طلب العلامة في قاعدة الربا.
النوع الثاني من ذلك: ما عرف مناط الحكم فيه بالإجماع، ثم سنحت واقعة تركبت من مناطين ازحما عليه، فتتجاذب أطراف الكلام في الترجيح. وهذا ينقسم: إلى ما يزدحم عليه المناطان المتناقضان، فيوجد كل مناط على كماله بتمام صورته. وإلى ما يتركب منهما، فيكون ممزوجا في ذاته، متركب المزاج من القسمين؛ فيتكلم فيه بالتغليب بالشوائب.
أما مثال القسم الأول: فكنظرنا في أن قيمة العبد هل تضرب على العاقلة؟ وهي تتقدر في نفسها؟ وذلك: لأن الإجماع منعقد على أن بدل الدم مقدر، وأن بدل المال غير مقدر، وقد ازدحم على العبد كلاهما؛ فهو إنسان كامل حامل لأمانة الله تعالى ومكلف كالأحرار؛ وهو مال متحول كالفرس والثوب. فمن قدر: لم يخرج عن تقدير بدل الدم، وهو مناط التقدير بالاتفاق. ومن لم يقدر: لم يخرج عن ترك التقدير في بدل المال، وهو علامة لعدم التقدير. ولكن ازدحمت علامتان: تناقض حكمها، وعلم كونهما علامة بالإجماع. فكانت العلامة في أصلها معلومة كونها مناطا، ومعلوم الوجود في المسئلة، فيتعين طريق الترجيح على كل قائل بالقياس.
وكذلك القول في ضرب بدله على العاقلة. وكذلك القول في أنه
[ ٤٠١ ]
هل يملك أم لا؟ لأن الإنسان يملك والمال لا يملك؛ وهو موصف بكلا الأمرين: بالإنسانية والمالية. ولسنا نحيل أن يعثر باحث في هذه المسائل، على وصف يناسب حكمها في النفي والإثبات فيتبعه. ولكن لو قدر فقد المخيلات المناسبات، واعترف المعترف بها- وجب عليه طلب الحكم عن الطريق الذي ذكرناه. وكذلك قد لا يسلم أن المقدر بدل الدم، بل يقول: المقدر بد دم الحر؛ ويستشهد بالقليل القيمة. فيخرج النظر عن مقصود المنال. ولكن لو ترك ذلك الطريق- أيضا- فما ذكرناه- من طرق النظر-[متبع]، فلينتبه الناظر لمقصدنا من سياق كل كلام، ولا ينظرن بعين السخط، ولا يتشوفن- بسبب الحرص على الطعن- إلى تشويش هذه القواعد، بالتحوم على أمور غير مقصودة: قد لا نتعرض لأمثالها أحيانا، اتكالا على قرائح المسترشدين [وعلما منا بتنبههم لها دون التنبيه].
وإذا بان أن ما ذكرناه طريق، فليس هو من الشبه المقدم؛ فإنا قدمنا أن له عمادين، وأن الغموض في تمهيد العماد الأول، وهو: طلب العلامة مع الاستغناء عنها بالاسم المعروف. وهذا الغموض مندفع في هذا المثال أيضا.
[ ٤٠٢ ]