، وعرف أن الصوم
[ ٤٥ ]