هَل للعامي أَن يتَخَيَّر ويقلد أَي مَذْهَب شَاءَ أم لَا فَإِن كَانَ منتسبا إِلَى مَذْهَب معِين بنينَا ذَلِك على أَن الْعَاميّ هَل لَهُ مَذْهَب أم لَا وَفِيه مذهبان
أَحدهمَا أَنه لَا مَذْهَب لَهُ لِأَن الْمذَاهب إِنَّمَا تكون لمن يعرف الْأَدِلَّة فعلى هَذَا لَهُ ان يستفتي من شَاءَ من شَافِعِيّ وحنفي ومالكي وحنبلي لَا سِيمَا إِن قُلْنَا كل مُجْتَهد مُصِيب لقَوْله ﷺ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ
وَالثَّانِي أَن لَهُ مذهبا ن لِأَنَّهُ اعْتقد أَن الْمَذْهَب الَّذِي انتسب اليه هُوَ الْحق فَعَلَيهِ الْوَفَاء بِمُوجب اعْتِقَاده ذَلِك فَإِن كَانَ حنبليا أَو مالكيا أَو شافعيا لم يكن لَهُ أَن يستفتي حنفيا فَلَا يُخَالف إِمَامه وَقد ذكرنَا قي الْمُفْتِي المنتسب إِلَى مَذْهَب مَا يجوز لَهُ أَن يُخَالف إِمَامه فِيهِ
[ ٧١ ]
وَإِن لم يكن قد انتسب الى مَذْهَب معِين انبنى على أَن الْعَاميّ هَل يلْزمه أَن يتمذهب بِمذهب معِين يَأْخُذ بِرُخصِهِ وعزائمه وَفِيه مذهبان أَحدهمَا لَا يلْزمه ذَلِك كَمَا لم يلْزم فِي عصر أَوَائِل الْأمة أَن يخص الْعَاميّ عَالما معينا بتقليد لَا سِيمَا إِن قُلْنَا كل مُجْتَهد مُصِيب فعلى هَذَا هَل لَهُ أَن يستفتي على أَي مَذْهَب شَاءَ أَو يلْزمه أَن يبْحَث حَتَّى يعلم علم مثله أَسد الْمذَاهب وأصحها أصلا فسيتفتي أَهله فِيهِ مذهبان كالمذهبين اللَّذين سبقا فِي إِلْزَامه بالبحث عَن الأعلم والأفقه من المفتيين
وَالثَّانِي يلْزمه ذَلِك وَهُوَ جَار فِي كل من لم يبلغ دَرَجَة الِاجْتِهَاد من الْفُقَهَاء وأرباب سَائِر الْعُلُوم لِأَنَّهُ لَو جَازَ لَهُ اتِّبَاع أَي مَذْهَب شَاءَ لأفضى الى أَن يلتقط رخص الْمذَاهب مُتبعا هَوَاهُ ومتخيرا بَين التَّحْرِيم والتجويز وَفِيه انحلال عَن التَّكْلِيف بِخِلَاف الْعَصْر الأول فَإِنَّهُ لم تكن الْمذَاهب الوافية بِأَحْكَام الْحَوَادِث حِينَئِذٍ قد مهدت وَعرفت فعلى هَذَا يلْزمه أَن يجْتَهد فِي اخْتِيَار مَذْهَب يقدره على التَّعْيِين وَهَذَا أولى بايجاب الِاجْتِهَاد قيه على الْعَاميّ مِمَّا سبق فِي الاستفتاء